رؤساء مصر القادمون تحت بيادة العسكر   Leave a comment

ساذج هو من ينظر لظواهر الأمور دون بواطنها خاصة فى عالم السياسة، وأشد سذاجة منه من ينظر لليوم دون الغد خاصة -أيضاً- فى عالم السياسة.

لم يكن المرء يظن أن المصريين بحاجة لأن يوعظوا بهاتين القاعدين الأساسيتين. فاحتفال معارضو الإخوان بالإطاحة بهم أشبه باحتفال تاجر بالسطو على محل منافسه، متناسياً الأضرار الجسيمة التى ستقع عليه وعلى جميع التجار نتيجة إنعدام الأمن على المدى البعيد. فرئيس مصر القادم سيعلم -لا محالة- أن أمر إبقاءه أو الإطاحة به بيد العسكر، وأنه إن أغضبهم أو عارضهم فلن تتعدى أيام حكمه أول مظاهرة تَحشِد بضعة ملايين من معارضيه يتخذها الحكام الحقيقيون ذريعة لعزله ومحاكمته “بإسم الشعب”. وهذا لعمرى لهو الإستبداد بعينه والحكم العسكرى بتعريفه، فلا يهم إن كان الرئيس القادم إسلامياً أم علمانياً.. رأسمالياً أم اشتراكياً.. محافظاً أم منفتحاً.. فكل هذا سيكون شعار وغطاء خارجى، أما فى الحقيقة فلن يعدو عن كونه ألعوبة بيد الجيش يحركها كيفما يشاء.. فلم يزل العسكر يحكمون مصر لكن هذه المرة من وراء الستار.

لكن ما مشكلتنا تحديداً مع حكم العسكر؟ هل أنهم غير منتخبين فلا يمثلون الشعب ولا يمكن التخلص منهم بعد أربعة سنوات؟ هل أن عقليتهم قائمة على نظام جبرى قوامه تنفيذ التعليمات دون تفاوض أو تنازل؟ هل أنهم -حتى لو تقلدوا مناصبهم مثاليين لا تشوبهم شائبة- سيفسدون من السلطة المطلقة التى لا تحدها حدود والتى تحوّل الملائكة لشياطين؟ كل هذه حقائق، لكنها معروفة للقاصى قبل الدانى. ما نود تسليط الضوء عليه اليوم خصيصاً هو أمر لا يعلمه كثيرون ولا يكاد يذكره أحد: إنه إمبراطورية الجيش الإقتصادية..

فجيش مصر أوشك أن يمر على آخر معركة خاضها أربعة عقود كاملة، ومنذ ذلك الوقت تتفرغ أعداد متزايدة من قادته خاصة المحالين للمعاش لإدارة مصانع تجميع السيارات والأدوات المنزلية، وشركات الملابس والإنشاءات، وأنشطة القرى السياحية وملاعب الكرة، ومزارع القمح ولحم النعام، ومنافذ بيع الأطعمة والوقود، والمملوكة جميعها إسمياً للدولة. ولم يتم الإعلان أبداً عن حجم تلك الإمبراطورية التى يتراوح تقديرها لما بين 15-40% من الاقتصاد المصرى بأكمله، ولا يعلم أحد من الشعب المصرى ولا حتى البرلمان أو الجهاز المركزى للمحاسبات حجم الِنسب والعمولات والمكافآت التى يتقاضها السادة الضباط مقابل جهودهم الإدارية، بل ولم يسمع أحد من الأساس عن حجم ميزانية الجيش الرسمية إلا منذ سنة واحدة فى العام المالى 2012/2011 بعدما نص الدستور الجديد على مناقشتها علناً مخالفاً توصيات كبار الجنرالات.

ليس هذا فقط.. فكأى إمبراطورية أخرى تزدهر إمبراطورية العسكر على أكتاف العبيد. فالفلاح الذى يُنتزع من أسرته وأرضه أو ورشته ليقضى أزهى سنوات العمر دفاعاً عن الوطن قد يقضيها فى الحقيقة فى السخرة لتشغيل مصانع ومزارع السادة الضباط دون مقابل. ولذا فتتمتع هذه المشاريع بميزة كبيرة حيث لا تدفع قرشاً واحداً لمعظم عمالها، مما يمكنّها من منافسة القطاع الخاص المفتقر لهكذا “ميزة” متفوقة عليه فى سعر السلع، وهو ما يفقد القطاع الخاص خاصة الناشىء بل والقطاع العام المدنى أيضاً الكثير من الزبائن وفرص النمو لصالح شركات وأعمال السادة الضباط.

ولذا فحَسن النية هو من يظن أن دفاع العسكر عن قصر وبرلمان ومبنى إذاعة مبارك إبان الثورة -والذى حال دون سَحله فى قصره يوم السبت 29 يناير- كان من قبيل الولاء للرئيس السابق فحسب، فلا شك أن أكبر همومهم كانت حول مصير هذه المليارات السائغة والتى لا يعلمون عما لو كان الرئيس الجديد -الذين ظلوا يؤخرون موعد انتخابه قدر استطاعتهم- سيقصقص ريشهم المترف وينتزعها منهم أم لا. بل إن الكاتب لا يجد كلمة تصف قادة جيش مصر الحاليين أنسب من كلمة “مافيا”.

وختاماً لابد من تذكير أبناء بلدى مصر وكافة دول الربيع العربى بالحكمة من إجراء انتخابات كل بضعة سنوات وليس كل سنة أو كل شهر. ففضلاً عن التكلفة الضخمة التى تقارب 27 مليار جنيه تُهدر معظمها فى الدعاية، فقد أجمعت النظم الديمقراطية فى كافة أنحاء العالم على منح الحزب المنتخَب صلاحية استبداد مؤقت لإثبات نجاحه أو فشله حيث قلما يظهر أثر القرارات الصائبة أو الخاطئة فورياً. ورغم أنه لا يجادل منصف فى فشل نظام الرئيس مرسى الذريع إذا ما أخذنا أول عام كمعيار حيث لم يتغير شىء منذ عهد مبارك بل وتفاقمت بعض الأزمات، إلا أن الكلفة السياسية للإنقلاب العسكرى على الرئيس والمتمثلة فى رؤساء ورق خاضعين لسيطرة الجيش طيلة العقود القادمة لهى مهولة إذا ما قورنت بكلفة سوء إدارة مصر لثلاث سنوات قادمة فقط مع إرساء نظام مدنى ديمقراطى. والعاقل يحسبها.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يوليو 9, 2013 by حسام حربى in معارضة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: