Archive for the ‘اقتصاد’ Category

عندما يشتكى الكناس من كثرة القمامة..   Leave a comment

..يكون غبياً بالطبع! فبقائه فى وظيفته ومصدر رزقه يعتمد على إلقاء الناس بالقاذورات، ولولا ذلك لما كانت هناك حاجة له. بل وينبغى عليه التسلل كل ليلة ونثر كميات ضخمة من المهملات فى الشارع لتعيّن المحافظة مزيداً من الكناسين تحت يده فيترقى ويصبح مديراً عليهم. نفس الشىء ينطبق على شكوى تاجر المخدرات من حملات الشرطة مثلاً.. فلو لم تكن الشرطة تشن حملات على تجار المخدرات وسمحت ببيعها دون قيود كالسجائر لَما تمكن هذا التاجر من الربح أكثر مما يربح كشك البقالة العادى، إذ أن ربحه قائم على تقبله القيام بمخاطرة يعزف عنها معظم الناس. وينطبق نفس المبدأ بالطبع على الشرطى الذى يشتكى كثرة تجار المخدرات.. فلو اختفى تجار المخدرات من الوجود غداً سيبيت هو وأسرته فى الشارع بعد غد بسبب عدم حاجة المجتمع له

هذا هو جمال وقبح الاقتصاد، فكل الوظائف تقوم على ما يمكن أن نسميه استغلال الآخرين.. فالطبيب لن يحيا بدون المرض، والقاضى لن يحيا بدون الظلم، والواعظ لن يحيا بدون العصيان والذنوب، والسياسى الأمين لن يحيا بدون السياسى المراوغ الذى يبيّن للناس مدى طُهره عند المقارنة

من أجل هذا كثيراً ما تقوم تحالفات ومؤامرات لضمان بقاء الطرفين فى حالة معقولة.. فتسمع عن صفقات سرية بين الشرطة وعصابات الجريمة المنظمة تقتدى مثلاً تخفيف حملات الإعتقال والمداهمة مقابل عدم إغراق الأسواق بأنواع قاتلة من المخدرات وإعطاء “الباشا” حقه (وقلما تقبض الشرطة على حيتان المخدرات الكبار بل تكتفى بإمساك “السمك الصغير” لحرصها على بقاء السوق راجئاً)، أو عن صفقات سرية ومعلنة بين العرب وإسرائيل تكرس لما يسمى بحالة اللاسلم واللاحرب، أو عن تحالفات على أعلى مستويات السياسة الأمريكية حول تقسيم مقاعد مجالس النواب والفترات الرئاسية. وهذه النوعية من الصفقات وإن كانت توصَف -صدقاً- بالقذارة إلا أن وجودها منطقى بل وحتمى لأنه يقلل من حدة الصراع بين الأطراف المتنافسة بحسب توزيع موازين القوى فيضمن الوصول للنتائج النهائية بدون خسائر، إذ لماذا نتقاتل مادمنا نعلم أنى سأكسب الحرب فى النهاية؟ إعطنى ما أريد بالذوق إذا وسأستذوق أنا معك أيضاً. لماذا نتنافس فى الإنتخابات مادمنا نعلم أننا سنتقاسم المجلس بالنصف فى النهاية؟ تعال نوزع الدوائر الإنتخابية بالنصف ونوفر مصاريف الدعاية علينا إذاً. لماذا أقبض على رجالك وأتحمل المشقات وتتحمل الدولة مصاريف سجنهم سنوات طويلة وأنا أعلم يقيناً أنك ستؤجر “صبيانا” غيرهم فوراً ونبدأ الدورة من جديد؟ دعنا نتفق على الأصناف والكميات التى ستدخلها السوق والتى لن تدخلها ولنصبح أصدقاء.. وهكذا

بل يصل الأمر أحياناً فى حالة عدم وجود عدو يبرر وجود طرفٍ ما إلى خلقه من العدم.. فكما أسهبنا فى سلسلة “أكبر كذبة فى التاريخ” فإن موضوع الإرهاب هذا كله بدءاً بأحداث 11 سبتمبر وحتى تخطيطات قتل المدنيين المفترضة بأمريكا وأوربا ثبت بأدلة شديدة الترجيح أنها من إعداد المخابرات الغربية لتبرير حربها على “الإرهاب” والتى بدونها كانت سترتفع معدلات البطالة بأمريكا إلى درجات خيالية. كذلك نجد منظمة الصحة العالمية كانت بالغت كثيراً فى مدى خطورة أنفلونزا الخنازير نظراً لوجود روابط مالية بين بعض العلماء بها وبين شركة التَميفلو المنتجة لعقار الأنفلونزا. وفى العقود الأخيرة نجد منظمات الصحة والدواء الأمريكية دائماً ما تضغط لإعادة تعريف حالات لم تكن تُشَخّص كأمراض (كارتفاع ضغط الدم قليلاً أو حالة اكتئاب بسيطة وعابرة) على أنها أمراض خطرة لابد من علاجها بالعقاقير كى تزيد من مبيعاتها

الذى لاحظته فى جميع تلك الحالات هو ازديادها مع ازدياد رفاهية المجتمع.. فلو تخيلنا قبيلة بدائية تعيش فى غابة مثلاً فلن نجدها تمارس مثل هذا التهريج أبداً، إذ أن ما يقوم به كل فرد كالصيد أو الحراسة أو الحياكة سيكون ضرورياً وذو حاجة ملحة بالفعل، لكن كلما قلّّت الحاجة للوظائف المنتجة الحقيقية بسبب استبدال معظمها بالآلات والتقنيات الحديثة كلما احتاج العاملون بها لاختراع أعداء وهميون أو أمراض وهمية أو مناهج تعليم عقيمة لتبرير بقاءهم فى وظائفهم كى لا يفقدوا أرزاقهم. وحل تلك المشكلة المتفاقمة -والذى سنشرحه تفصيلياً فى مقالات القادمة- هو تقليل سنوات الدراسة وسنوات العمل كى ينعم الفرد منا فى المجتمع الحديث بأكبر قدر من وقت الفراغ والرفاهية بدلاً من اختراع الأوهام واحداً تلو الآخر للبقاء فى وظائف والقيام بأعمال لا حاجة لنا بها ولا تفيد أحدا

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted يوليو 6, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

الحد الأغبى للأجور   3 تعليقات

لم تزل معركة الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص مشتعلة فى مصر، حيث نص القانون الحالى بعد تعديله على تخصيص 700 جنيه كأجر أدنى لأى منشأة يعمل بها أكثر من عشرة أفراد على مستوى الجمهورية، بينما يطالب حزب النور بـ1200ج ويطالب عدد من التكتلات العمالية بـ1500ج أو يزيد. وبِغض النظر عن إمكانية تطبيق هكذا قانون على أرض الواقع، فلا أخفى عليكم أنه خيّل الىّ إعتقاد المطالبين به فى سريرة أنفسهم بأن الحد الأدنى من الأجور لو وصل إلى 5000 جنيه لعاش الجميع فى سعادة وهناء ولاختفى الفقر والفقراء بكيرة تطبيق هذا القانون المبارك. لكن هل هذه هى الحقيقة؟ هل يمكننا زيادة الدخول بجرة قلم؟ للأسف لا.. لأربعة أسباب على الأقل:

1-تكلفة التطبيق:
فهذا القانون هو كغيره من القوانين -الضرورية منها والشمولية- له تكلفة تطبيق على المجتمع. فطالما سننت قاعدة وتوعدت المخالفين لها بالحبس أو الغرامة فعليك الآن بِصَب بعض موارد الدولة لحمل الناس على الإلتزام بها وضبط المخالفين، مما يعنى إما رفع الضرائب، وإما الأخذ من تمويل برامج أخرى كمكافحة المخدرات مثلاً وتوجيهها لمكافحة مخالفى الحد الأدنى. إذاً فمن ناحية لدينا مصاريف إدرايين ومفتشين وضباط وقضاة، ومن ناحية أخرى لدينا حرقة دم وأعصاب التجار وأصحاب الأعمال والتى بدورها تعقّد من سلاسة عملية الإستثمار فى البلد وتثبط عزيمة مَن يريد إقامة مشروعات بها، أضف إلى ذلك الفساد الآخذ شكل رشاوى ومحسوبيات والذى سيتخلل بعضاً من عمليات الضبط الحقيقية أو الملفقة، وأخيراً فهناك مصاريف إعالة المسجون والتكلفة الإقتصادية والمعنوية عليه وعلى أهله فى حالة الحبس.

2-السوق السوداء:
سنتخيل أن الحكومة تقبلت كل تلك التكاليف بصدر رحب وأخذَت القانون مأخذ الجد ضاربة بيد من حديد على من تسول له نفسه تعيين عمال براتب دون الحد الأدنى، هنا سينفتح الباب على مصراعيه للسوق السوداء.. فأصحاب العمل لن تنتفى حاجتهم للعمالة الرخيصة ولذا سيحاولون التحايل على القانون بتعيين عمالة دون عقود مثلاً، أو بتعيينهم مقابل أجرة يومية وليس براتب شهرى، أو محاسبتهم بالقطعة (كمية العمل المنجَز) بدلاً من الراتب الثابت، أو بكتابة مبلغ أكبر من الذى يتقاضاه العامل فى العقد وتحذيره من أن شكواه ستؤدى به إلى الفصل (ولو صدّقت الحكومة كل شكاوى العمال فى هذا الصدد للقضاء على تلك الحيلة لأدى ذلك لانتشار الشكاوى الكيدية الكاذبة بغرض إبتزاز أصحاب الأعمال)

3-طرد العمال الثانويين:
دعونا نتخيل فشل كل الحيل السابقة لأن حكومتنا المتيقظة تنبهت لها وإستطاعت القضاء عليها بطريقةٍ ما آخذة على أيدى المخالفين ومنكلة بهم حتى أجبرت الجميع على الإلتزام والإنصياع للحد الأدنى “العادل” من الأجور. هنا أبسط شىء سيحدث هو إستغناء أصحاب الأعمال عن أكبر عدد ممكن من العمال الذين تقل قيمتهم فى سوق العمل عن 700 جنيه. فإنْ كان صاحب محل بقالة مثلاً يستعين بعامل نظافة ويدفع له 500ج ثم وجد أنه مُلزم الآن بدفع  700 لربما فصل هذا العامل ودمَج مهمة نظافة المحل مع مهمة عامل التوصيل مثلاً ورفع من راتبه قليلاً، أو ربما إستغنى عن أحد عاملىّ النظافة لديه إن كان لديه إثنان وإكتفى بواحد فقط حتى إن أدى ذلك لتقليل درجة النظافة حرصاُ منه على خفض التكاليف ليتمكن من المنافسة. والأسوأ أن أول عمال سيتم طردهم هم الأضعف والأقل إنتاجية وليس المهرة المحترفين الذين يصعب الإستغناء عنهم، وهكذا تكون الحكومة قد أذت من رمت إلى مساعدته.

4-تحميل التكلفة على المستهلك:
طيب فلنتخيل الآن أن كل ما سبق هو ضرب من الخيال وأن شيئاً منه لم يحدث، وأن أصحاب الأعمال رفعوا أجور العاملين لديهم إلى 700جنيه فعلاً، وأن قلوبهم الرقيقة لم تطاوعهم لا فى فصل العمال الحاليين ولا حتى فى الإمتناع عن توظيف عمالة جديدة، وأنهم ظلوا يفتحون نفس عدد الشركات حتى لو كانت خاسرة من أجل العمال المساكين.. من تعتقدون سيتحمل التكلفة الزائدة؟ هل هو صاحب العمل؟ بالطبع لا، إنه أنا وأنت والعامل الذى زاد راتبه والعاطل الذى لا يجد عملاً. فرفع الأجور عن طريق القانون وليس عن طريق العرض والطلب وحرية السوق له نفس تأثير ضرائب المبيعات، وفى النهاية سنجد مَن كانوا يطالبون برفع الأجور بالأمس يصرخون من الغلاء اليوم مطالبين الحكومة بوضع حد أدنى جديد للأجور لأن الأسعار الحالية لم تعد تناسب الحد الأول. و لربما بكسوا أعينهم مطالبين بوضع حد أقصى لثمن كل سلعة -تسعيرة كما كان الحال أيام بطاقة التموين- مطالبين الحكومة بالتفتيش على آلاف وملايين منافذ البيع لضمان مطابقة أسعارها للمواصفات.

وعلى من ينادى بتطبيق حقوق العمال على الشركات إجبارياً أن يفهم أولاً آلية العرض والطلب للعمالة ومراحل التطور الاقتصادى.. فتحت أى اقتصاد بدائى ينخفض أجر العمال (وكذا قوتهم التفاوضية عموماً فيما يتعلق بالعطلات والضمانات والتأمينات والحقوق إلخ)، مما يشجع أصحاب المدخرات على فتح أعمال وشركات جديدة ويثبت أقدام الأعمال والشركات المتعثرة نظراً لرخص العمالة وسهولة استغلالها. ثم مع الوقت وبسبب سهولة الربح تلك تزيد نسبة المستثمرين والملاك مقارنة بنسبة العمال فى هذا المجتمع، مما يزيد الطلب تدريجياً على العمال الذين صارت أعدادهم فى تتناقص، مما يمنحهم قوة تفاوضية لمطالبهم أكثر وأكثر دون الحاجة لتدخل مركزى للدولة. أما فى حالة التطبيق المركزى الذى يتعجل هذه الثمرة قبل أوانها تقل أعداد الأعمال والاستثمارات الجديدة وتزيد نسبة الإفلاسات مما يقلل الطلب على العمالة بدوره، فتصير الطبقة العاملة دائمة الحاجة لقوة القانون الجَبرى لتحيا بكرامة بدلاً من تحقيق ذلك بطريقة طبيعية طوعية تفيد الجميع. وهذا ناهيك عن تأثر قدرة الدولة التصديرية قبل وصول اقتصادها لمرحلة النضج، إذ يؤدى إرتفاع أجور العمالة لتقليل تنافسية سلعنا فى السوق الدولية.

وللإنصاف فإن موضوع الحد الأدنى للأجور هذا ليس إستثناءاً، بل هو حلقة فى سلسلة طويلة من السياسات الإقتصادية والإجتماعية الشمولية التى ما وَضعت الحكومة يدها فيها إلا وحدثت مصيبة، وكأن المثَل القائل “تيجى تكحلها تعميها” وُضع خصيصاً للحكومة.. فمن أمثلة التدخل الفاشل الذى لا ينتهى:

  • وضْع حد أقصى للإيجار التخفيف عن الساكنين فإذا به يخلق أزمة إسكانية لتوقف المستثمرين عن بناء العقارات بعد زوال ربحها
  • تجريم الكتب الخارجية للتخفيف عن الطلبة فإذا بسعر الكتاب الخارجى يتضاعف لتعرض بائعه لتحرش الشرطة فى أى وقت
  • دعم الوقود باليمين وتحصيل قيمة الدعم مِن الضرائب بالشمال مما يرفع أسعار السلع بنفس القيمة فضلاً عن خلْق سوق سوداء للوقود فى أوقات الازمات
  • دعم التعليم بنقود الضرائب للتخفيف عن الفقراء فصار الجميع “متعلمين” لا يفقهون شيئاً وتفاقمت البطالة المقنعة فى شكل مدارس وجامعات تستهلك موارد الدولة دون ناتج فعلى، فضلاً عن استفحال الدروس الخصوصية وتأسيس المدارس والجامعات الخاصة ليعود التمايز بين الطبقات من جديد مع فارق ضياع أعمار ونقود الأغنياء والفقراء معاً فى علم لا ينفع وجهل لا يضر
  • فرْض شروط مهينة وتعجيزية على الأزواج والمطلقين لحماية الزوجات والمطلقات فإذا بالرجال يعرضون عن الزواج بالمرة وتصل العنوسة لمستوى قياسى يهدد هيكل المجتمع

وهكذا لا تفتأ الدولة عن تقمص دور الأم الرؤوم التى تسيطر على تحركات أطفالها بالكامل دون إعطائهم أدنى فرصة لاتخاذ قرارات مستقلة خوفاً عليهم من تبعاتها.. مع فارق أن الواقع أثبت حنكة ومهارة ودراية هؤلاء الأطفال مقارنة بالأم التى تجلس فى برج عاجى تسن منه التشريع النموذجى تلو التشريع النموذجى دون الإلتفات للتأثير الفعلى على الأرض. فماذا على “ماما حكومة” لو استفادت من تجارب الماضى وفشل الحاضر والتزمت بدورها الأصلى فى حماية الأرواح والممتلكات، وإدارة المرافق العامة، وحل النزاعات القضائية بسرعة وكفاءة، ثم تركت الناس وشأنهم يديروا أمورهم وحياتهم بأقل تعقيد ممكن وأقل تدخل ممكن؟ ممكن؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 28, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

فائدة الأغنياء.. وحكاية هريدى مع ضرائب الدخل   2 تعليقان

تعال يا عزيزى القارىء أحكى لك اليوم قصة من تأليف العبد لله تهدف لشرح مساوىء النظام الضريبى الحال.. وهى عن عن فلاح اسمه هريدى يعيش فى قرية صغيرة بصعيد مصر. اكتشف صاحبنا هريدى ذات يوم وهو يغتسل مردداً “أنا كل ماجول التوبة يا بوى” أنه يمتلك موهبة غنائية فذة لا مثيل لها فى قريته ولا القرى المجاورة.. فأخذ رأى زوجته خضرة فى كيفية استغلالها، فأشارت عليه بإقامة حفل غنائى ضخم على طريقة دى-جيى أهل البندر، على أن يأخذ على كل راس تحضر الحفل خمسة جنيهات. وبالفعل قام هريدى بنشر الملصقات فى أنحاء القرية وأوصى الحاضر بإبلاغ الغائب عن إقامة حفل لم يسبق له مثيل فى كوم أبو طشط..

وجاء اليوم الموعود ونجح الحفل نجاحاً مدوياً وجمع هريدى ما لا يقل عن 500 جنيه بعد دفع أجور المطبلاتية. أشارت زوجة هريدى الأروبة عليه أن يضع النقود فى مصرف قرية مجاورة كى لا يكون مطمعاً لأهل قريته ذوى العيون المستديرة، لكنه أكّد لها بصوته الذى بُح من كثرة الصراخ والعويل فى الليلة السابقة نيته فى استثمار معظمها كمقدَّم لجرار زراعى يساعده فى حراثة الحقل وأنه لا نية له فى تهريبها للخارج، وأسرّ لها أيضاً أنه سيتبرع ببعضاً منها غداً لخالته الوحيدة العجوز

فى اليوم التالى فوجىء هريدى بطرق شديد على الباب، ولما فتح وَجد العمدة يهمزه ويغمزه لأنه أصبح من الأثرياء ويطالبه بـ200 جنيه ضرائب دخل. كانت وجهة نظر العمدة أن القرية تحتاج لنقود لتسوية طريق جديد وشق ترعة جانبية وإقامة عواميد نور وتعليم العيال فك الخط وتعيين غفر جديد تحت قيادة العمدة “لحفظ الأمن”، وقال أنه لولا هذه “البنية التحتية” لما تمكن هريدى من بيع التذاكر ولا جمع المال. وإستطرد فى همز وغمر هريدى محملقاً فيه يعينيه الجاحظتين ومؤكداً أن الله أنعم عليه بنعمة كبيرة لم يعطها لكثيرين وهى صوته البلابلى وبالتالى فإن عليه مشاركة المحرومين منها ببعض ثمرة نجاحه

رد هريدى على العمدة قائلاً بأن كل هذا ليس من شأنه وأنه يرفض دفع أى مبلغ بخلاف الـ100 جنيه التى جمعها العمدة ممّن حضروا الحفل  بالأمس كضريبة استهلاك خدمات، وكأن ذلك لم يكن كافياً لحرق دم العُمدة فقد أضاف هريدى بتناحة أنه كسب المبلغ بمجهوده وتخطيطه وضحى بوقت راحته بينما كانت تغط بقية القرية فى سباتٍ عميق ومن ثَم فليس لهم الحق فى ولا مليم أحمر منه. زاد هريدى أنه أخَذ مخاطرة عندما أنفق بعضاً من مدخراته للتحضير للحفل، وأنه فى حالة فشله ما كان العمدة سيعطيه مليماً أحمر عوضاً عن خسارته تلك وبالتالى فمن حقه الإستمتاع بالنجاح وحده كما كان “سيشيل” الفشل وحده، مما إعتبره العمدة أنانية منه وصفاقة أيضاً. اختتم هريدى كلامه للعمدة بإقتراحه أن تؤخذ الأموال التى تحتاجها القرية كنسبة على مَن ينفقونها (ضريبة إستهلاك) لا مَن يربحونها (ضريبة دَخل) لأنه ينوى إستثمارها وليس بعزقتها كما فعل ابن العمدة سويلم عندما باع جاموسته وصرف كامل ثمنها بالبندر على راقصات شارع الهرم

إحتد النقاش بين الإثنين حتى خرج العمدة غاضباً، وتحت شمس الظهيرة الحارقة جمع الفلاحين وأخبرهم بقيمة ما ربحه هريدى، وسألهم فى لهجة تحفيزية تشبه تلك التى صاح بها نور الدين فى جنوده قبل مهاجمة الصليبيين “معجولة نسيب الواد هريدى الجِعِرّ يكسب لوحده 500 جنيه بحالهووووووووووم؟؟” فثارت ثائرة الفلاحين وبرشطوا جميعاً على منزل هريدى فى هجمة رجل واحد كالتتار وانتزعوا منه 200 جنيه كمساهمة “تطوعية” فى مصاريف إدارة القرية وتحسين الخدمات بها، وتركوه يبكى ويندب حظه لعدم سماع كلام خضرة التى أخذت بتكبيته على طريقة مش قلتلك، مع إخفاء إحساسها بالإشفاق عليه وعلى بختها المايل أيضاً لأنها تزوجت فلاحاً ساذجاً مثله

توتة توتة خلصت الحدوتة

وسؤال القصة يا عزيزى القارىء هو.. هل كان تصرف أهل القرية عادلاً؟ وهل يُعتبر وجود 500 جنيه مع هريدى مبرراً لدفعه أضعاف نصيبه العادى فى مصاريف إدارة القرية التى يستفيد الجميع منها بصورة متساوية؟ رأيى أن الإجابة هى لا، لكن رأْى معظم حكومات العالم وبصورة متزايدة منذ حوالى 200 سنة -حين اخترع وليَم بِت ضرائب الدخل لمحاربة نابليون- أنها نعم، وأن على الغنى أن يدفع ليس فقط نسبة ثابتة من دخله بل نسبة تصاعدية فى هيئة شرائح ترتفع مع ارتفاع الدخل

وهذه -فى رأيى- سرقة علنية.. فبافتراض أنك أغنى منى مائة مرة لكنك لا تستهلك من موارد المجتمع أكثر منى سوى عشر مرات والباقى تستثمره أو تتصدق به، لماذا تدفع أكثر منى مائة مرة فى مصاريف تنظيف وإدارة الشوارع مثلاً إن كنا نسير نحن الاثنان فيها، علماً بأن هذا الغِنَى جاء نتيجة تضحيات ومخاطرات قمت أنت بها أو قام بها أبوك وجدك بينما لم أقم أنا بها ولا قام بها أبى وجدى؟ ولماذا تُجبر على المساهمة بنصيب أكبر منى مائة مرة فى مصاريف الدفاع عن البلد ضد الغزو الأجنبى (أو مصاريف غزو بلدنا لبلد أجنبية فى حالة الدول الإستعمارية) مادمنا نستفيد معاً من هذا الدفاع؟ بل ربما أستفيد أنا كفقير أكثر منك لأن بإمكانك كَثَرِِىّ الهروب من البلد فى حالة وقوع كارثة بينما أنا الذى سيعانى من ويلات الحرب. لا يوجد مبرر لهذا المنطق العجيب سوى ما قاله العمدة والذى تردده الحكومات اليوم أيضاً وإن كان بصورة أقل صراحة: “معجولة نسيب الواد هريدى الجِعِر يكسب لوحده 500 جنيه بحالهووووووووووم؟؟”

ولتحليل الأمر من الناحية الاقتصادية البحتة وليست الأخلاقية فنتأمل التأثير الذى تركه حفل هريدى على القرية وما كان سيحدث لو لم يسطو العمدة على أمواله: بادى ذى بدء فإن حفله كان له تأثير سلبى على المساواة فى القرية.. فبدلاً من أن يكون لكل الفلاحين نفس الدخل ونفس الثروة تميَّز احدهم عن الآخرين الآن، وتأثير ذلك التميُّز هو الحقد والحسد وشعور الأهالى بأنهم أقل من هريدى وعدم قناعتهم بمستوى دخولهم الذى كانوا راضين عنه تواً. طيب وماذا عن الآثار الإيجابية والمحايدة؟ تتلخص فى ثلاثة مصارِِف محتملة لهريدى لما ربحه من الغناء:

1-أولاً الإستهلاك، كأن يشترى طعاماً أو ملابساً أو أثاثاً لبيته.. وهذا بمثابة تأثير محايد تماماً فلا هو أضر بقية القرية ولا أفادها لأن الفلاحين كانوا سيصرفون نفس المبلغ فى الإستهلاك أيضاً لو لم يذهبوا لحفلته
2-الإحتمال الثانى هو الإستثمار.. أى إنفاق النقود كما كان يخطط لشراء جرار زراعى. ولهذا تأثير إيجابى لأنه يعود عليه بالنفع أولاً، وعلى القرية التى سيصرف فيها دخله الزائد والبندر الذى سيستهلك محصوله الزائد ثانياً
3-أما المصرف الثالث فهو الصدقات والهدايا والعزومات أى وصول نفع ما معه إلى غيره دون بذل جهد، وهذا لا يختلف عليه أحد فى تأثيره الاجتماعى المتميز

وماذا أيضاً عن آثار الضرائب النفسية؟ جبى ضرائب على هريدى وغيره بناءً على مستوى دخولهم قد يضعف من عزيمتهم على العمل.. فهل تتشجع يا عزيزى القارىء على العمل والاجتهاد إذا علمت بأنك ستخسر 20% من دخلك بل وستزداد تلك النسبة مع زيادة الدخل أكثر أم إذا علمت أنك ستحتفظ به كاملاً لنفسك؟

من أجل كل ذلك فالمرجح أن وجود أغنياء فى المجتمع -وإن كان له أثر سيئ على المساواة- إلا أن له مميزات كثيرة لأنهم أكثر الطبقات استثماراً وتصدقاً. طبعاً قد تتمركز وجهة نظر الشيوعيون مثلاً على أن شعور الناس بالرضا أهم من الاستثمار.. فما فائدة كنوز ومشاريع الدنيا اذا كانت الناس ساخطة على حياتها لأنها ترى دائماً أضعاف ما معها بيد غيرها؟ لكن الإجابة على ذلك التساؤل سهلة وهى تتلخص فى أنه حتى وإن طَبّق 90% من دول العالم النظام الشيوعى “التكافلى” فإن الـ10% الرأسماليين سيتسببون فى إصابة الباقين بالحقد والسخط أيضاً بسبب تميز أسلوب حياتهم عنهم على طريقة نظرة المصريين أيام الاشتراكية للعالم الغربى الذى كان يأكل “شكليطة” لها طعم ويشرب “كازوزة” خالية من الحشرات

ثم إن عدم مساواة الشعوب أسوأ من عدم مساواة الأفراد لأن الدول الغنية المترفة عادة ما يصيبها الغرور وتبدأ بالتجبر والضغط على أو حتى غزو الدول الفقيرة مما ينتج عنه مزيداً من الفقر والمعاناة، وقد ثبت تاريخياً من تجارب محمد على وعبد الناصر والإتحاد السوفيتى أن الدول الحرة تكون لديها جيوش ونفوذ أقوى كثيراً من الدول الشمولية الجاثمة على أنفاس شعوبها.. إذاً فمن الناحية العملية من الأفضل أن يسير العالم كله وفقاً للنظام الرأسمالى لاستحالة توحيده خلف النظام الشيوعى أو الإشتراكى

هل يعنى هذا أننى أقترح دفْع هريدى لضرائب مثله مثل عم عثمان البواب المعدم؟ بالطبع لا.. لكنه سيدفع على ما يستهلك وليس ما ينتج، وهذا هو موضوع مقالنا القادم..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 11, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

النظام المصرفى الحديث وخلق المال من الهواء   Leave a comment

يعترض الكثيرون لا سيّما الإسلاميون على النظم المصرفية الربوية الحديثة، متعللين فى ذلك بقيامها على أسس تأمين المُقرض الذى لا يتحمل أى مخاطرة عند استثمار أمواله وعلى استغلال المقترض المطالَب بسداد الديون والفوائد سواءاً ربح مشروعه أم خسر. وفى الواقع فإن هذين الإنتقاضين لا يمثلان أزمة النظام المصرفى الحديث، لأن الذى يؤجر أرضه أو بيته مثلاً يتربح من ذلك دون أخذ مخاطرة، كما أن الذى يقترض قرضاً حسناً إلى أجل مسمى يكون عليه سداده فى كل الأحوال حتى لو خسر مشروعه مراعاةً لحقوق مُقرضه الذى رتّب ظروفه على استرداد القرض فى وقت معين، بل ويحق للأخير المطالبة بغرامة -تقوم عملياً مقام الربا- لتعويض ما لحق به من ضرر جراء التأخر فى السداد، وهى حالة تطابق البيع بالأجل من الناحية العملية. إذاً ما هى مشكلة النظام الربوى؟

المشكلة ببساطة هى خلق المال من لا شىء

تعال يا عزيزى القارىء نتخيل قرية صغيرة مكتفية ذاتياً يقطنها مائة فلاح وتنتج مائة وجبة يومياً. سعر الإحتياجات اليومية للفرد جنيه واحد وهو سعر ثابت منذ سنوات لا يزداد ولا ينقص، وثروة كل فلاح عبارة عن جنيه واحد أيضاً يدفعها يومياً للآخرين ليشترى بها احتياجاته منهم. وعندما يفكر أحد الفلاحين فى فكرة جديدة تحسّن إنتاجية أرضه أو مواشيه يقترض من أقاربه وأصدقائه واعداً إياهم برد الدين مع نسبة من الأرباح فى أقرب فرصة. ظلت القرية على هذا الحال فترة طويلة تحيا حياة راضية.. إلى أن جاءها فى يوم من الأيام زائر مهندم الثياب، جاحظ العينين، معقوف الأنف، إسمه “كوهين”

وفى أزهى مكان بوسط القرية افتتح كوهين دكاناً كتب عليه “بنك الإئتمان الزراعى”، واعداً أهالى القرية بالأمان التام إن حفظوا أموالهم لديه. وفى ليلة الإفتتاح أقنع العمدة بضمان أموال المودعين معه كى يطمئن له الناس مقابل إقراض العمدة فى حال ما “اتزنقت” ميزانية القرية فى قرشين، ونتيجة لذلك نجح المصرف فى جمع عشرة جنيهات كاملة قبل مرور أول أسبوع. لكن كوهين استأذن العمدة بالسماح له بإقراض الأهالى تسعة جنيهات من العشرة المودَعة مقابل فائدة، معللاً طلبه باستحالة سحب المودعين لجميع أموالهم فى نفس الوقت، ومضيفاً بأن زيادة الأموال المتاحة للإقراض ستمكّنه من خفض سعر الفائدة وزيادة أرباحه وبالتالى زيادة ضرائبه التى يدفعها للعمدة الذى اقتنع سريعاً بوجهة نظره أول ما ذكر موضوع الضرائب

طيب حتى الآن لدينا صورة مشرقة وداعية للتفاؤل، لكن دعونا نتأمل الذى سيحدث فور بدء كوهين إقراض الفلاحين..

فرح المقترضون بما معهم من أموال وسارعوا بإنفاقها على لوازم إستثمارية واستهلاكية، لكن المودعون لم يفتأوا هم أيضاً عن الإنفاق بل استخدموا صكوك رصيدهم البنكى -المضمون من العمدة- كبديل عن البنكنوت العادى! ونتيجة لذلك صارت كمية الأموال المتاحة للأهالى فجأة 109 جنيهات بدلاً من الـ100 المعتادة. وعلى إثر ذلك هجم المشترون على الدكاكين والحوانيت فنفدت المؤن اليومية من الأسواق قبل المغرب ولم يُجدِ وقوف الناس فى الطوابير الطويلة لشراء ما يحتاجون، لأنه ببساطة لم يكن هناك ما يكفى من إنتاج لتغطية طلباتهم التى زادت بمقدار العًشر عن اليوم السابق. وفى اليوم التالى حدث ما لا مفر منه: زادت الأسعار بنسبة 9% للإستفادة من الزيادة المالية ولضبط تهافت الشراء.. وهو ما يُسمى بالتضخم. وفى اليوم الذى يليه زادت أموال المودعين عند كوهين إلى 11 جنيها بدلاً من عشرة لتبدأ الدورة من جديد..

والآن تعال معى أيها القارىء نحلل الموقف من جوانبه المتعددة.. أولاً من الناحية الإنتاجية فالقرية ما زالت كما هى، أو فى أحسن الأحوال فالزيادة الحادثة فى الإنتاج موازية للزيادة فى السنوات السابقة أى أن القرية لم تستفد شيئاً من الناحية التصنيعية البحتة. أما من الناحية المالية فقد صارت عندنا زيادة فى الأموال المتاحة للإقراض والتى خُلقت من لا شىء مما أدى لزيادة الإنفاق ومن ثَم زيادة الأسعار بنفس النسبة. يعنى يمكننا القول مبدئياً أن القرية لم تربح شيئاً ولم تخسر شيئاً بقدوم كوهين

لحظة.. هناك بضعة نقاط هامة لم تؤخذ فى الإعتبار بعد..

أولاً لقد نسينا أن التضخم لم يقع أثره على الجميع بنفس القدر. فالذين تسلموا الأموال الزائدة (المقترضين) صرفوها فى الصباح الباكر قبل زيادة الأسعار، واستفاد الذين باعوا سلع لهؤلاء المقترضين مباشرة كذلك -وإن كان بنسبة أقل- لأنهم قبضوا أموالهم قبل العصر، بينما كان أبعد الناس منهم فى الدورة المالية هُم مَن “لبسوا” فى الزيادة السعرية بحلول المغرب نظراً لعدم زيادة دخولهم بنفس النسبة. أى أنه حدث تغيير غير مبرر فى توزيع الدخول أفاد أناساً وأضر بآخرين. ويمكننا تلخيص هذا بكونه عملية سرقة مستترة وإن كانت بلا ضحية محددة تماماً كما فى حالة تزوير الأموال. فما يحدث عملياً هو خفض سعر الفائدة على المقترض بينما مَن يدفع الفارق هو المتضرر من التضخم. والنتيجة الحتمية هى حاجة مَن نقصت قيمة أموالهم بالتضخم للإستدانة من البنوك أيضاً كى يسدوا عجزهم حتى تُفرج، مما يرفع التضخم مرة أخرى وهلم جرة!

ثانياً فقد تجاهلنا فتح شهية العمدة على الصرف وعدم ضبط ميزانية القرية مادام حبيبه كوهين يمده بكل ما يحتاج من أموال أولاً بأول لبعزقتها على أية مشروع يخطر بباله حتى لو كان بلا جدوى.. والفوائد تتراكم وتتراكم على القرية لكن العمدة لا يكترث لأن من “سيلبس” فيها هى الأجيال القادمة، بينما ابتسامة كوهين لا تزداد إلا اتساعاً لأن رصيده لدى القرية فى إزدياد مستمر. وليس العمدة وحده بالطبع هو الذى سيَضعف أمام إغراء المال بل سيقع معظم سكان القرية فى فخ الإستهلاك السريع منخفض الفائدة بأكبر من طاقتهم ويصير الوضع الطبيعى تدريجياً هو وقوع الفلاح العادى فى فخ ديون تصل قيمتها إلى دخله لمدة سنة ثم سنتين ثم عشرة.. إذ كلما عجز عن سداد دَينه سده بدَين أكبر منه

ثالثاً فقد غفلنا عن كوهين وأرباحه الضخمة والتى ستمكنه من سحب بعض العمال من الأنشطة الزراعية والصناعية المنتجة لتوظيفهم عنده (بعد تلميعهم ورَشّهم بالكلونيا وربط أعناقهم بالكرفتات) كى يقوموا بالأعمال المكتبية وحساب الفوائد وفوائد الفوائد وملاحقة المتأخرين عن السداد قانونياً الخ، وأيضاً للقيام بالأعمال التسويقية المتمثلة فى إقناع الفلاحين الآخرين بالإقتراض من مصرفه. وكرقم واقعى فإن نسبة العاملين بالقطاع المالى بأمريكا تربو على 4% من القوة العاملة ويوازى دخلها 8% من الناتج المحلى (والسبب هو الدعم الحكومى القوى من أموال الضرائب). لا يمكننا إدعاء أن جميع ما يقوم به هؤلاء الـ4% بلا فائدة طبعاً وإنما هناك نسبة لا تستهان بها منهم لا فائدة من عملها البتة للمجتمع بل وضرها أكبر من نفعها

هذه المشاكل الثلاث أيها القراء الأعزاء هى ما تميّز مجتمعات اليوم  -الغربية منها والشرقية- التى تبنت النظام المصرفى الحديث. فما بين موظف ذو دخل ثابت يخسر بعضاً من أمواله فعلياً بسبب التضخم، وبين فتح الباب على مصراعيه للأفراد وللحكومات للإقتراض بما لا طاقة لهم بسداده غداً وإغراقهم فى دوامة الديون والفوائد المركّبة، وبين فقدان المجتمع عموماً لعدد كبير من العمالة والمهارات التى سُخّرت فى بيع الوهم والأونطة للناس بدلاً من اشتغالها بوظائف منتجة، تخسر الأغلبية العظمى من المجتمع ببقاء هذا الوضع بينما تجنى قلة قليلة أرباحاً طائلة وأولهم بالطبع صديقنا العبقرى كوهين، والذى ستغدو له لاحقاً قوة سياسية وسطوة مالية ونفوذ إعلامى لا يُضاهَى بحيث يتمكن فى النهاية من السيطرة تماماً على العمدة والقرية بأكملها من وراء الستار. وبتلك السيطرة يدفعها لهدر الأموال فى مشاريع لا طائل من ورائها كى يتم تمويلها من قروض مصرفه، وبعد انفتاح شهيته أكثر يدفعها لخوض حروب مع القرى المجاورة كى تضطر جميع أطراف الصراع للإستدانة منه لتغطية نفقات الخراب المستعجل!

ولذا فإن نظْرنا نظرة بعيدة الأمد لمستقبل مجتمعنا نجد أنه بالإمكان جمع التيارات المختلفة ما بين إسلامى وعلمانى ويسارى على كلمةٍ سواء.. وهى أن فكرة تحصيل فائدة على القروض بحد ذاتها ليست مشكلة، بل هى أبسط حساباً وأقل عرضة للتلاعب من فكرة المشاركة والمرابحة، كما أنه فى حالة تجريم الربا الصريح يتحايل الناس بتعاملات بديلة كالبيع بالأجل وغرامات التأخير. لكن المشكلة تكمن فى السماح للمؤسسات المالية المستثمِرة بخلق إئتمان يوازى فى قوته قوة العملة الرسمية المضمونة من الحكومة.. مما يخلق أخطبوطاً مصرفياً تمتد أذرعه بالتدريح لتسيطر على جميع نواحى الحياة

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 4, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

سرعة إنفاق الأموال تحدد حجم الإقتصاد   2 تعليقان

فى هذا المقال نشرح دور سرعة الإنفاق فى بناء الإقتصاد عن طريق مثال..

تخيل يا عزيزى القارىء جزيرة صغيرة عليها ثلاثة أفراد: مزارع وصياد ومطرب. المزارع مسؤول عن حصد الخضر والفاكهة لزميليه، والصياد يصطاد سمكاً من البحر، وعند المساء يجتمعان عند المطرب الذى يرفه عنهما من عناء اليوم. يتعامل سكان الجزيرة الثلاثة بعملة صدف البحر، فلكل منهما عشرة صدفات يدفع بعضها للآخرين عندما يريد منهم سلعة أو خدمة.. وفى المجمل ينفق كل منهما صدفاته العشرة خلال الشهر ويجنى صدفات عشرة أخرى، أى أن عدد الصدفات الكلى هو ثلاثون. هنا يمكننا القول أن “الناتج المحلى” المجمل للجزيرة هو ثلاثون صدفة شهرياً لأنه يشكل مجموع دخول أهلها

الآن دعنا نتخيل ماذا يحدث لو قرر المزارع “بعزقة” صدفاته العشرة بحلول اليوم السابع والعشرين من الشهر عن طريق شراء المزيد من السمك والإستماع لمزيد من الأغانى.. فى هذه الحالة سيجد الصياد والمطرب أنفسهم وقد زاد ما معهم من مال، فيقررون زيادة الإنفاق بدورهم عن طريق شراء المزيد من الخضر والفاكهة من صديقنا المزارع.. والنتيجة أن إستهلاك الجميع وسعادتهم زادت! هذه هى بالضبط أهمية إنفاق الأموال بأسرع وقت ممكن.. ففى مجتمع لا ينفق أفراده أموالهم إلا عند الضرورة تكثر الأزمات المالية والبطالة لأنه ما من أحد يطلب خدمة أو سلعة من أحد إلا نادراً، وذلك بعكس مجتمع نشط لا يدع قرشاً فى يده إلا صرفه أو إستثمره بأسرع وقت ممكن

طبعاً لا يمكن تطبيق مثال الجزيرة على دولة كبيرة لأن معظم الوظائف ذات دخل ثابت (مرتب شهرى) وليست ذات دخل مرن ومتغير، لكن المثال يوضح لك طريقة عمل الإقتصاد وكيفية بروز الأزمات الإقتصادية بصورة مبسطة.. فإن قرر المزارع ألا ينفق إلا سبعة صدفات بدلاً من عشرة ستحدث أزمة مالية، إذ أن الإثنين الآخرين لن يستطيعوا أن يشتروا منه بنفس القدر وهذا سيؤدى بالبطالة والركود لثلاثتهم

هذه الملحوظة تؤدى لتساهل كثير من الإقتصاديين والحكومات مع فكرة التضخم.. فطالما أن الجنيه الذى بيدك اليوم ستصير قيمته الفعلية تسعون قرشاً فقط بعد عام مثلاً فسيشجعك هذا على إنفاقه أو استثماره سريعاً ومن ثَم إنعاش الإقتصاد والدورة المالية. لكن للتضخم -خاصة الآتى من البنوك وليس من الدولة- أضراراً أخرى نتحدث عنها فى المقال القادم..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 1, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

نفاق الغرب لفرض الهيمنة الإقتصادية   Leave a comment

دائماً ما تلح الدول الغنية على النامية لفتح أسواقها أمام منتجاتها الرخيصة بدعوى أن هذا مفيد للطرفين ويساهم فى رفع الكفاءة والإنتاجية، كما تلح عليها -وأحياناً تُجبرها- على فتح أسواقها أمام الإستثمارات الأجنبية التى تُغرق الأسواق وتنافس المنتجين المحليين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً أمام التقنيات العالية والكفاءات الإدارية لأقرانهم الغربيين فينتهى بهم الحال بالإفلاس. ونحن لا نعترض أبداًُ على مبدأ السوق الحر ولا نختلف على كونه أفضل السبل للتنمية وتحسين الجودة، لكن تتناسى الدول الغربية أن أعمدة الإقتصاد هى المنتَج ورأس المال والعمالة، فهى تصر على فتح الطريق أمام أول إثنين وتغلق الباب أمام الثالث لأنها تعلم جيداً أن فتح أسواقها أمام عمالة الدول الفقيرة سيغرقها بالعمالة الرخيصة ويضر ساكنيها المرفهين الذين لا يرضون بالقليل.. تماماً كما تضر منتجاتها الرخيصة مستثمرى الدول الفقيرة. ولذا فشخصياً ألتمس تمام العذر لأى دولة نامية تفرض قيوداً على الواردات الأجنبية ما دامت الحكومات الأجنبية لا تسمح لسكان تلك البلد بحرية العمل والإنتقال داخلها

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مايو 28, 2013 by حسام حربى in اقتصاد

كيف سيغير المستقبل اقتصاد العالم؟   1 comment

مستقبل المستقبل المجهول مجهول الغيب

شخصياً لا أستطيع مقاومة مقال أو نظرية تشرح آليات عمل أى مجال إقتصادى. كذلك تُغرينى بشدة المقالات المتحدثة حول سيناريوهات المستقبل وكيف سيكون شكل الحياة فى السنين والعقود القادمة. فإن جَمع مقال بين الإثنين فهذا يستحيل علىّ تركه يفلت من يدى! وأحببت اليوم أن أشارك معكم أحد أروع التحليلات الجامعة بين هذين الإتجاهين..

صاحب التحليل إسمه بيتر فريز وهو يحاول تصوّر ما سيكون عليه شكل الإقتصاد العالمى بعد مدة من الزمن حين يتسبب التقدم التقنى فى زيادة الإنتاج السلعى والخدمى بشكل رهيب، حيث سيُمْكن للآلات إنتاج أى شىء وبأى كمية دون الحاجة لأى عمالة تقريباً (وقد بدأنا دخول هذه المرحلة بالفعل). فكيف سيكون التوظيف إذاً؟ ومن سيمتلك الثروة؟ ومن سيمتلك القوة وصنع القرار؟ وكيف ستتشكل العلاقات الإجتماعية تحت هكذا نظام؟ يتخيل فريز السيناريوهات المحتملة وهى مبنية على عاملين أساسيين.. أولهما خاص بموارد كوكب الأرض، فهل سيخترع البشر طرقاً للتغلب على نقص العناصر الحساسة كالنفط والسِلِكُن أم انها ستنضب نتيجة الإستهلاك الجنونى؟ أما العامل الثانى فهو خاص بمستوى التوزيع.. فهل سيتساوى الناس فى امتلاك الثروة الطائلة التى ستخلقها التقنية أم ستحتكرها قلة قليلة؟ وبالتباديل والتوافيق ينخلق عندنا 4 إحتمالات:

1-أن لا تنضب الموارد، ويتساوى البشر:
وهذا سيخلق ما يشبه الجنة، حيث سيتاح كل شىء للجميع ولن يحتاج الناس للتنافس والتصادم والعمل إلا فى أضيق الحدود

2-أن تنضب الموارد، ولا يتساوى البشر:
وهو ما سيدفع الناس للتنافس والتطاحن بشكل غير مسبوق لامتلاك القليل المتبقى منها. فلو تخيلنا الحروب التى رآها الخليج على مدى الـ40 سنة الماضية لمجرد أن به احتياطى نفطى رغم تنأثر النفط على مستوى العالم فلك أن تتخيل كيف سيكون الحال لو لم يتبق على الأرض سوى بضعة آبار فقط. سيكون الوضع أشبه بما كانت عليه البادية وقت الجاهلية حين كانت القبائل تتناحر عن بكرة أبيها للسيطرة على بئر ماء لعدم كفايته إلا لقبيلة واحدة. ويَذكر الكاتب هنا فلماً إسمه “فى الزمن” يتصور نخبة محدودة العدد تمتلك ثروة وتقنية هائلة تُمَكنها من إعادة برمجة حمضها النووى بحيث تخلد للأبد ويختبئون على جزيرة، ثم دأبوا على برمجة الحمض النووى للعوام ليموتوا عند بلوغهم سن مبكر كى يضمنوا تفوقهم الدائم عليهم وعدم وقوع ثورة أو حتى وجود مَن لديه ما يكفى من الحكمة ليتفكر فى إحتمالية وجودهم فضلاً عن مكان تواجدهم

3-أن لا تنضب الموارد لكن لا يتساوى البشر (حيث تستمر الرغبة فى التنافس للحصول على المكانة الإجتماعية والتميّز):
وهذا سيخلق نظاماً “إستئجارياً”، حيث ستتكدس الثروة فى يَد من يمتلكون أفضل الأفكار ويؤجرونها للآخرين، ويجسد هذا النظام الآن مبدأ الملكية الفكرية. فيمكن اليوم مثلاً خلق ملايين النسخ من أغنية أو فِلم أو برنامج كمبيوتر دون تكلفة تقريباً، وبدأت بالفعل طابعات ثلاثية الأبعاد تسمح بإنتاج الكثير من الآلات المعقدة فى المنزل بسهولة بمجرد الحصول على رسمها الهندسى. لكن لو طالَب مصممو هذه الأشياء مَن يستخدمها بدفع “إيجار” يتمثل فى ثمن تذكرة السِنما مثلاً أو ثمن سى دى الأغنية مع القضاء على القرصنة الإفتراضية (“القرصنة الإفتراضية” هى عمل نسخ من فلم أو برنامج أو كتاب دون إذن صاحبها) فستتركز الثروة فى يد هؤلاء المنتجين، حيث لن يكون هناك حاجة للعمال العاديين الغير مبتكِرين لأن الكمبيوترات والروبوتات ستقوم مقامهم.. فكل ما يحتاجه العالم ستنتجه قلة قليلة من العباقرة تدعمهم الآلات، أما الباقون فلن تكون لهم حاجة ولا قيمة إطلاقا. وهذه الفكرة بالمناسبة هى سبب تأييدى العام لمبدأ قرصنة البرمجيات وعدم مساواتها بالسرقة، حيث يربح مبتكرو اليوم أضعاف ما كان يربحه مبتكرو الماضى، ولديهم ما يكفى من الحافز وزيادة للإبداع خاصة مع قضاء العولمة على فكرة المنافسة الحرة الحقيقية، فلماذا لاندع العوام المهمشون يستفيدون من إبداعهم بالمجان؟ “زِكا عن ذكاءك” على رأى شحاذو المحروسة!

4-أن تنضب الموارد ومع ذلك يتساوى البشر:
هذا السيناريو غير جدير بالذكر فى رأيى. فهو يمثل اليوتوبيا الشيوعية التى تخيلها ماركس لثورة العمال على الطبقة البرجوازية والتوزيع العادل للثروة المحدودة. ويرى الكاتب أن الأزمات العنيفة التى برزت فى الإقتصاد العالمى مؤخراً وما صاحبها من إعتراضات ومظاهرات قد تمثل مقدمة لهذا التحول كمؤشر لعدم رضا العامة عن الوضْع الحالى

وسأستغل الموقف وأضيف سيناريو خامس أتوقعه شخصياً، وهو..

5-ألا تنضب الموارد -أو استبدال ما سينضب منها- مع بقاء الوضع الإجتماعى والإقتصادى على ما هو عليه عن طريق تضييع طاقة الناس فى الوظائف الوهمية:
فلو تخيلنا القطاع التعليمى مثلاً على مستوى العالم اليوم لوجدناه قد صار يخدم نفسه فقط دون إضافة أى قيمة للقطاعات الأخرى فى معظم الأحيان. ونحن لا نتحدث هنا عن الطب والهندسة بل على “إدارة الأعمال” و”التجارة” و”التسويق” والتى صارت تمثل معظم التعليم على مستوى العالم، وذلك بالإضافة لأغلب التعليم المدرسى العقيم الذى يملأ رأس الطالب بعلم لا ينفع وجهل لا يضر. فهذه مجالات فى عمومها لا تفيد أحداً إلا أنها خَلقت طبقة كبيرة جداً تستفيد منها وهم المدرسون والأساتذة والإدرايون، وهم يستغلون إقبال العوام المتزايد على التعليم نتيجة ندرة الوظائف، والتى جعلت العمل البسيط الذى لا يحتاج إلا للقراءة والكتابة يتطلب اليوم شهادة جامعية أو حتى شهادة ماجستير. ومع استمرار تآكل الحاجة للوظائف بسبب التقدم التقنى ومع احتدام المنافسة على الوظائف المحدودة فسنصل لمرحلة تتطلب فيها أتفه الوظائف للدراسة لمدة ثلاثون وأربعون سنة على طريقة “مطلوب بواب يجيد الإنجليزية والفرنسية ولديه 2 دكتوراه فى علوم حراسة العقارات”، بالإضافة للإتجاه نحو المنتجات والخدمات الترفية مثل عمليات التجميل التى -وإن كانت تفيد صاحبها- إلا أنها تضر بالآخرين بجعلهم أقبح نسبياً أى أن عائدها النهائى على المجتمع صفر. وسأخصص خلال بضعة أسابيع بحثاً حول هذا الموضوع يشمل اقتراحات عملية لكيفية الإستفادة من التقدم التقنى لتقليل أيام أو سنوات العمل بدلاً من استبدالهما بالدراسة والوظائف الوهمية

وأنت أيها القارىء.. كيف تتوقع أن يكون شكل الإقتصاد والمجتمع فى السنوات القادمة؟

حسام حربى  – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مايو 21, 2013 by حسام حربى in اقتصاد