الحد الأغبى للأجور   3 تعليقات

لم تزل معركة الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص مشتعلة فى مصر، حيث نص القانون الحالى بعد تعديله على تخصيص 700 جنيه كأجر أدنى لأى منشأة يعمل بها أكثر من عشرة أفراد على مستوى الجمهورية، بينما يطالب حزب النور بـ1200ج ويطالب عدد من التكتلات العمالية بـ1500ج أو يزيد. وبِغض النظر عن إمكانية تطبيق هكذا قانون على أرض الواقع، فلا أخفى عليكم أنه خيّل الىّ إعتقاد المطالبين به فى سريرة أنفسهم بأن الحد الأدنى من الأجور لو وصل إلى 5000 جنيه لعاش الجميع فى سعادة وهناء ولاختفى الفقر والفقراء بكيرة تطبيق هذا القانون المبارك. لكن هل هذه هى الحقيقة؟ هل يمكننا زيادة الدخول بجرة قلم؟ للأسف لا.. لأربعة أسباب على الأقل:

1-تكلفة التطبيق:
فهذا القانون هو كغيره من القوانين -الضرورية منها والشمولية- له تكلفة تطبيق على المجتمع. فطالما سننت قاعدة وتوعدت المخالفين لها بالحبس أو الغرامة فعليك الآن بِصَب بعض موارد الدولة لحمل الناس على الإلتزام بها وضبط المخالفين، مما يعنى إما رفع الضرائب، وإما الأخذ من تمويل برامج أخرى كمكافحة المخدرات مثلاً وتوجيهها لمكافحة مخالفى الحد الأدنى. إذاً فمن ناحية لدينا مصاريف إدرايين ومفتشين وضباط وقضاة، ومن ناحية أخرى لدينا حرقة دم وأعصاب التجار وأصحاب الأعمال والتى بدورها تعقّد من سلاسة عملية الإستثمار فى البلد وتثبط عزيمة مَن يريد إقامة مشروعات بها، أضف إلى ذلك الفساد الآخذ شكل رشاوى ومحسوبيات والذى سيتخلل بعضاً من عمليات الضبط الحقيقية أو الملفقة، وأخيراً فهناك مصاريف إعالة المسجون والتكلفة الإقتصادية والمعنوية عليه وعلى أهله فى حالة الحبس.

2-السوق السوداء:
سنتخيل أن الحكومة تقبلت كل تلك التكاليف بصدر رحب وأخذَت القانون مأخذ الجد ضاربة بيد من حديد على من تسول له نفسه تعيين عمال براتب دون الحد الأدنى، هنا سينفتح الباب على مصراعيه للسوق السوداء.. فأصحاب العمل لن تنتفى حاجتهم للعمالة الرخيصة ولذا سيحاولون التحايل على القانون بتعيين عمالة دون عقود مثلاً، أو بتعيينهم مقابل أجرة يومية وليس براتب شهرى، أو محاسبتهم بالقطعة (كمية العمل المنجَز) بدلاً من الراتب الثابت، أو بكتابة مبلغ أكبر من الذى يتقاضاه العامل فى العقد وتحذيره من أن شكواه ستؤدى به إلى الفصل (ولو صدّقت الحكومة كل شكاوى العمال فى هذا الصدد للقضاء على تلك الحيلة لأدى ذلك لانتشار الشكاوى الكيدية الكاذبة بغرض إبتزاز أصحاب الأعمال)

3-طرد العمال الثانويين:
دعونا نتخيل فشل كل الحيل السابقة لأن حكومتنا المتيقظة تنبهت لها وإستطاعت القضاء عليها بطريقةٍ ما آخذة على أيدى المخالفين ومنكلة بهم حتى أجبرت الجميع على الإلتزام والإنصياع للحد الأدنى “العادل” من الأجور. هنا أبسط شىء سيحدث هو إستغناء أصحاب الأعمال عن أكبر عدد ممكن من العمال الذين تقل قيمتهم فى سوق العمل عن 700 جنيه. فإنْ كان صاحب محل بقالة مثلاً يستعين بعامل نظافة ويدفع له 500ج ثم وجد أنه مُلزم الآن بدفع  700 لربما فصل هذا العامل ودمَج مهمة نظافة المحل مع مهمة عامل التوصيل مثلاً ورفع من راتبه قليلاً، أو ربما إستغنى عن أحد عاملىّ النظافة لديه إن كان لديه إثنان وإكتفى بواحد فقط حتى إن أدى ذلك لتقليل درجة النظافة حرصاُ منه على خفض التكاليف ليتمكن من المنافسة. والأسوأ أن أول عمال سيتم طردهم هم الأضعف والأقل إنتاجية وليس المهرة المحترفين الذين يصعب الإستغناء عنهم، وهكذا تكون الحكومة قد أذت من رمت إلى مساعدته.

4-تحميل التكلفة على المستهلك:
طيب فلنتخيل الآن أن كل ما سبق هو ضرب من الخيال وأن شيئاً منه لم يحدث، وأن أصحاب الأعمال رفعوا أجور العاملين لديهم إلى 700جنيه فعلاً، وأن قلوبهم الرقيقة لم تطاوعهم لا فى فصل العمال الحاليين ولا حتى فى الإمتناع عن توظيف عمالة جديدة، وأنهم ظلوا يفتحون نفس عدد الشركات حتى لو كانت خاسرة من أجل العمال المساكين.. من تعتقدون سيتحمل التكلفة الزائدة؟ هل هو صاحب العمل؟ بالطبع لا، إنه أنا وأنت والعامل الذى زاد راتبه والعاطل الذى لا يجد عملاً. فرفع الأجور عن طريق القانون وليس عن طريق العرض والطلب وحرية السوق له نفس تأثير ضرائب المبيعات، وفى النهاية سنجد مَن كانوا يطالبون برفع الأجور بالأمس يصرخون من الغلاء اليوم مطالبين الحكومة بوضع حد أدنى جديد للأجور لأن الأسعار الحالية لم تعد تناسب الحد الأول. و لربما بكسوا أعينهم مطالبين بوضع حد أقصى لثمن كل سلعة -تسعيرة كما كان الحال أيام بطاقة التموين- مطالبين الحكومة بالتفتيش على آلاف وملايين منافذ البيع لضمان مطابقة أسعارها للمواصفات.

وعلى من ينادى بتطبيق حقوق العمال على الشركات إجبارياً أن يفهم أولاً آلية العرض والطلب للعمالة ومراحل التطور الاقتصادى.. فتحت أى اقتصاد بدائى ينخفض أجر العمال (وكذا قوتهم التفاوضية عموماً فيما يتعلق بالعطلات والضمانات والتأمينات والحقوق إلخ)، مما يشجع أصحاب المدخرات على فتح أعمال وشركات جديدة ويثبت أقدام الأعمال والشركات المتعثرة نظراً لرخص العمالة وسهولة استغلالها. ثم مع الوقت وبسبب سهولة الربح تلك تزيد نسبة المستثمرين والملاك مقارنة بنسبة العمال فى هذا المجتمع، مما يزيد الطلب تدريجياً على العمال الذين صارت أعدادهم فى تتناقص، مما يمنحهم قوة تفاوضية لمطالبهم أكثر وأكثر دون الحاجة لتدخل مركزى للدولة. أما فى حالة التطبيق المركزى الذى يتعجل هذه الثمرة قبل أوانها تقل أعداد الأعمال والاستثمارات الجديدة وتزيد نسبة الإفلاسات مما يقلل الطلب على العمالة بدوره، فتصير الطبقة العاملة دائمة الحاجة لقوة القانون الجَبرى لتحيا بكرامة بدلاً من تحقيق ذلك بطريقة طبيعية طوعية تفيد الجميع. وهذا ناهيك عن تأثر قدرة الدولة التصديرية قبل وصول اقتصادها لمرحلة النضج، إذ يؤدى إرتفاع أجور العمالة لتقليل تنافسية سلعنا فى السوق الدولية.

وللإنصاف فإن موضوع الحد الأدنى للأجور هذا ليس إستثناءاً، بل هو حلقة فى سلسلة طويلة من السياسات الإقتصادية والإجتماعية الشمولية التى ما وَضعت الحكومة يدها فيها إلا وحدثت مصيبة، وكأن المثَل القائل “تيجى تكحلها تعميها” وُضع خصيصاً للحكومة.. فمن أمثلة التدخل الفاشل الذى لا ينتهى:

  • وضْع حد أقصى للإيجار التخفيف عن الساكنين فإذا به يخلق أزمة إسكانية لتوقف المستثمرين عن بناء العقارات بعد زوال ربحها
  • تجريم الكتب الخارجية للتخفيف عن الطلبة فإذا بسعر الكتاب الخارجى يتضاعف لتعرض بائعه لتحرش الشرطة فى أى وقت
  • دعم الوقود باليمين وتحصيل قيمة الدعم مِن الضرائب بالشمال مما يرفع أسعار السلع بنفس القيمة فضلاً عن خلْق سوق سوداء للوقود فى أوقات الازمات
  • دعم التعليم بنقود الضرائب للتخفيف عن الفقراء فصار الجميع “متعلمين” لا يفقهون شيئاً وتفاقمت البطالة المقنعة فى شكل مدارس وجامعات تستهلك موارد الدولة دون ناتج فعلى، فضلاً عن استفحال الدروس الخصوصية وتأسيس المدارس والجامعات الخاصة ليعود التمايز بين الطبقات من جديد مع فارق ضياع أعمار ونقود الأغنياء والفقراء معاً فى علم لا ينفع وجهل لا يضر
  • فرْض شروط مهينة وتعجيزية على الأزواج والمطلقين لحماية الزوجات والمطلقات فإذا بالرجال يعرضون عن الزواج بالمرة وتصل العنوسة لمستوى قياسى يهدد هيكل المجتمع

وهكذا لا تفتأ الدولة عن تقمص دور الأم الرؤوم التى تسيطر على تحركات أطفالها بالكامل دون إعطائهم أدنى فرصة لاتخاذ قرارات مستقلة خوفاً عليهم من تبعاتها.. مع فارق أن الواقع أثبت حنكة ومهارة ودراية هؤلاء الأطفال مقارنة بالأم التى تجلس فى برج عاجى تسن منه التشريع النموذجى تلو التشريع النموذجى دون الإلتفات للتأثير الفعلى على الأرض. فماذا على “ماما حكومة” لو استفادت من تجارب الماضى وفشل الحاضر والتزمت بدورها الأصلى فى حماية الأرواح والممتلكات، وإدارة المرافق العامة، وحل النزاعات القضائية بسرعة وكفاءة، ثم تركت الناس وشأنهم يديروا أمورهم وحياتهم بأقل تعقيد ممكن وأقل تدخل ممكن؟ ممكن؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يونيو 28, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

3 responses to “الحد الأغبى للأجور

Subscribe to comments with RSS.

  1. حاجة غريبة انا راجعت على التعليق ومع ذلك فى اخطاء …… الزهايمر اشتغل

  2. موضوع المرتب ده انا بفكر فيه من زمان ……..اكتشف انه لايمكن تحديده له فهو مثل معظم السلع لا تستطيع تسعيرها لانها سعرها يتغير بأستمرار وفقا للعرض والطلب …… ولكن وضع قوانين لزيادة المرتب فى حالة زيادة الارباح بنفس نسبة الزيادة

    • هذه القوانين التى تقترحها غير عملية يا وائل.. لأنها تشترط أن يعرف كل عامل فى المنشأة من أول المدير حتى الفراش كم ربحت المؤسسة وكم خسرت وهذه أسرار عمل، فضلاً عن أن التحايل عليها فى منتهى السهولة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: