الزن على الودان.. سحر الإعلام   Leave a comment

بعد الإنتهاء من مجموعة المقالات الاقتصادية كنت أود البدء فى سلسلة مقالات الحكم وإدارة الدولة، لكن نظراً لأنه لم يعد عندنا دولة فلعله من الأنسب أن أكتب فى موضوع آخر أكثر ارتباطاً بالواقع الآن وهو الإعلام. فاليوم نبدأ مجموعة مقالات تتحدث عن أساليب الإعلام فى التأثير على عقول الناس والسيطرة عليهم..

منذ زهاء السبعين عاماً قال جوزف جُبلز وزير الإعلام النازى -ومعروف أن هتلر كان بخطبه الرنانة وآلته الإعلامية الضخمة أبو غسيل المخ- أنه “بتكرار كذبة ما مرات كافية تصبح حقيقة تصدقها الجماهير”.. وقد سبقه الفلاح المصرى الأمّى إلى هذا الكلام الكبير منذ ملايين السنين حين قال “الزن علودان أمر من السحر”

وفعلاً.. فكم من مرة يا عزيزى القارىء اختلفت مع زوجتك وكنت على استعداد أن تراهن بكل ما تملك أنك لن تغيّر رأيك أبداً فى تلك المسألة لاقتناعك الشديد أنك على حق وما تقوله هى لا يعدو عن هراء، حتى ما أن تلبث أسابيع أو أيام قلائل -حسب مستوى همتها- تجد نفسك تخر صريعاً أمام طوفان الزن والإلحاح؟ هذا هو سحر التكرار.. فلا هى أعطتك مبررات إضافية لتقبل وجهة نظرها ولا أعدّت نقاشاً موضوعياً تُبرز فيه مزايا رأيها وعيوب رأيك ولا أى شىء من هذا الكلام الفارغ فكله مضيعة للوقت.. بل كررت وأعادت وأزادت حتى انهارت قدرتك على المقاومة

لكن انهيارك هذا قد يرجع إلى أحد سببين.. أما أنك خفت على دينك من الضياع فقلت “قضى أخف من قضى واهى ولية غلبانة حرام أكسر بخاطرها” صيانة لكرامتك الجريحة، وهذا ينطبق أكثر فى الحالات الفردية كرجل مع زوجته أو أم مع أبنائها. أما الإحتمال الثانى -وهنا يأتى السحر الحقيقى للتكرار- هو أنك اقتنعت فعلاً بأن ما تريده زوجتك هو الصواب! وهذا ما يعتمد عليه مصممو الإعلانات والدعاية عندما يختارون شعاراً لشركة من الشركات مثلاً وتجد هذا الشعار يتكرر على سمعك كلما فتحت التلفزيون أو على بصرك كلما مشيت فى الشارع فيبدأ بالانطباع فى ذهنك حتى وإن كنت سخِرت منه أول مرة تسمعها لأنه كان معاكساً للمنطق تماماً. وهناك حكمة وراء تسمية طريقة التكرار هذه بـ”غسيل المخ”.. فلأجل إزالة بقعة صعبة من على الملابس تغسلها مرة أو اثنين أو ثلاثة على حسب قوة المسحوق وعناد البقعة، لكن فى النهاية يبقى لكل بقعة قوة احتمال معين إن تخطته فسيتم محوها

فالمرعب هنا أن مخ كل منا بلا استثناء قادر على تصديق أى شىء تماماً، بما فى ذلك الحقائق العلمية والأحداث التاريخية والنظريات الإقتصادية والمعتقدات الدينية.. فأنت بالتكرار مرات كافية قادر على إقناع ما يزيد على تسعة أعشار الناس أن نظرية التطور حقيقة أو باطلة، وبأن مصر انتصرت أو انهزمت فى حرب 1973، وبأن الرأسمالية أو الشيوعية هى النظام الإقتصادى الأنسب، وبأن الزنا كارثة كبرى أو حرية شخصية، وبأن المسيحية أو البوذية أو الإسلام أو الإلحاد هو الدين الصحيح، و بأن الإله الحقيقى هو الله أو يسوع أو بعل أو أبلّو.. لا بشىء سوى بسيطرتك على ما يراه ويسمعه هذا الإنسان. بل نجد الشعوب خاصة فى أوقات الصراع أنه حتى وإن تم تعريفهم بنفس الحقائق إلا أن كل منهم يرى أن بلده هى صاحبة الحق والأخرى هى المعتدية الظالمة من كثرة ما يردد ذلك إعلامه المحلى

وهناك أمثلة واقعية كثيرة لكيفية تأثير الزن على مجريات الأمور على أعلى المستويات حتى إدارة دول بأكملها، فحقوق الزنوج فى أمريكا تم انتزاعها بالمظاهرات السلمية وتكرار الدعوى لمعاملة أكثر إنسانية مرة بعد مرة حتى اقتنع البيض بأن ما يفعلوه منذ 200 سنة كان خطأً لا يغتفر بعدما كان القاعدة الطبيعية للمعاملة. ومن عجائب القدر أن اليهود الذين اضطهدهم هتلر استغلوا نفس مبدأه التكرارى لإقناع العالم بأكذوبة خنق 6 ملايين يهودى بالغاز واتخاذها كذريعة لاحتلال فلسطين وتنظيف جيوب ألمانيا بالتعويضات. أما الأمريكان الذين حاربوه ولاموا عليه خداع شعبه فقد استغلوا طريقته التكرارية فى اقناع العالم بأن المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر هو تنظيم هلامى يرأسه رجل يحتضر لا بشىء إلا إعادة تلك الإدعاءات فى مختلف وسائل الإعلام حتى غدت من كونها تهمة سخيفة ليس عليها دليل بعيد الهجمات إلى حقيقة تاريخية لا ينكرها الا جاهل أو معاند اليوم. كما انتزعت المنظمات النسوية حقوق الرجال بشكل شبه تام وأوشكت على هدم مؤسسة الأسرة عن طريق تكرار أكذوبة اضطهاد المرأة مراراً حتى صارت حقيقة ثابتة. كل هذه الحقوق يا عزيزى القارىء -المشروع منها وغير المشروع- تم انتزاعها بقوة التكرار وليس عن طريق المنطق أو المناقشة العقلانية

ومن هنا نتعلم أن تأثير المظاهرات الحاشدة والحملات الضخمة التى تُرسِل آلاف الرسائل لمسؤولٍ ما كى يتبنى سياسة معينة أو تمرير رسالة إلكترونية للأصدقاء أو التعليق على المقالات المنشورة ليس تأثيراً هيناً كما يظنه البعض “أهو كلام فى الهوا وخلاص” بل هو أقوى من السيف وأفتك من السم.. فهو يغيِّر قلوب الناس بما فيهم خصمك الذى يبدأ فى الإستحياء من أفعاله لنجاحك فى إقناعه بأنه ظالم أو مخطىء. وقد اكتشفت دراسة على سبيل المثال أن مدى الضجيج الذى تحدثه الجماهير فى المباريات يؤثر على قرارات الحكام لصالح الفريق المشجَّع![1]

كل هذا يساعدنا على فهم كيفية سكوت فئات تعرضت للظلم لقرون طويلة كالزنوج المخطوفين للعمل بالسخرة فى أمريكا مثلاً.. فقد كانت تُملأ آذانهم بادعاءات أنهم من جنس أدنى وأنهم أحقر من الرجل الأبيض وأن أى عطية منه لهم هى تفضل وإحسان الخ حتى أنهم وبعد عدة أجيال -وهذا استنتاج شخصى منى- صدّقوا هذا الكلام فعلاً وغدو يحتقرون أنفسهم ولا يرون أن من حقهم أن يتساوو مع الأسياد. ثم تم استنفارهم بطريقة عكسية بأنهم مضطهدين وأن الناس خُلقت سواسية الخ فى منتصف القرن العشرين على يد بعض المفكرين من بنى جلدتهم فكان رد فعلهم مزلزلاً. هذا نموذج تقليدى لتغيير تعريف الصواب والخطأ بمجرد شيوع فكرٍ ما، فمنطق “كلنا ولاد تسعة” لم يكن مقنعاً وقتها بينما منطق “يحق للجنس الأقوى والأذكى أن يتحكم فى الأجناس الأخرى” كان مقبولاً ومعقولاً وصحيحاً بينما اليوم العَكس هو السائد[2].. فإن أردت أن تتخيل شعور رجل أبيض من القرن الـ18 عند سماعه بأفكار اليوم فتخيل شخصاً يقول لك اليوم أنه ليس من حقك ذبح الحيوانات مثلاً لأنها مخلوقات حية مثلها مثلك، وإن إستمر على مطالباته تلك مدة كافية فمن المؤكد أنك ستتحول إلى نباتى عاجلاً أم آجلاً! فتكرار النهى أو التحذير من فِعلٍ ما ليلاً ونهاراً يحوِّل فاعله -بشرط إختلاطه بهذا الفِكر وتعرضه المستمر له- إلى شخص غير واثق من نفسه ومن تصرفاته حتى وإن كان مقتنع عقلاتياً 100% بمبادئه وصحة ما يفعله، وينتابه القلق والتردد من كل خطوة فى هذا الإتجاه لشعوره بأنه إرتكب المحظور الذى نُهى عنه مراراً حتى وإن إدعى الثبات وعدم الإكتراث بما يُطالبه الناس به

كذلك نرى فى العقود الأخيرة أن خسائر الحروب البشرية لا تزيد عن مئات أو آلاف الناس بعكس ما كان عليه الحال فى الماضى عندما كانت تُباد مدن بأكملها إبان غزوها رغم تقدم الأسلحة، وأحد الأسباب الهامة لذلك هو تكرار رسالة مضادة للحروب فى الإعلام الدولى، فالبلد التى ستْقدِم على ذلك الآن ستقوم عليها الدنيا باللوم والإنتقاد ولن تقعد ولا أحد يريد وجع الدماغ.. وإلا فما الذى يمنع قوة عظمى كالصين أو روسيا من ضرب جارتها الصغيرة منغوليا بكم صاروخ نووى ثم نهب كل مواردها؟

من أجل ذلك فقوة التكرار شديدة التخويف لمن يتأملها.. فإن تعرضْت لتجربة أو اثنين من النوع المزلزِل للرواسخ فستبدأ فى إدراك ضعفك الشديد وأن قوتك فى التمسك بمبادئك وآرائك لا تزيد كثيراً عن قوة سيارة تندفع فى اتجاه معين وتحتاج للوقود باستمرار للمضى فيه.. فإن نفد الوقود (والوقود هنا هو الغذاء الفكرى أو الإعلامى الذى يبقيك ثابتاً على مبادئك) فستتوقف السيارة، وحينئذ يسهل على أى شخص أن يربطها بسيارته هو ويبدأ فى جرها فى طريقه. فإن جئنا بأكبر شيوعى فى العالم مثلاً ووضعناه فى بيئة لا يقرأ فيها سوى عن مفاسد الشيوعية وأضرارها والخراب الذى سببته والكفاءة التى تضيع بسببها إلخ فقطعاً سيتحول إلى شيوعى متشكك ثم تائه ثم رأسمالى صميم فى نهاية المطاف والعكس صحيح تماماً

مهما قلت فلن يمكننى أن أعطى قوة التكرار فى السيطرة على فِكر وفعل الآخرين حقها.. بل إنى لأزعم أن فرصة أى مبدأ فى الإنتشار والسيطرة مساوية تقريباً لغيره من المبادىء، إلا أن ما يحوِّله لواقع عملى هو قدْر إجتهاد أتباعه فى تكراره على مسامع الناس حتى يصير حقاً ويصير ما سواه باطلاً لا يستسيغه أحد ويهرع لإدانته الجميع إذا ما نطق به أحد مؤيديه. فالزن على الودان لهو بالفعل أمَرّ من السحر.. أمر من السحر.. أمر من السحر.. هل رأيت كيف بدأت تقتنع؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

[1]http://journals.humankinetics.com/jsep-back-issues/jsep-volume-32-issue-4-august/crowd-noise-as-a-cue-in-referee-decisions-contributes-to-the-home-advantage
[2]بدأَت حديثاً فى أمريكا بعض الهمسات بأنه يحق لها أو من واجبها أن تَحكم العالم لأنها ستديره على نحو أفضل من حكوماته، إلا أنها تُعتبر أفكاراً متطرفة حتى الآن لا يتقبلها الأمريكى العادى

Advertisements

Posted أغسطس 2, 2013 by حسام حربى in حيَل الإعلام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: