Archive for the ‘سعادة’ Category

ماذا يسبب شعور الفخر والعار؟   Leave a comment

سيستمر فى الفخر طالما استمرينا فى اعتباره ملكا

هل شعرت يوماً بالخجل؟ بالتأكيد حدث ذلك. ماذا كان السبب؟ أغلب الظن أنك ستقول أنه كان فعلك لشىء لم يكن ينبغى عليك فعله، وبعبارة أخرى أنك “أخطأت” أو “قصّرت”

حسناً دعنى أسألك سؤالا آخر.. هل شعرت يوماً بالخجل من شىء ليس لك عليه تحكم؟ كشكلك أو مستواك الإجتماعى أو وظيفة والدك أو تصرف قام به أحد أقرباءك؟ أو حتى بتصرفات حكومتك التى لم تنتخبها لكنها تمثلك رغماً عنك. بالتأكيد حدث ذلك أيضاً. والآن دعنى أسألك.. ما السبب هذه المرة؟

أنت لا تعرف الإجابة الآن

والسبب يا عزيزى القارىء أنك أخطأت فى إجابتك الأولى. فالذى غذى فيك شعور الخزى فى المرة الأولى والثانية هو فى الحقيقة نظرة الآخرين الخارجية لك وليس سوء شىء اقترفته. وبمعنى آخر، فلو أن المجتمع صار غداً يُقدّر الفقراء مثلاً باعتبارهم مكافحين وصبورين إلخ (ونقصد تقديراً حقيقياً نتيجة حملة إعلامية ضخمة مثلاً وليس مجاملة) فستجد إذ فجأة أن الفقراء يسيرون فى الشارع منتفخى الصدور مرفوعى الرأس، بينما الأغنياء يتوارون خجلاً متجنبين الحديث عن المستوى الإجتماعى وحجم الثروات! لماذا سيحدث ذلك؟ هل بسبب ذنب اقترفه الأغنياء فجأة أو ثواب قام به الفقراء فجأة؟ لا.. السبب ببساطة هو تغيّر نظرة الناس الجمعية والتى انعكست بداخل كل فرد منهم

كذا إن سافرت لبلد أجنبى أقوى وأغنى من بلدك بكثير.. أنت هنا ستشعر بالعار خاصة إن تطرقت فى الحديث مع أحد فى أمور السياسة الدولية وموازين القوى مثلاً. ما سبب هذا الشعور؟ أنت غير مسؤول بالمرة عما وصلَت إليك بلدك من تردى، بل بالعكس ربما تكون ساهمت أكثر من المعتاد فى تغيير هذا الوضع. لكنك لا تملك إلا الشعور بالعار فى حديثك هنا لأنك تعرف جيداً أن نظرة الآخر لك نظرة قوى إلى ضعيف. والعكس صحيح فى حالة ما لو سافرت لبلد إفريقى معدوم مثلاً

لكن على فرض أنك تحدثت فى ذات البلد الغنىّ لأحد المتعاطفين مع العرب والكارهين للحضارة الغربية كالكاتب الأمريكى نعوم تشمسكى أو النائب البريطانى جورج جَلَوى. أنت هنا ستتحدث معه وأنت ملىء بالفخر والإعتزاز لأنك تعرف أنه ينظر إليك نظرة تبجيل وتقدير. لم يتغير شىء على الإطلاق منذ خمس دقائق منذ كنت تتكلم مع الآخر الذى كنت تخجل منه.. كل ما تغير هو النظرة الخارجية لك مما انعكس على ما بداخلك فوراً!

هذه الملاحظة تكاد تدفعنا للجنون كلما فكرنا فيها.. إنها معاكسة تماماً لفكرة العدل أو مبدأ المسؤولية، إنها تحوى كل قبيح حذرتنا منه الأخلاق والقيم والأديان بل والأفلام والمسلسلات التى تشجعنا ليس فقط ألا نرتب أولوياتنا بحسب ما يراه الآخرون لكن أيضاً ألا نحكم على الناس بما لا يد لهم فيه، وألا نغتر بما لم نحققه بأنفسنا وجاء لنا بسهولة. لكن الواقع يضرب بكل ذلك عرض الحائط.. فأنت تفخر بثروة والدك، وتخجل من وظيفة أمك، وتغتر بقوة بلدك، وتتوارى من إسمك أو إسم عائلتك إن كان غريباً أو مضحكاً، وتعتز بشكلك وبصحتك إن كنت سليماً وسيماً والعكس صحيح. ناهيك عن شعورك بالزهو لارتداءك ملابس معينة أو قيامك بأفعال معينة يقدرها مجتمعك المحيط حتى إن كانت لا تعجبك شخصياً والعكس صحيح، وما الحائزين على شهادات الماجستير والدكتوراه رغم يقينهم بأنها لا تكاد تساوى شيئاً من الناحية العملية منا ببعيد، ولا مرتدِى البذلات وربطات العنق رغم كراهتهم لها منا بأبعد

ولعل تفسير هذه الظاهرة العجيبة يكمن فيما تحدثنا عنه فى مقال سابق حول “برنامج جسدك”، فبداخل كل منا برنامج يعمل على مستوى العقل الباطن لإرساء قواعد غير منطوقة يعلمها الجميع ويتعامل على أساسها. وأحد تلك القواعد تقول بأنه إن كان أباك ثرياً فهذا لأنه ذكى مثلاً، وبالتالى فأغلب الظن أنك ذكى مثله، وبالتالى فأنت أفضل من الآخرين والعكس صحيح. كذا إن كانت بلدك قوية، فهذا معناها أنها ما صارت كذلك إلا باجتهاد وحكمة مواطنيها، وبما أنك من أفرادها فأغلب الظن -طبقاً لقانون الإحتمالات- أنك أفضل من مواطن الدولة الضعيفة. وعندما نتحدث عن الأفضلية هنا لا نعنى الأفضلية العصامية فى “المحاولة” و”العزيمة” و”الإجتهاد” إلخ، بل نعنى الأفضلية النهائية والتى تتحدد بالنتيجة الفعلية لأن ذلك يصب بدوره فى أهم نقطة يسعى لها الرجال وهى الجنس، فإبن الثرى يبرز ثراء أباه ليقول للنساء أنظروا إلى ما حققه أبى وأنا مثله، وابن الفقير يتوارى خجلاً مما عجز عنه أباه لأن أغلب الظن أنه سيكون مثله أيضاً. لا يهم لو لم يجتهد الثرى ليحصل على ثروته، ولا يهم إن كان الفقير يعصر نفسه عصراً ليحاول الإرتقاء بمستواه.. ما يهم هو أن هذا غنى الآن وهذا فقير الآن وبالتالى فمن حق الأول الحصول على الجنس لأن بوسعه تأمين مستقبل أبناء وزوجة أو عدة زوجات بينما هذا ليس من حقه لأنه لا يملك شيئاً يقدمه لهم. وتتبع رموز المكانة الإجتماعية كالملابس والشهادات نفس النمط.. فتقليدك لما يقوم به عامة الناس وتفوقك عليهم فى تلك المجالات يجعلك أهل لإحترامهم وتقديرهم وبالتالى يصير من حقك تكوين أسرة بينهم باعتبارك “ناجح” لديه القدرة على الفوز فى لعبتهم التى أسسوا قواعدها من قبل مولدك

المذهل أن شعور الفخر أو الخزى يمتد حتى لتصرفاتك وآراءك الشخصية التى تعتقد جازماً بكونها أفضل من غيرها.. فالمسلمين فى الغرب مثلاً مقتنعون بأن الإسلام هو الدين الصحيح وأنه أفضل من غيره، لكنهم مع ذلك يشعرون بالعار لكونهم مسلمون بسبب نظرة المجتمع السائدة تجاههم ليس إلا! كذا فى حالة رجل تزوج امرأة تصغره كثيراً أو تكبره فى العمر.. هو مقتنع بأنه لم يخطىء فى شىء وأنها حرية شخصية، لكن نظرة الناس له تؤلمه فى كل مرة يظهر فيها مع زوجته أمام شخص جديد لأنه يدرك استنكاره عليه بينه وبين نفسه حتى وإن تبسم له من الخارج، خاصة إن كان المجتمع تدخلياً كثير الحكم على الآخرين. إنه مبدأ التعميم وتهميش الفرد على حساب الجماعة وقياس الأمور بمقياس القطيع

إذاً ففى المرة القادمة عزيزى القارىء التى تشعر فيها بالفخر بشىء تعلم بينك وبين نفسك أنه لا يستدعى الفخر، أو بالخجل من شىء تعلم بينك وبين نفسك أنه لا يستدعى الخجل فهوّن عليك.. فهذا الشعور لا يعنى حقاً أنك صرت أفضل أو أسوأ من غيرك، بل هو مجرد إحساس نابع من مدى اهتمامك بنظرة الآخرين لك!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مارس 2, 2012 by حسام حربى in سعادة

تصنيع السعادة بخداع النفس   Leave a comment

هل تتحرك هذه الدوائر أم لا؟ لا يهم.. فما دمت تراها تتحرك فهى تتحرك!

لو خيرتك الآن بين أن تأخذ منى مليون جنيه أو لا تأخذها ماذا ستختار؟
هل أنت متأكد؟ فكر قليلاً..
آخر كلام؟ لن تستطيع تغيير رأيك الآن..
حسناً. للأسف لقد كنت أخدعك. لن أعطيك شيئاً
لاحظ ما يدور فى خلدك فى هذه اللحظة
أنت الآن تفكر بأن هذا أفضل لك على كل حال.. وأنك لم تكن تريدها أصلاً.. وأن هذا المبلغ كان سيفسد أخلاقك ويدفعك لمعاقرة الخمر وإدمان المخدرات والصرمحة مع النساء

وهكذا يا عزيزى القارىء تكون قد اكتشفت سر السعادة الصناعية!

فى احصاءات ودراسات علمية  كثيرة وُجد أن البشر يلجأون لتصنيع السعادة بأنفسهم عندما لا يكون لهم خيار أفضل من وضعهم الحالى. فعلى سبيل المثال وُجد أن مبتورى الأرجل يتساوون فى مستوى سعادتهم بعد عام مع رابحى اليانصيب[1]! كيف هذا؟ لأن مبتورى الأرجل فعلوا مثلما فعلت أنت منذ ثوان تماماً.. إذ بدأوا يفكرون بأن وضعهم الجديد أفضل لهم، وأنهم الآن لا يحتاجون للذهاب للعمل مثلاً، وأنه بوسعهم قضاء المزيد من وقتهم فى القراءة أو مشاهدة التلفاز الخ حتى صاروا يعتقدون أو يقتربون من الإعتقاد خلال عام من غسيل مخهم بأنفسهم بأن ما حدث كان خيراً لهم بالفعل! وكان متوقع أن يكون هذا النوع من التبرير سائد فى الثقافات المتدينة فقط عملاً بِحِكَم من قبيل “الخيرة فيما اختاره الله” رغم تناقضها مع القرآن نفسه والقائل بأن الإنسان يُبتلى بالشر والخير ويُبتلى أحياناً بما لا يصبر عليه الخ، لكنه فى الحقيقة شعور بشرى عالمى بغض النظر عن الدين والثقافة والجنسية. ونستطيع أن نفكر فى عشرات المواقف التى يخدع الناس فيها أنفسهم ويصنّعون سعادتهم، مثلاً:

واحد لم يأت بمجموع فى الثانوية العامة: لو كنت أتيت بمجموع كبير كنت دخلت كلية الطب وأضعت سبع سنين من عمرى لأعمل فى النهاية بـ700 جنيه فى الشهر.. ثم إنى أكره منظر الدماء
واحد دخل السجن: السجن للجدعان واهو الواحد يريح نفسه يومين من الدنيا وبلاويها
واحد أهله ماتوا: كانوا تعبانين فى مرضهم.. ثم إنها سنة الحياة
واحدة جوزها طلقها: كويس لأنى كنت باكرهه أصلاً ودلوقتى رجعتلى حريتى
واحدة مش عارفة تتجوز: كويس عشان مايحصليش زى ما حصل لفلانة
واحد خلّف عيال مطلعين عينه: لولاهم كنت هاعانى من الفراغ وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط
واحد مش عارف يخلف: شوف عيال فلان عاملين فيه إيه
واحد اتعمى واتطرش واتشل وكان ظالم: الحمدلله ربنا عايز يكفر عن ذنوبى
واحد اتعمى واتطرش واتشل وكان صالح: الحمدلله ربنا عايز يرفع درجتى فى الجنة

وهكذا يا عزيزى القارىء فمن المحال أن يواجه الإنسان نفسه بأن وضعه الحالى صار أسوأ. ولماذا سيفعل ذلك مادام لا يمكنه تغيير الوضع الجديد؟ لكن تعال إعطى فاشل الثانوية فرصة إعادة أو اعطى المسجون فرصة استئناف أو اعطى المريض فرصة شفاء وستجد الفاشل إذ فجأة يحب منظر الدماء والسجين يشتاق لبلاوى الدنيا والمريض يزهد فى ثواب الصابرين!

الأدهى من ذلك أننا -بحسب دراسة نُشرت فى سجل علم النفس التجريبى- كثيراً ما ننسى أصلاً أننا لم نكن نريد ذلك من قبل حدوثه[2].. فمثلاً الذى دخل السجن سيظل يتذكر اللحظات التى كان يعانى منها خارجه ويقنع نفسه حقاً أنه كان يريد أخذ راحة! كذا للتى طلقها زوجها أو الذى أصيب بمرض.. سيغيرون ماضيهم فى أدمغتهم ليتماشى مع الوضع الجديد وكأنهم كانوا يريدون وقوعه. وقد أظهر أحد الأبحاث المذهلة أنه كلما تم تذكير الأهل بمصاريف أطفالهم الباهظة كلما كانوا أكثر سعادة بإنجابهم! أى أنهم يخلّقون لاشعورياً سعادة صناعية ليس فقط تعادل بل وتزيد على الشعور بالمأساة نتيجة ما يتم تذكيرهم به. وقد جربت شعوراً شبيهاً بنفسى عدة مرات وذُهلت ومازلت أُذهل فى كل مرة يحدث لى.. فمثلاً إن أُصبت فلم أتمكن من مزاولة الرياضة أجدنى أقول لنفسى فوراً أن هذا أفضل لأنى أحتاج لبعض الراحة أو لأنى مشغول هذه الأيام الخ وكأنى لو لم أُصَب كنت سأصيب نفسى على أية حال! وجربها على نفسك فى أول موقف سىء لا خلاص لك منه وستفاجأ مثلى تماما

والآن ما رأيك فى هذا المقال؟ نقول أنه لم يضف جديداً لمعلوماتك وأضاع وقتك؟ لا يهم.. فقد كنت تود إراحة أعصابك بقراءة شىء ممل لمدة عشر دقائق أليس كذلك؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.ted.com/talks/dan_gilbert_asks_why_are_we_happy.html
[2]http://www.psychologytoday.com/blog/ulterior-motives/201011/your-future-happiness-depends-less-the-present-you-might-think

Posted فبراير 27, 2012 by حسام حربى in سعادة

الموت ليس المشكلة   Leave a comment

تعودنا إطعام قط كان يقطن عندنا فى العمارة تصادَق عليه والدى وأطلق عليه اسم “بُسبُس” -أو “بسبوس”وقت التدليل- لكنى تأملت قليلاً فوجدت أن إطعامه لا يعد من أعمال الخير تجاه الحيوانات.. فنحن إما أن نعطيه لبناً ومشتقاته مما يعود بالضرر على العجل الذى كان سيشربه، وإما أن نعطيه جزءاً من سمكة كانت ستأكلها سمكة أخرى، أو دجاجة كان سيأكلها مخلوق آخر (للأمانة كان بُسبُس يحب أن “يحبس” ببعض الزيتون المخلل بعد الأكل وهو لا يضر بذلك أحداً، لكنها لم تكن وجبته الرئيسية). إذاً عندما يتعلق الأمر بدورة الحياة فكل مخلوق يموت يهب الحياة لغيره بموته هذا ويمنحه جزيئاته ليعيش من خلالها

الموت فى حد ذاته لا يغيّر شيئاً إذاً، الفارق الوحيد هو الشعور بالسعادة أو التعاسة أثناء الحياة. فمثلاُ ستؤكَل البقرة وستؤكل الدجاجة فى كل الأحوال، وسيتغذى على لحمهما مخلوق آخر سواءاً كان إنساناً أم ذئباً أم ثعلباً، لكن من الممكن أن تعيشا فى غابة أو مزرعة حياة هانئة إلى أن تحين الساعة المحتومة، ومن الممكن أيضاً أن تقضيا حياتهما فى صندوق خانق بمصنع ألبان أو مزرعة بيض لا يكاد يستطيع من سُجن بداخله أن يلتفت من جهة لأخرى من فرْط صغره (وهذه ليست أمثلة تخيلية للأسف، وعلى إثرها قمت بمقاطعة اللبن والبيض المعبأ آليا). وسيموت العصفور فى كل الأحوال وستلتهم جثته الطيور الجارحة والنمل.. لكنه إبان حياته إما أن يعيش مغرّداً بين الأغصان أو أن يعيش فى قفص ضيّق لا يمَكّنه من الطيران حبسه به أنانى متجبر.. هذا هو الفارق الوحيد

وفى الحقيقة ينطبق الكلام ذاته على البشر وإن كان بدرجة أكثر تعقيداً، فتخيل أنك أنقذت طفلاً من الموت مثلاً، هل تظن أنك بهذا تكون أنقذت حياة إنسان؟ فى الحقيقة لا، فأنت بإنقاذه تكون حرمت من الحياة الطفل الذى لم يٌخلق بعد والذى كان سينجبه أبواه بدلاً منه إن مات الطفل الأول، فالنتيجة النهائية واحدة فى الحالتين وهى موت أحدهما (أو عدم خلقه) وحياة الآخر. كذا فى حالة موت شاب فجائياً فى حادث أو جريمة مثلاً.. أنت ترى المشهد وتظنه مأساوياً خاصة بالنسبة لأبويه وأصدقائه الذين يبكونه، لكنك لو فكرت قليلاً ستجد أنه لو لم يمت اليوم سيبكى هو أبويه عند موتهما غداً ثم يبكى أصدقاءه بعد غد، أى أن النتيجة واحدة. لذا فالسؤال المهم ليس: هل مات أم لا؟ بل: هل عاش حياة سعيدة قبل أن يموت أم لا؟

إذاً فالمحصلة النهائية فى كثير من الحالات التى تبدو لنا إنسانية -كما فى حالة إطعام بسبس- أو مأساوية -كما فى حالة موت فرد من أسرة- فى الحقيقة نتائجها الكلية تكاد تكون متطابقة عندما نأخذ مستوى سعادة المجتمع بأسره الحالية والمستقبلية بعين الإعتبار. ولهذه القاعدة تطبيقات عملية كثيرة فيما يتعلق بالإجهاض مثلاً وما يعرف بالقتل الرحيم لأصحاب الأمراض المزمنة أو التشوهات، لكننا لن نتطرق إليها لأسباب مفهومة..

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted فبراير 23, 2012 by حسام حربى in سعادة

العبرة دائماً بالنهاية   2 تعليقان

مهما تمتعت قطرات المياه برحلتها النهرية فإن ما ستتذكره هو كيفية سقوطها فى الشلال

ماذا يحدث يا عزيزى القارىء لو أنك عايشت تجربة شديدة الجمال ثم إنتهت بنهاية تعيسة؟ مثلاً لو سافرت فى رحلة مريحة للأعصاب لمدة شهر وفى آخر يوم تعطلت السيارة وفاتتك الطائرة وإضطررت للبيات فى المطار وإستعمال دورة مياه قذرة وتشاجرَت مع زوجتك؟ الحقيقة أنك عندما تسترجع تلك التجربة فى المستقبل فستتذكرها على أنها تجربة “سيئة” فى مجملها، وقد يقشعر جلدك إن تكلم أحد عنها أمامك وتود لو أنه سكت فوراً. وهذا تماماً مثلما تستمتع بصحبة أحد والديك لعشرات السنين ثم تفقده فجأة، فهذا لن يمحو تأثير الذكريات الجميلة فحسب بل سيحولها إلى جحيم مستعر كلما جالت بخاطرك. والأكثر من ذلك أنه كلما زاد جمال تلك الذكريات كلما زادت مرارة الألم بعد الفقدان والعكس.. فإن كانت ظروف الوفاة شديدة القسوة لربما بدأْت بالحقد على الأيتام أو الذين يكرهون آباءهم لسوء معاملتهم إياهم على إعتبار أنهم أكثر حظاً منك! وكل هذا على المستوى العقل الباطن بالطبع فنحن لا نتحدث عن تحليلك الواعى

وقد قرأْْت فى إحدى الكتيبات المتعلقة بالسعادة ملحوظة شديدة الوضوح رغم أنى لم أنتبه لها أبداً، وهى أننا نحكم على علاقتنا بأى شخص -صديق مثلاً- بحسب آخر تجربة لنا معه وليس مجموع التجارب.. فلو كانت آخر تجربة هى مشاجرة فسيشكل تذكّر هذا الصديق الذى ربما لم نختلف معه يوماً ألماً، والعكس صحيح بالنسبة لعدو تصالحنا معه ففى هذه الحالة سيشكل تذكر هذا العدو الذى صار صديقاً ذكرى طيبة بما فى ذلك أحلك لحظات الخلاف.. بل وربما تذكرناها معاً وضحكنا عليها وسخرنا منها لأنه تم “إلغاءها” بعدما تصالحنا. وهذا يؤثر على قراراتنا المستقبلية أيضاً، فبعد تجربة النموذجين ستختار أن تعادى شخصاً عاماً ثم تصادقه عاماً ثم تموت بدلاً من أن تصادقه عاماً ثم تعاديه عاماً ثم تموت، لأنه فى الحالة الثانية “ستُلغَى” فترة الصداقة خلال العالم الثانى وكأنها لم تكن، وكأن العامان كانا فى عداوة. إذاً فالنهاية السعيدة أو التعيسة تحكم ذكريات الماضى وقرارات المستقبل، وهناك فرق شاسع بين “مدة السعادة\التعاسة” و”التجربة السعيدة\التعيسة”، إذ أن الأولى تُقاس بالوقت المجرّد والثانية تقاس بنهاية التجربة

وتنطبق تلك القاعدة على كل شىء فى حياتنا تقريباً بما فى ذلك العادات الحسنة والعادات السيئة.. فلو كنت تواظب على الرياضة مثلاً عدة سنوات ثم توقفت لأى سبب فستشكل تلك الذكريات بالنسبة لك ألماً لأن “النهاية” كانت توقفك عن ممارسة شىء تحبه أو شىء مفيد، والعكس إن تمكنْت من التوقف عن التدخين مثلاً، ففى هذه الحالة ستشعر بالسعادة والفخر بإنجازك الذى حققته كلما رأيت علبة سجائر أو شاهدت أحد المدخنين، وهذه السعادة موازية للألم الذى تحملته فى سبيل وصولك للهدف، وهذا الألم أصلاً كان يساوى السعادة التى تَحصل عليها من التدخين! وتلك الملحوظة شديدة الغرابة، لأنها تصب فى فكرة أن كل ما فى الدنيا “باطل” أو “وهم”، فالتجربة الجميلة تُمحى بمجرد نهاية سيئة والعكس، والتأثير النفسى للعادة الجيدة يُعكَس بالتوقف عنها والعكس.. وكأنه لا توجد ذكرى جميلة “حقيقية” يمكن الإحتفاظ بها للأبد اللهم إلا إن وازاها ألماً يقابلها والعكس صحيح أيضاً. وقد لفت نظرى كره بعض الناس لإيران بناءاً على شائعات أنها ساعدت أمريكا فى غزو أفغانستان بينما لم يكرهوا أمريكا ذاتها بنفس القدر! نستنتج من هذا مرة أخرى أن “آخر إنطباع” هو الذى يبقى بالفعل، فمهما كان سمع عن إيران من خير قبلها فهو يحكم بآخر ما سمعه ومهما سمع عن أمريكا من شر فهو لم يتأثر لأنه كان يتوقع منها ذلك

ويمكننا الخروج من تلك المشاهدات بنصيحة عملية وهى أن العبرة دائماً بالنهاية، وبالتالى فيكون علينا السعى دائماً إلى إنهاء جميع تجاربنا السيئة بطريقة تدريجية بقدر الإمكان والعكس صحيح للتجارب الجيدة.. فمثلاً ليس من الحكمة فى شىء أن تزيد من تعلقك بوالديك عند كبرهما لأنك قد تفقدها فى أى لحظة، ونهاية كتلك ستكون مدمرة لك لأنها هى التى ستَبقى كلما تذكرتهما. والعكس صحيح فى حالة مرضهما، ففى هذه الحالة عليك بخدمتهما حتى تضجر فتكون آخر ذكرياتك معهما سيئة. وإن إضطررت للخوض فى تجربة طلاق أو فراق مثلاً فلتكن بعد فترة من الفتور العاطفى -أربعة أشهر على الأقل كما أمرنا القرآن- كى لا تتحول كل الذكريات الجميلة فجأة لذكريات مريرة، بل تتحول لذكريات محايدة فقط وهذا أفضل ما يمكن الوصول إليه. كل هذا سيترك ذكرى أقل سوءاً على المدى الطويل لأن عقلك كما قلنا يتذكر آخر جزء مُعتبر من التجربة ولا يهمه التجربة نفسها مهما طالت أو ساءت

أما إن سافرت فى رحلة ممتعة فلا تركز إهتمامك بمدتها طالما سمحَت لك المدة بتجربة كل الأنشطة الممتعة بها، فسواءاً كانت مدتها أسبوعاً ام شهراً بعد ذلك فليس هذا هو ما سيبقى فى ذاكرتك، لكن إهتم بجعل أمتع أيامك بها هى آخر يوم أو إثنين لأن هذا هو ما سيبقى معك طيلة حياتك.. ولا تجعل الطائرة تفوتك عند العودة!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted فبراير 20, 2012 by حسام حربى in سعادة

ما بين السعادة النسبية والمطلقة   1 comment

نظن أننا نرتقى.. لكننا نظل فى نفس المستوى

معروف أن زيادة المعروض من سلعةٍ ما يقلل سعرها فيزداد الطلب عليها ليستوعبها السوق، بينما تقليل المعروض يرفع السعر مما يرفع العرض ليُشبع السوق، وهكذا يتحقق التوازن دائماً باستثناء الفترات الإنتقالية. ومن مساوىء دراسة الإقتصاد أنك تبدأ بالنظر لكل شىء بما فى ذلك الإجتماعيات من هذا المنظور، ودفعنى هذا الى عمل أغرب المقارنات.. فمثلاً لاحظت أنه إن إنتشرت كلمة “شكراً” بين الناس حتى غدت تُقال على الفاضية والمليانة فلن يكون لها قيمة ولن تسبب سعادة عند سماعها، وبالعكس فإن إنتشرت البذاءة أو قلة الذوق حتى صارت عادية فلن تصير “بذاءة” أو “قلة ذوق”، بل ستصير هى القاعدة وما كان طبيعياً سيغدو مجاملة ونعود مرة أخرى إلى التوازن!

وقياساً على نفس القاعدة نجد أنه إن إعتاد شخص على إنتصار بلده دوماً فى حروبها بخسائر بشرية محدودة فسيقل تأثير هذا النصر تدريجياً مع كل معركة حتى يتلاشى، وبعدها سيعتبر أن نصراً كلّفهم خسائر كبيرة هو فى الواقع “هزيمة فادحة”، فى حين سيَعتبر المهزومون أنفسهم “منتصرين” لأنهم كلفوا المُعتدى خسائر كبيرة لم يُمْنيه بها أحد من قبل! ونفس الشىء يشعر به المشجعون بُعَيد مباريات الكرة.. فإن اعتاد جمهور فريقٍ ما على الفوز بالكأس لتسعة مرات من كل عشرة فلن يعنى النصر بالنسبة لهم الشىء الكثير، لكن عندما يفقدوه تلك المرة اليتيمة فسُيصدمون أكثر من جمهور الفريق الخائب بما يوازى مجموع صدماتهم طوال العشر سنوات الماضية لو كان فريقهم قد فاز بنصف المرات فقط! والعكس بالنسبة لمشجعى الفريق الفاشل الذين سيفرحون أيما فرح بذلك النصر النادر والذى سيعادل فرحة الآخرين طوال العشر سنوات الماضية مركّزة فى دُفعة واحدة. وفى رمضان نشعر بالتعب خلال أول ثلاثة أو أربعة أيام قبل أن نعتاد على الجوع وهى نفس عدد الأيام التى نشعر خلالها بالسعادة بعد إنقضائه قبل الإعتياد على الشبع. ونشعر بالإمتنان عندما يأتى فى الشتاء حيث النهار قصير والجو بارد لا لشىء سوى إعتيادنا على مجيئه من قبل فى الصيف والعَكس صحيح. وتشعر بالراحة عندما تُصاب بدور برد إن كان دور البرد الذى سبقه أكثر ضراوة لأنك تقارن هذا بذاك والعكس أيضاً صحيح

ونفس القاعدة تنطبق بالنسبة للإختراعات الهادفة للراحة.. فشىء مثل التكييف والسخان و المرتبة المائية جميعها تريح مستخدمها لوقت قصير ثم ما يلبث أن يعتاد عليها ويبدأ بالقلق حيال أشياء أخرى بعدما كان حَر الصيف أو برودة الماء هى سبب تعاسته الرئيسى. والإختراعات الهادفة لتجميل المظهر كفرشاة الشعر ومكواة الملابس لا تأثير لها البتة لأنه سرعان ما يعتاد الجميع بعد إنتشارها الحتمى على الشعر المُسرَّح والملابس المكوية فلا يعود لهما أثر ونعود ثانية لنقطة التوازن. ولا يمكن لمن لم يمرض أن يشعر بالصحة ولا لمن جاع أن يشعر بالشبع..  وبعد إنتشار التثليج مثلاً والذى جعل كل انواع العصائر متاحة طوال العام إختفت البهجة بقدوم فصل معين بعصائره وهكذا. الله! كأنه لا توجد وسيلة للسعادة إلا من خلال التعاسة ولا يمكن لمن لم يذق طعم السعادة أن يكون تعيساً فهما وجهان لعملة واحدة

لكن مادام لا شىء يصنع فارق حقيقى فى مستوى السعادة فلماذا يتطور البشر إذاً؟

هناك سببان يشجعان الإنسان على الترقى بأسلوب حياته.. الأول قد تكون عرفته بالفعل يا قارئى العزيز وهو الفترة الإنتقالية المؤقتة التى ينبهر فيها بالإختراع أو الشىء الجديد قبل الإعتياد عليه واعتباره أساسياً لا يمكن الإستغناء عنه. أما الثانى فهو أن بعض الأشياء ليست نسبية وتأثيرها طوال العمر.. فمثلاً الشعور بالتميّز عند مقارنة نفسك بالآخرين لا يعتاد المرء عليه أبداً[1]، فلم نر فقيراً ولا مشلولاً لا يساورهم الحزن من وقت لآخر على حالهم ولم نر غنياً ولا مشهوراً لا يشكر الله أو ينتابه الغرور من وقت لآخر (مما يعنى أنه يحس بتميزه). ولنفس السبب ترى الدول العاقلة ضرورة تطوير جيوشها لتناظر قوة أعدائها وإلا تعرضت للغزو، والغزو لا يزول تأثيره حتى على المدى البعيد لأن الإنسان لا يعتاد عدم المساوة مع من يعتبرهم أنداده أبداً حتى إن كانت بغير ظلم  فما بالك لو كان بظلم[2]. وهناك ما يدل على أن الإنسان يتأثر جداً بقدرته على إتخاذ القرار من عدمه، بمعنى أن الذى يشعر أن حياته تُسير له بدلاً من تسييره هو لها يكون ضحية الإكتئاب ولا يعتاد على ذلك حتى وإن تساوا الإثنين فى الدخل وأسلوب الحياة مثلاً. وبعض الإختراعات كالتى توفر الوقت تترك تأثيراً مطْلقاً لا يُعتاد عليه.. فمثلاً قد نتفق أن الذى كان يسافر على ظهر الجمل لمدة شهر فى الصحراء كان يعانى بنفس القدر الذى يعانى منه راكب سيارة مكيّفة الآن لمدة 24 ساعة بسبب اختلاف قوة تحملهما، لكن لا شك أن الذى أضاع شهراً من عمره ليصل إلى وجهته قد خسر أسابيع عديدة كان يمْكنه إستثمارها فيما ينفعه بعكس الآخر. ونفس الشىء ينطبق على الذى كان يسير عشرة دقائق إلى البئر كل يوم مثلاً ليملأ قربة ماءه بعكس الذى يسير إلى المطبخ فى نصف دقيقة اليوم، فهما يتضجران بنفس القدر، لكن الثانى وفّر وقتاً مطلقاً يمكنه إستخدامه فيما يفيده أو يفيد غيره. كذلك التقدم الرهيب فى الطب لا يمكن إعتباره نسبياً، فإعادة البصر إلى أعمى أو إنقاذ طفل من اليتم بإنقاذ حياة أبيه أو أمه ليست من قبيل الأشياء النسبية التى يتم الإعتياد عليها، بل هى محاور هامة تُشكل نمط حياة الإنسان ونترك بصمة واضحة عليه حتى يموت. إذاً فهناك تطورات وإختراعات نسبية تفقد تأثيرها سريبعاً ثم تتحول إلى عبء على الفرد والمجتمع بعد تحولها لضرورة، وهناك تطورات وإختراعات نسبية يرقى بها المجتمع فعلاً ولا تفقد تأثيرها مع الزمن

ومن اللافت اكتشاف دراسة حديثة لوجود حد أقصى من السعادة يجلبها المال، حيث لم تزدد سعادة مَن تعدت دخولهم السنوية  مبلغ 75 ألف دولار[3]، بينما أكدت أخرى أن الدول التى تزيد فيها الدخول لا تزيد مستوى السعادة بها[4] وأرجعت السبب إلى نمو طموحات الناس بنمو دخولهم.. ونستنتج من هذا أن زيادة الدخل على مستوى الدولة ككل لا يجعل مواطنيها أسعد نظراً لأنهم لا يزالون يقارونون أنفسهم بجيرانهم وأقاربهم[5]

حسناً.. كيف يمكننا استغلال كل تلك التحليلات والحقائق عملياً لتعظيم السعادة المطْلقة وتقليل التعاسة المطْلقة؟ الإجابة لن تفاجئك بتاتاً يا عزيزى القارىء فهى مستقاة من تشريعات الأديان و أقوال الحكماء، وهى ببساطة تجنُّب الإسراف والترف الظاهرى الزائد. فإن كنت تعيش فى قرية لا يوجد بها أية أجهزة تكييف مثلاً، وكنت قد عشت أنت وأسلافك طوال حياتكم بدونه، ولم يكن جيرانك يتميزون عنك بشىء ترفيهى مماثل (يعنى مش معقيدنك ومحتاج “تنتقم” منهم) ففى الواقع لن تكون لك حاجة لشرائه بالمرة لأن ذلك سيظل يؤذى غيرك إلى أن يقلدوك، وإن قلدوك فستُهدَر بعض موارد المجتمع فى شىء لن يجلب له سعادة مُطلقة بل مؤقتة سرعان ما تزول

مثال آخر.. تخيل أننا فى الثمانينات حين كانت أفخم سيارة فى معظم نواحى مصر هى الـ132، فإذا بأحدهم يشترى مرسيدس، ليس لأنها توفر فى الوقود أو فى الصيانة، بل لأنها “ستُعقد” جيرانه وأصدقاءه! حينها سيكون مسؤولاً هو وأوائل من يتبعوه عن بدء السباق المحموم على مُدِلات السيارات وإهدار الملايين من موارد المجتمع عليها حتى يمتلك الجميع المرسيدس ويخسر المجتمع أمولاً طائلة قبل أن يعود لنقطة التوازن فى السعادة ثانية. نفس الشىء ينطبق على مَركات الملابس والنظارات والساعات والأثاث ذات الأسعار الخيالية .. فما أن يبدأ واحد فى أى “شلة” أصدقاء أو مجتمع بشرائها حتى يحفِّز الباقين للتنافس معه ومضاهاته، والنتيجة النهائية خسارة الجميع مادياً ومعنوياً. مادياً لِما يُهدر من مال، ومعنوياً لأن كثيراً من الحقد والحسد -وهما مصادر رئيسية للتعاسة والمشاكل فى أى مجتمع- سببها النماذج المذكورة من محبى المنظرة، ولعل هذا يكون سبب تحريم الأديان كلها تقريباً للإسراف والبطَر والترغيب فى الزهد والتواضع (مع الإعتراف بأن الإسراف إن دام يجلب لصاحبه سعادة مطْلقة وليست مؤقتة لأن الشعور بالتميّز يقل لكنه لا يزول)

ومجتمع ينفق أمواله فى ذلك الهراء يشبه من يتعاطى المخدرات ليشعر بسعادة وقتية، لكن سرعان ما تتلاشى تلك السعادة لتتبدل بشعور محايد وما يتبقى فقط هو الإدمان المكلف. ولهذا فأفضل معيار لمعرفة ما إذا كان ينبغى عليك شراء سلعة معينة أم لا هو مقارنتها بـ”المتوسط” أو السائد. ويمكننا أيضاً التفرقة بسهولة بين الأشياء الترفيهية والأساسية.. فالترفيهية هى التى يعود مستوى سعادَتك بعد الحصول عليها بفترة قصيرة لمرحلة التوازن، أما الأساسية فهى مغزولة بحمضنا النووى إن جاز التعبير فتؤثر على مستوى السعادة المطلُقة وليست الوقتية فقط.. ومن أمثلتها الطعام والشراب والنوم والمساواة مع من تعتبرهم أقراناً لك، فلم نر أحداً يعتاد على الجوع أو العطش أو سوء المعاملة من مِثله مهما طال إلا بنسبة محدودة حتى وإن كانت البلد كلها جوعانة وعطشانة وساهرة ومظلومة. ولذا فإن صار لدى نصف أفراد مجتمع معين تكييف ومرسيدس مثلاً فستصير سلعاً أساسية، لأن من لا يمتلكها لن يعتاد على حرمانه مما عند أقرانه أبداً

وبعد جرعة الحكمة المركزة هذه أستأذنكم الآن.. فقد حان موعد طائرتى لشرم!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.amazon.com/Status-Syndrome-Standing-Affects-Longevity/dp/0805073701
[2]فحتى إن كنت وُلدت بعد النكبة بعشرات السنين فلن تشعر يوماً بأن إحتلال فلسطين شىء طبيعى لأن أحداً لم يُقنعنك أن اليهود أرقى من العرب، وبهذا نفهم سبب تقبُّل الغربيين لإحتلالها.. فالإعلام الصهيونى يُلقنهم منذ الصِغر أن اليهود مساكين ومضطهدين أما العرب فمجرمين متخلفين، فلم تعد  فى نظرهم معركة بين أنداد بل صارت بين بشراً يذبحون حيوانات فلم يعد للإستنكار داع
[3]http://www.livescience.com/culture/money-buys-happiness-life-satisfaction-income-well-being-100906.html
[4]http://www.livescience.com/culture/economic-growth-happiness-101213.html
http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1338272/Money-does-NOT-buy-happiness-scientists-prove-unless-neighbour.html
[5]http://www.futurity.org/society-culture/happiness-is-earning-more-than-you-do/

Posted فبراير 16, 2012 by حسام حربى in سعادة

أركان السعادة الأربعة: المقارنة بالماضى وبالمستقبل وبالمتوقّع وبالآخرين   Leave a comment

كلما انطلقت من ركن كان وصولك لباقى الأركان مستحيلاً

هل تألمت يوماً يا عزيزى القارىء لعدم إمتلاكك أجنحة رغم إمتلاك الطيور لها؟
وهل تعتقد أن الأفارقة الذين يعيشون على خط الإستواء والذين لا يوجد عنهم صيف ولا شتاء يشعرون بالحر؟
ماذا يكون شعورك قبل إنتهاء موعد الخروج من العمل بخمسة دقائق؟
وماذا يحدث لو إعتقدت أن إبنك مات ثم وجدت أنه مَرض فقط؟
إجابات تلك الأسئلة معروفة وهى بالترتيب لا-نعم-بابقى هموت-هاطير من الفرح.. ولكن ما سببها؟ وهل هناك آلية معينة لشعور الناس بالسعادة والتعاسة؟

لاحظت أثناء فترة الجامعة شيئاً طريفاً، وهو كرهى للمذاكرة ولتمرينى الرياضى بشدة إلا عندما يكون علىّ أداء الإثنين.. ساعتها لا يضايقنى أن أبدأ بالمذاكرة لأن البديل هو التمرين، ولا يضايقنى أن أبدأ بالتمرين لأن البديل هو المذاكرة، فالإثنين عندى بنفس درجة البشاعة! وهذا أسس لى أول حجر فى فهم آلية السعادة، وهو المقارنة بالمستقبل.. فإن كنت تتوقع إنغماسك فى عمل أسوأ من عملك الحالى حيال إنتهاءك منه فسيصير عملك الحالى هذا محبباً إلبك حتى لو كنت تكرهه بشدة فى الوضع الطبيعى والعكس صحيح.. فعمل شىء يُسعدك فى الوضع الطبيعى يصير عبئاً تود الإنتهاء منه فى أسرع وقت حينما يعنى ذلك أنك ستبدأ بعمل شىء تشتاق له أكثر

العامل الآخر فى معادلة السعادة هو المقارنة بالماضى.. فعملك لشىء تبغضه بعد عملك لشىء كنت أكثر بغضاً له يعطيك سعادة لانك تنتقل من أسوأ لسىء، وهذا يفسر شعور ساكنى خط الإستواء بالحر نهاراً، فهم يشعرون بالراحة النسبية ليلاً.. أما لو كانت درجة الحرارة لا تتغير البتة طوال اليوم وطوال العام لما شعروا بالحر أبداً (حتى يأتى واحد غتت يفرجهم على مروحة أو تكييف بسرعة ويطلع يجرى). ولذا فيكون أكثر الفقراء بؤساً هو من ذاق طعم الغنى من قبل، وأكثر العجائز حسرة هم من كانوا يتمتعون إبان شبابهم بقوة أو جمال شديدين، وكأنها الضريبة التى يدفعها المستمتع بنعمة من النِعم

ثالث عامل فى معادلة السعادة هو المقارنة بالمتوقَّع.. وأقوى مثال أذكره على هذا خاص بإمرأة فقيرة كانت تعرفها جدتى أصيبت بمرض فى رِجلها، وعندما ذهبت إلى الطبيب أخبرها بأن الحل الوحيد هو بتر الرجل. وبعدما فزعت فزعاً شديداً قيل لها أنهم لا يحتاجون لبتر الرجل بأكملها وإنما لإستبدال ركبتها فقط بركبة صناعية، وطبعاً تتخيلون مدى السعادة التى شعرت به لعلمها أنهم سيزيلون ركبتها فقط

أما آخِر عامل فهو مقارنة نفسك بالآخرين، ولكن ليس أى آخرين.. الآخرين الذين تعتبرهم مكافئين لك. ولهذا فنحن لا نغير من الطيور لأننا نعتبرهم مختلفين عنا جذرياً، ولا أعتقد أن هناك حقد من جانب الفلاحين على الطبقات الثرية فى أى مجتمع إقطاعى لأن الفقراء لا يقارنون أنفسهم بأفراد الطبقات الأخرى أصلاً، بل يتعاملون معهم وكأنهم مخلوقات مختلفة من كوكب آخر. وهناك رواية رائعة فى الأدب الغربى إسمها “عالم جديد شجاع” تتخيل عالماً فى المستقبل يقسم الناس لطبقات فوق بعضها إلا أن جميعهم سعداء، والسر فى ذلك هو غسل مخهم باستمرار ليعتقد كل منهم أنه أسعد من غيره

مثال آخر لتأثير المقارنة بالآخرين على مستوى السعادة نجده فى رثاء الخنساء أخيها صخر أيام الجاهلية بأبيات بليغة تقول فيها:
يذكرني طلوع الشمس صخر.. وأذكره عند كل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي.. على اخوانهم لقتلت نفسي
..فنجد أن الذى صبرها على فقدان أخيها هو فقدان الكثيرات لإخوانهن مثلها

ولذا فمن السذاجة أن تتمنى الخير أو التوفيق “للجميع”.. فلو حدث الخير للجميع فعلاً فسيعود الجميع إلى نفس مستوى سعادتهم (أو تعاستهم) السابقة سريعاً لأن كل واحد سيقارن نفسه بجاره أو قريبه أو زميله فيجد أن وضعه لم يتحسن بالنسبة له، و ضَع خطاً تحت “بالنسبة له” لأن كل شىء نسبى. ومن هذا المنطلق لا يكون شىء مثل الصدقة لسَد الحاجات غير الأساسية خير مُطلق.. لأنها وإن ساهمت فى تحسين حال الفقير وإسعاده فهى تتعس باقى الفقراء الذين لم يأخذوا مثله. وحتى لو تمكنا من مساواة الجميع مالياً فسيبدأون بالشعور بالتعاسة للتمايز بينهم فى أشياء أخرى كالجمال والذكاء وروح الفكاهة الخ ونعود مرة أخرى من حيث بدأنا

مما يدفعنا للتساؤل عن شعور الناس لو مات جميع آباءهم فى نفس الوقت مثلاً، هل سيصيبهم الحزن؟ أو هل سيتضايقون إن قُطعت أيديهم جميعاً معاً؟ بحسب معيارنا الرباعى “مقارنة الوضع الحالى بالماضى وبالمستقبل وبالمتوقَّع وبالآخرين” سيقل الألم كثيراً لإختفاء جانب المقارنة بالآخرين، إلا أنه سيظل موجوداً لفترة بسبب المقارنة بالماضى. وإن قيل لهم أن أيديهم ستنمو خلال بضع سنوات مثلاً فسيكونون أكثر حنقاً على الوضع الحالى لأنهم سيقارنوه دائماً بالمستقبل، وإن قيل لهم قبل قطعها أنهم سيقطعون يداً واحدة ثم خدعوهم وقطعوا الإثنين فسيكونون أكثر حزناً وهكذا

هناك الكثير من التطبيقات العملية لهذه المعادلة تماماً كما فى حالة السيدة والركبة الصناعية.. فمثلاً لو لم تكن تملك الكثير من المال فبوجب المعادلة سيكون من الحماقة أن تنتقل إلى حى راقى حتى لو تمكنت من ذلك لأنك “ستتعقد” كل يوم مما ستراه هناك. وكذلك ندرك أهمية التربية الخشنة للأطفال منذ الصغر، لأن من تربى منهم فى ترف سيظل يعتبر ذلك الترف هو “الوضع الطبيعى” طيلة حياته ويظل يقارن وضعه الحالى به فيكون من الصعب إسعاده ومن السهل إتعاسه. كما ندرك تساوى البدء بما تحبه والبدء بما تكرهه من أعمال.. فلو بدأت بما تحب ستكون سعادتك منتقصة لشعورك بأن عليك عمل شىء تكرهه بعد الإنتهاء، بينما إن بدأت بما تكره ستمر عليك اللحظة كالساعة لأنك تتحرق شوقاً من الإنتهاء بأسرع وقت ممكن. ونجد أن بعض الإتجاهات الفكرية مثل الفكر النسوى فى الحقيقة تجلب التعاسة للمرأة لأنها تقنعها بضرورة النجاح المادى كالرجل تماماً فتصير حانقة على عيشتها الهانئة فى البيت بعدما كانت راضية بها. وبالنسبة للتيارات الإشتراكية والشيوعية نجد أنها لا تحقق السعادة للناس على المدى البعيد لاستمرار مشكلة المقارنة بالآخرين فى مجالات أخرى بعد تحقيق المساواة المادية (إن تحققت)

وهكذا فمن الممكن ببعض التأمل لقواعد السعادة والتعاسة تعظيم هذه وتقليل تلك بقدر الإمكان عند إتخاذ القرارات الهامة على مستوى الفرد والمجتمع

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted فبراير 13, 2012 by حسام حربى in سعادة

هل تسعدنا الحرية حقاً؟   1 comment

لو لم يكن هناك سوى طريق واحد للحياة لكانت أسهل كثيرا

لو لم يكن هناك سوى طريق واحد للحياة لكانت أسهل كثيرا

الإنسان لا يقنع بما لديه أبداً، ولو كان لإبن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له واديان.. ومن هنا نشأ إعجابى بفلسفة البوذية الداعية لنبذ الرغبات الداخلية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتخلص من لهيب الطمع الذى لا ينطفىء، وتنص أن عليك إقناع نفسك بالإكتفاء بما لديها عن طريق قتل الرغبة فى المزيد لأن الجرى وراء الأهداف الجديدة لن ينتهى أبداً “إرغب فى ما لديك ولا ترغب فيما ليس لديك”. وتثبت مدى نجاح تلك الفلسفة إختبارات مسح المخ  التى أُجريت على رهبان التبت المعدمين الذين يقضون جل وقتهم فى التأمل، والتى أظهرت أنهم من أسعد الناس فى العالم[1]. وقد قال العرب قديماً “اليأس إحدى الراحتين”، أى أن اليأس من الوصول إلى شىء فى الحقيقة يريحك من ألم الحرمان منه (الراحة الأخرى هى الموت) وفى هذه الحالة يكون عدوك الأكبر وسبب تعاستك هو “الأمل”. كما أننا فى العصر الحديث نغرق فى عدد لا نهائى من الإختيارات كنوع ولون الملابس والسيارات والإلكترونيات وحتى فاكهة المواسم التى غدت متاحة طوال العام مما يولد فى النهاية شعوراً بالتشتت والحيرة والتيه والندم أحياناً بعد أخذ قرارٍ ما مقارنةً بما لو كان عندنا بضعة إختيارات فقط لننتقى منها

الحل الآخر للتخلص من الرغبة فى شىء هو الجهل بوجوده أصلاً، وقد تجلت لى هذه الطريقة بعد مشاهدة فلم تسجيلى عن حياة الناس فى كوريا الشمالية، ذلك البلد الإشتراكى المعزول الواقع تحت العقوبات الغربية والذى يُعد من أفقر دول العالم.. فكلما سألَت المذيعة البريطانية أحد المواطنين عن شعوره ورأيه تجده سعيد وراض رضاً ليس له مثيل عندنا، فقد تم تلقينهم منذ الصغر أن “الرئيس العظيم يفعل هذا من أجلكم وانتم أسعد شعوب الأرض ويحسدكم العالم على ما أنتم فيه وعندكم كل ما تحتاجونه” الخ.. للوهلة الأولى قد تتعاطف مع هؤلاء المساكين المخدوعين، إلا أنك سريعاً ما تدرك أن المسكين الوحيد هو أنت! فنحن دائمو اللهَثان وراء أشياء لن ننالها أبداً.. وحتى إن نلناها فنأخذ استراحة قصيرة قبل أن نشعر بالتعاسة لأن شيئاً آخر ينقصنا بعكسهم. فإذا كان هؤلاء الكوريون لا يكذبون أمام الكَمِرات خوفاً من الإختفاء وراء الشمس فلعلهم يكونون حقاً أسعد أهل الأرض. وهنا سيكون من الصعب أن نجد من هو أشَر من ذلك الذى سيفتح أعينهم فى يوم من الأيام على ما يعيشه العالم من رفاهية وما يعيشونه هم من حرمان فيحطم أحلامهم على صخور الحقيقة

وللعنة “العلم بوجود شىء أفضل” فى بلادنا أثر كبير، فهناك خبراء يؤكدون أن من أهم أسباب إرتفاع معدلات الطلاق هو إنتشار الفِديو كلِبات التى تُجبر المشاهد على مقارنة المغنيات الفاتنات بزوجته المنكوشة! وتقول بعض روايات حادثة الخُلع الشهيرة فى السيرة النبوية أن المرأة طلبت التخلص من زوجها لأنه كان دميماً رغم أنها لم تعب عليه فى دين ولا خُلق، فسبب خراب البيت إذاً كان بلا شك مقارنتها له بغيره من الرجال. وتفسيرى لظاهرة إستفحال الطلاق الآن لا سيما بين أبناء الطبقات الثرية هو وجود كَم لا نهائى من الشباب والشابات فى العمل وعلى النت يمثلون “بدائل متاحة” مما يدعو الزوج والزوجة إلى المقارنة المستمرة بين الشريك الحالى والشريك المحتمل (أو الذى كان محتملاً) بعكس فكرة زواج الصالونات الذى كانت الزيجة فيه قضاء وقدر لا إنفكاك منه، وقد أكدت بعض الدراسات بالفعل أن للفيسبوك نصيب الأسد فى حالات الطلاق الحديثة[2]. وهذه من أكبر الحجج ضد اللبرالية فى رأيى، إذ لو ثبت أن الحرية تأتى للإنسان بالتعاسة فـبلاها حرية

وباختصار فيبدو أن علينا التسليم بصحة الحكمة القائلة “إلّى داق التفاح مياكلش من الخيار”، فيكون الحل الأمثل هو الإبتعاد عن التفاح بقدر الإمكان وتمشية الحال بالخيار كى لا تخرب حياتك بإشتهاء ما ليس عندك!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.timesonline.co.uk/tol/comment/columnists/libby_purves/article1136398.ece
[2]http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/44ECF91C-2345-4DB2-81E6-734DAB2FE346.htm

Posted فبراير 9, 2012 by حسام حربى in سعادة