عندما يشتكى الكناس من كثرة القمامة..   Leave a comment

..يكون غبياً بالطبع! فبقائه فى وظيفته ومصدر رزقه يعتمد على إلقاء الناس بالقاذورات، ولولا ذلك لما كانت هناك حاجة له. بل وينبغى عليه التسلل كل ليلة ونثر كميات ضخمة من المهملات فى الشارع لتعيّن المحافظة مزيداً من الكناسين تحت يده فيترقى ويصبح مديراً عليهم. نفس الشىء ينطبق على شكوى تاجر المخدرات من حملات الشرطة مثلاً.. فلو لم تكن الشرطة تشن حملات على تجار المخدرات وسمحت ببيعها دون قيود كالسجائر لَما تمكن هذا التاجر من الربح أكثر مما يربح كشك البقالة العادى، إذ أن ربحه قائم على تقبله القيام بمخاطرة يعزف عنها معظم الناس. وينطبق نفس المبدأ بالطبع على الشرطى الذى يشتكى كثرة تجار المخدرات.. فلو اختفى تجار المخدرات من الوجود غداً سيبيت هو وأسرته فى الشارع بعد غد بسبب عدم حاجة المجتمع له

هذا هو جمال وقبح الاقتصاد، فكل الوظائف تقوم على ما يمكن أن نسميه استغلال الآخرين.. فالطبيب لن يحيا بدون المرض، والقاضى لن يحيا بدون الظلم، والواعظ لن يحيا بدون العصيان والذنوب، والسياسى الأمين لن يحيا بدون السياسى المراوغ الذى يبيّن للناس مدى طُهره عند المقارنة

من أجل هذا كثيراً ما تقوم تحالفات ومؤامرات لضمان بقاء الطرفين فى حالة معقولة.. فتسمع عن صفقات سرية بين الشرطة وعصابات الجريمة المنظمة تقتدى مثلاً تخفيف حملات الإعتقال والمداهمة مقابل عدم إغراق الأسواق بأنواع قاتلة من المخدرات وإعطاء “الباشا” حقه (وقلما تقبض الشرطة على حيتان المخدرات الكبار بل تكتفى بإمساك “السمك الصغير” لحرصها على بقاء السوق راجئاً)، أو عن صفقات سرية ومعلنة بين العرب وإسرائيل تكرس لما يسمى بحالة اللاسلم واللاحرب، أو عن تحالفات على أعلى مستويات السياسة الأمريكية حول تقسيم مقاعد مجالس النواب والفترات الرئاسية. وهذه النوعية من الصفقات وإن كانت توصَف -صدقاً- بالقذارة إلا أن وجودها منطقى بل وحتمى لأنه يقلل من حدة الصراع بين الأطراف المتنافسة بحسب توزيع موازين القوى فيضمن الوصول للنتائج النهائية بدون خسائر، إذ لماذا نتقاتل مادمنا نعلم أنى سأكسب الحرب فى النهاية؟ إعطنى ما أريد بالذوق إذا وسأستذوق أنا معك أيضاً. لماذا نتنافس فى الإنتخابات مادمنا نعلم أننا سنتقاسم المجلس بالنصف فى النهاية؟ تعال نوزع الدوائر الإنتخابية بالنصف ونوفر مصاريف الدعاية علينا إذاً. لماذا أقبض على رجالك وأتحمل المشقات وتتحمل الدولة مصاريف سجنهم سنوات طويلة وأنا أعلم يقيناً أنك ستؤجر “صبيانا” غيرهم فوراً ونبدأ الدورة من جديد؟ دعنا نتفق على الأصناف والكميات التى ستدخلها السوق والتى لن تدخلها ولنصبح أصدقاء.. وهكذا

بل يصل الأمر أحياناً فى حالة عدم وجود عدو يبرر وجود طرفٍ ما إلى خلقه من العدم.. فكما أسهبنا فى سلسلة “أكبر كذبة فى التاريخ” فإن موضوع الإرهاب هذا كله بدءاً بأحداث 11 سبتمبر وحتى تخطيطات قتل المدنيين المفترضة بأمريكا وأوربا ثبت بأدلة شديدة الترجيح أنها من إعداد المخابرات الغربية لتبرير حربها على “الإرهاب” والتى بدونها كانت سترتفع معدلات البطالة بأمريكا إلى درجات خيالية. كذلك نجد منظمة الصحة العالمية كانت بالغت كثيراً فى مدى خطورة أنفلونزا الخنازير نظراً لوجود روابط مالية بين بعض العلماء بها وبين شركة التَميفلو المنتجة لعقار الأنفلونزا. وفى العقود الأخيرة نجد منظمات الصحة والدواء الأمريكية دائماً ما تضغط لإعادة تعريف حالات لم تكن تُشَخّص كأمراض (كارتفاع ضغط الدم قليلاً أو حالة اكتئاب بسيطة وعابرة) على أنها أمراض خطرة لابد من علاجها بالعقاقير كى تزيد من مبيعاتها

الذى لاحظته فى جميع تلك الحالات هو ازديادها مع ازدياد رفاهية المجتمع.. فلو تخيلنا قبيلة بدائية تعيش فى غابة مثلاً فلن نجدها تمارس مثل هذا التهريج أبداً، إذ أن ما يقوم به كل فرد كالصيد أو الحراسة أو الحياكة سيكون ضرورياً وذو حاجة ملحة بالفعل، لكن كلما قلّّت الحاجة للوظائف المنتجة الحقيقية بسبب استبدال معظمها بالآلات والتقنيات الحديثة كلما احتاج العاملون بها لاختراع أعداء وهميون أو أمراض وهمية أو مناهج تعليم عقيمة لتبرير بقاءهم فى وظائفهم كى لا يفقدوا أرزاقهم. وحل تلك المشكلة المتفاقمة -والذى سنشرحه تفصيلياً فى مقالات القادمة- هو تقليل سنوات الدراسة وسنوات العمل كى ينعم الفرد منا فى المجتمع الحديث بأكبر قدر من وقت الفراغ والرفاهية بدلاً من اختراع الأوهام واحداً تلو الآخر للبقاء فى وظائف والقيام بأعمال لا حاجة لنا بها ولا تفيد أحدا

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يوليو 6, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: