Archive for the ‘صراع’ Category

الحق = القوة   1 comment

فور انتصار أحدهما ستصاغ مبررات أيديولوجية تجعل ما حدث “صواباً” و”عدلاً”

تخيل يا عزيزى القارىء جزيرة يعيش بها شخصان.. أحدهما مبصر والآخر أعمى. قرر الأعمى فى يوم من الأيام سرقة أحد عينا المبصر ليرى بها ونجح فى ذلك بالفعل. ما تحليلك لما حدث؟ قد يرى أحد القراء هذه خطوة إيجابية إعلاءاً لفكرة “المساواة”، إذ أن العدالة قد تحققت لأن الأعمى لا ذنب له فى عماه والمبصر لا فضل له فى بصره. بينما يرى آخر ما حدث ظلم وجريمة إعلاءاً لفكرة “عدل الوضع القائم” أو “عدل التوزيع الإلهى”، إذ ليس من حق الأعمى سرقة عين المبصر مهما كانت الظروف. وقد يرى ثالث ما حدث صواباً من باب “تعظيم المنفعة الكلية”، إذ أن الإثنين صار عندهما القدرة على الرؤية الآن بعدما كان أحدهما مبصراً والآخر أعمى تماماً. بينما سيرفض مؤيدو مبدأ “البقاء للأصلح” هذا التبرير باعتبار العمى مرض وعبء على المجتمع يجب ترك الطبيعة تتخلص من حامليه من أجل مصلحة البشرية على المدى البعيد وإلا سببنا مزيداً من التعاسة.

لكن هناك فكرة أخرى أشمل كثيراً.. وهى عدم وجود “صواب” و”خطأ” ولا “عدل” و”ظلم” أصلاً! ولذا فلا عجب من حيرتنا فى تحليل ما حدث. المسألة ببساطة أن ما جرى كان جيداً من وجهة نظر الأعمى وسيئاً من وجهة نظر المبصر، وأيضاً جيداً من وجهة نظر “الطاقة البصرية الكلية لسكان الجزيرة”. أى أنه لا يوجد فى الحقيقة معيار موضوعى يمكننا الإستناد عليه للحكم على صحة أو خطأ التصرف دون إعتبار وجهة نظر المقيّم. فإن فرضنا وجود زوجة للأعمى مثلاً فمن الطبيعى أن ترى ما حدث إيجابياً وعادلاً، أما زوجة وأصدقاء المبصر فسيعتبرون ما حدث جريمة وسرقة الخ، وإن كان هناك حاكم لهذه الجزيرة فقد يرفض ما حدث بإعتباره زاد من التوتر الذى يتسبب فى مشاحنات تقض مضجع الحاكم وتزعجه وتتسبب فى لومه بعدم قدرته على حفظ الأمن. أى أنه فى النهاية هناك مبدأ معين مثل “المساواة” أو “الصبر على البلاء والرضا بالقدر” أو “ترك قوى الطبيعة” أو “تعظيم المنفعة الكلية” أو “حفظ السلم الإجتماعى” الخ سيتم إعطاؤه قدسية وأولية فوق كل المبادىء الأخرى ثم يقاس عليه مدى صحة أو خطأ التصرف.

لكن مَن يا ترى سيحظى بحق تحديد هذا المبدأ؟ بالضبط.. إنه الطرف الأقوى! فما سيحدث بعد هذه الحادثة هو مشادة قد تتطور إلى مشاجرة قد تتطور إلى اقتتال تحدد نتيجته مدى شرعية ما حدث وتُسطِّر دستوراً تسير عليه الجزيرة لحين بروز صراع جديد بنتيجة مختلفة.

وما نيل المطالب بالتمنى    ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

ولذا فالأفكار المجردة كالصواب والخطأ والعدل والظلم -عملياً- لا وجود لها ولا معنى، ويختلف تعريفها بحسب مصالح المتحدث عنها. بل إن بعض التحليلات الإجتماعية المتعمقة ترى أن منع الآباء أطفالهم من الكذب والسرقة مثلاً إنما جاء ترسيخاً واستكمالاً لبسط نفوذهم عليهم.. فلأن الآباء يحتكرون كل الموارد المادية فكل ما يتبقى لهم لضمان السيطرة التامة على الأطفال هو منع إخفاء المعلومات (الكذب) ومنع تسرب الموارد (السرقة)، وعند تحقيق ذلك بكفاءة يفقد الأطفال كل أسلحتهم لمواجهة قوى الآباء. وعندما يكبر الأطفال تستمر نفس القواعد لكن يتقمص دور الآباء هنا ذوى النفوذ والثروة فى المجتمع بينما يتقمص دور الأطفال الفئات الأضعف. والممتاز فى هذا التحليل هو نظرته المتوازنة للكذب والسرقة.. فهما ليسا خيراً محضاً ولا شراً محضاً دون اعتبار وجهة نظر المقيِّم أهو الطرف القوى أم الضعيف؟ والسبب فى عدم سماعنا مثل هذا الكلام فى اعتراف علنى من أحد أبداً أنه سيكون بمثابة تشجيعاً لنا منه على أذيته أو اعترافاً منه برغبته فى أذيتنا!

ورغم ذلك فهناك فكرة فلسفية ممتازة من الناحية النظرية لتحقيق العدل الحقيقى، وهى أن نتخيل حين نضع القوانين والقواعد التى تسير المجتمع أننا سنموت فور وضعها ثم نُبعث فى جسد أى شخص.. وبالتالى سنتحرى جميعاً الحياد فى القوانين التى سنضعها فلن نظلم الغنى ولا الفقير ولا الصحيح ولا المريض ولا الرجل ولا المرأة لأننا لا نعرف فى أى جسد سنُبعث. لكن مشكلة تلك الفكرة بالطبع هى إستحالة تطبيقها عملياً لأننا نعلم أنها مجرد تخيل.. فإن سألنا الغنى ما رأيك بمستوى الضرائب العادل علماً بأنك ستموت فور إقرار نسبة ما ثم تبعث غنياً أو فقيراً سيؤكد لك أنه يراه 1% مثلاً والعكس بالنسبة للفقير الذى سيرفض الملكية الخاصة بالكلية، وإن سألنا المرأة عن رأيها فى حقوق المرأة العادلة علماً بأنها لا تضمن إن كانت ستبعث فى جسد رجل أم امرأة ستقسم لك أنها ترى من حقها خلع زوجها وأخذ أمواله وشقته وحضانة الأطفال والعكس صحيح بالنسبة للزوج.

إذاً بعيداً عن الفلسفة النظرية فعلى أرض الواقع الحياة مجرد صراع.. فإما أن تُفترس الغزالة وإما أن يتضور الأسد جوعاً، ولا يوجد حل “عادل” لهذه المعضلة، بل إن أسرعهما فى الجرى سيقضى على الآخر. ونفس القاعدة تنطبق على البشر الذين ينتهى أى صراع بينهم بفرض الفئة الأقوى أو الأكثر تنظيماً لوجهة نظرها فى تعريف “العدل” و”الظلم” و”الصواب” و”الخطأ” على الفئة الأضعف، حيث تُستخدم هذه المصطلحات كعملية تجميل وتحصيل حاصل لنتيجة حُسمت بالفعل لحظة تحديد المنتصر والمهزوم فى الصراع. وباختصار.. فـ”الحق” هو “القوة” متجملة بقناع فكرى.

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted يوليو 14, 2012 by حسام حربى in صراع

الشرعية للقوى   1 comment

إسمه “مينا موحد القطرين” وليس “مينا مجرم الحرب” لأن انتصاره لا يزال سارياً حتى اليوم

لا أكاد أتمالك نفسى من الضحك كلما سمعت إتهام الفئات الحاكمة أو المسيطرة للجماعات التى تحاول الإنقلاب عليها بأن أصحابها “متمردين” أو “إرهابيين” أو “خارجين على الشرعية” أو “خارجين على القانون”، لأن معظم مَن يوجهون أصابع تلك الإتهامات ببساطة وصلوا تاريخياً للحكم عن طريق متمردين إرهابيين خارجين على الشرعية والقانون!

ففى مصر وصل عبد الناصر ورفاقه للحكم (و بالتالى من أتوا بعدهم) عن طريق إنقلاب عسكرى، ولمن يعتبر ناصر خارجاً على الشرعية فأذكره بأن محمد على (وبالتالى سلالته) وصلوا للحكم عن طريق ثورة شعبية خرجت على شرعية الوالى العثمانى (الذى كان خرج على شرعية المماليك.. إلخ). وأنظر إلى أمريكا واسرائيل اللذان لا تكفان عن توجيه أصابع الإتهام بتلك التهم.. الأولى حازت على الاستقلال عن طريق إفناء سكان الأرض الأوائل ثم الثورة على الحكم البريطانى “الشرعى”، ولم تزل تسيطر على مختلف الحكومات بالقوة سواءً كانت “الناعمة” أم “الخشنة”، أما الثانية والتى تشتكى أيضاً الإرهاب الفلسطينى فقد كان مهاجريها الأوائل يهاجمون الإنجليز سنة 1947 على طريقة حرب العصابات الإرهابية لإجبارهم على الرحيل كى يتسنى لهم إقامة دولتهم. أما الثورة المصرية “السلمية” آخر حلقات مسلسل الخروج على الشرعية فقد استخدمت الحجارة والشوم والمولوتوف ولولا ذلك لتم فض اعتصام التحرير فى ساعة زمن قبل بدء أوتار المشانق فى عزف ألحانها

إذاً فكله بيوزن كفتة فى النهاية، ولا يمكن القول أن هناك شىء اسمه “نظام شرعى”، بل الصواب أن نقول: “نظام قوى وان كنت تقدر تجيب الأقوى منه ورينا فلاحتك”.. ولو نجحت فى قلب النظام القديم ستتحول فجأة إلى بطل قومى “شرعى” ويتحول معارضوك إلى “ثورجية” يُلقى بهم فى السجون قبل مزبلة التاريخ.. أما لو فشلْت فالويل لك لأنك ستكون إرهابى خائن متمرد حلال فيه الإعدام لخروجه على الملوخية!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted يوليو 7, 2012 by حسام حربى in صراع

لا عزاء للضعفاء   1 comment

هو قانون..

شهِد عليه صراع الفراعنة والحيثيين
وغزو إسبرطة للأثينيين
وتنافس الفرس والرومان
وسيوف الكفر والإسلام
وكنوز هولندا الغارقة..
ببوارج الإسبان

وتقاتل إنجلترا وفرنسا
وتناطح أمريكا وروسيا
وإبادة حُمر الوجوه..
قبل طرْد ذرية كنعان

وقضاء الغالب على آلهة المغلوب
ومحاكمة المنتصر لغريمه بعد الحروب
وتعذيب المستبد لمناوئيه فى السجون
وصراخاً ودعاءاً بلا مجيب..
يأتى من مظلوم

وهو قانون..

نراه فى السماء
وفى الجبال
وعلى الأرض
وفى الهواء
بل وداخل الأحشاء

تسألنى متى؟

فى الأولى عند ابتلاع الثقب الأسود للنجوم
والثانية حين يُذَل الجدى المهزوم
والثالثة وقت التحاطم بين فصائل النمل
والرابعة فتك الدبابير بأجساد النحل
والخامسة فور تسابق الحيوانات المنوية
ليحيا أقواها وتموت البقية

وهو قانون..

يرويه مشهد اعتاده العراء..
لأسد.. يفترس غزالة عرجاء
فلما اقتربْتُ من العظام والأشلاء..
خُيّلت إلىّ أحرفاً تُسطرها الدماء..
ألا فلا عزاء هنا للضعفاء

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 30, 2012 by حسام حربى in صراع

رسالة إلى مظلوم   1 comment

لن تنزعهم الريح
ولن يُغرقهم الطوفان
ولن تمور بهم الأرض
ولن تصعقهم الصيحة
ولن يطوف على جناتهم طائف
ولن يُرد إليهم ما فعلوه بك لاحقاً
ولن تؤنبهم ضمائرهم ولن يندموا
ولن يهتم أحد بشكواك ومظلمتك
ولن تُمَد بأُولِى أجنحة ، فعد العُدة
ولن تُرمَى لك حصواتك ، فأحسن التصويب
ولن يُقذف فى قلوبهم الرعب ، فعليك بقذفه بنفسك
كف عن الإلتفات لتلتمس العون. أنت تقاتل وحدك أيها الأحمق الواهم
فإما أن تَعدْ حاملاً درعك وإما أن تعد محمولاً عليه
هيا إنطلق

حسام حربى

Posted يونيو 23, 2012 by حسام حربى in صراع

حتمية الصراع   Leave a comment

كان الفلاح المصرى يَعى ما يقول حين أطلق حكمته الخالدة “أنا واخويا على ابن عمى وأنا وابن عمى على الغريب”، إذ راسخة هى رسوخ الجبال تلك القاعدة على أى مستوى من العلاقات.. ففى الأسرة الواحدة قد تتشاجر مع أبيك أو أخيك، لكنكم حين تشعرون بالتهديد الخارجى تتحالف الأسرة فى مواجهته، ثم ما يلبث أن يزول حتى تعود المشاحنات مرة أخرى. ولولا خلو الأرض من عائلات منافِسة لما قتل قابيل أخيه لأنهما كانا سيتحالفان ضد الغرباء. وعندما يلحق تهديد دولة من الدول ينسى أفرادها ما بينهم من خلافات ويتَّحدون لمواجهة العدو الأجنبى حتى يزول، وعندما يلحق الخطر بمجموعة دول إقليمية تتجمع الدول معاً فى مواجهته حتى تتغلب عليها مهما كان بينها من خلافات قبل ظهوره (إلا اذا كانت دولاً عربية). وكأن الخلافات والصراعات حتمية، فهى لا تتوقف داخلياً إلا عندما تبدأ خارجياً

ونجد اليوم جميع دول العالم تقريباً تضطهد فئة معينة تختلف عما هو سائد عند أغلبية السكان فى صفةٍ ما سواءاً ظهر هذا الإضطهاد بطريقة رسمية فى شكل قوانين أو غير رسمية فى شكل أعراف، وإن كان يأخذ أشكال أقل عنفاً وفجاجة عما كان عليه فى الماضى. وتختلف الفئة المستهدَفة بحسب الظروف السياسية والثقافية، كما يختلف الحافز وراء الإضطهاد.. فإن كانت الدولة متعددة العرقيات فقد يكون الهدف هو توحيد الجبهة الداخلية ضد عدو داخلى أو خارجى حتى وإن كان وهمياً كبديل عن الفُرقة إضافة للسيطرة عليه وعلى موارده. وتمثل حروباً كثيرة قديمة (كمعظم الحروب الدينية) أو حديثة (كحربَىّ الخليج وغزو العراق وأفغانستان وما عاصرهم من أحداث) نماذج تجمع بين الحالتين قامت بها حكومة العراق ضد الشيعة والأكراد وضد الكويت، وقامت بها حكومة الولايات المتحدة ضد العراق وأفغانستان وضد المسلمين

والدول متجانسة العرقيات أيضاً ليست بمنأى عن هذه القاعدة.. فهى إما تحاول السيطرة على عدو خارجى بغية السيطرة على موارده وبسط نفوذها وإما يزيد التطاحن الداخلى بين أفرادها وإن كان على أساس غير العرق كالدين أو المستوى الإجتماعى أو التنافس “العادى” بين الشركات والأفراد للظفْر بالتميّز الذى يستحيل على الجميع الحصول عليه. بل إنه كثيراً ما يقوم صراع أو اضطهاد لا لشىء سوى لرغبة طرف قوى فى الشعور بالتميّز والأفضلية على طرف ضعيف، وهو تصرف نلاحظه فى السلوك الجماعى للحيوانات والأطفال. وكقاعدة عامة فإن انتشار سلوك بين الحيوانات والأطفال يعنى تجذره بقوة فى الطبيعية البشرية حتى وإن أخذ أشكالاً مستترة نسبياً عند الكِبار. وقد أظهرت تجربة مثيرة بأن شىء تافه كلون الملابس يتسبب فى إنقسام الناس إلى فريقين، فقد قام العلماء بإعطاء مجموعة من الناس ملابس زرقاء وأخرى ملابس حمراء فوجدوا أن كل فريق ينطوى على نفسه بعيداً عن الآخر بشكل شبه فورى! ولك أن تتخيل ماذا كان سيصير بين المجموعتين لو أن هكذا تجربة استمرت لسنوات أو قرون.

هذا ناهيك عن شبه استحالة وصول شخص طيب القلب ذو ضمير حى لمنصب قيادى أصلاً.. فتقلّد المناصب العليا يتطلب رغبة شديدة فى النجاح والتفوّق حتى وإن جاءا على حساب الضمير والحقوق، فالذى يتمسك بالأخلاق والقيم والرحمة تتم غربلته لصالح مَن عنده استعداد لغض الطرف عنها عند الضرورة. وبالتالى فإنّ امتلاء المناصب الهامة فى كافة الأمم والمؤسسات بهذه النوعية من الناس “العمليين” يمثل عنصراً إضافياً لتحتيم سيطرة هذه الأمم والمؤسسات على الأضعف منها عند توافر الفرصة. ولذا فلا عجب مِن كَون أكثر الناس وأكثر الدول نجاحاً هم فى ذات الوقت أكثرهم ظلماً واستبداداً. وهكذا فنجد أن “القوة” و”القيادة” تكاد تساوى “القسوة” و”التجبر” على مستوى الأمم والأفراد على السواء

وقد يبدو للقارىء النابه ثمة إستثناءاً لما نقول يتمثل فى الدول المتحضرة المسالمة تماماً مثل كندا والسويد وسويسرا وغيرها. لكن هذه الدول ما أمكن لها الوصول إلى ما وصلت إليه دون قَبْعها تحت مظلة من يحميها وهى الولايات المتحدة متولية زمام أمور العالم الغربى منذ الحرب العالمية الثانية والتى تملك قواعد عسكرية أو جنود فى أكثر من 150 دولة من أصل 207. فلو قُدّر لهذا العملاق أن يختفى من على الخارطة غداً فما هى إلا سنوات قليلة إلا ويبدأ التحرش الروسى أو الصينى بتلك الدول مما سيجبرها إما على الخضوع لسيطرة هذه القُوى وإما التعسكر والدخول فى صراع معها، وفى الحالتين سنكون قد عدنا للوضع الطبيعى مرة أخرى. ويمكن تشبيه هذه الدول بالمواطنين العاديين الساكنين بدولة عسكرية.. حيث لا يلزم أن يكون جميع أفراد الشعب مقاتلين كى تنطبق صفة العسكرة على البلد بأكمله

وبالطبع لا يلزم للصراع أن يأخذ شكل حرباً مباشرة، فها فهى الولايات المتحدة قد حاربت الشيوعية فى أمريكا اللاتينية مثلاً بالمخططات والمؤامرات وتمويل الإنقلابات والإغتيالات كما فعلوا فى البرازيل وتشيلى وجواتيمالا وغيرها مما تسبب فى صراعات داخلية للدول المستهدَفة لعل ضحاياها كانوا أكثر مِن ضحايا الحروب التقليدية. أما آخر ملحوظة تفسر السلام النسبى الحالى فهى أننا نعيش فترة رخاء شديدة الإستثنائية فى التاريخ البشرى أدت إلى سلام إستثنائى، لكن سرعان ما ستختفى فور نضوب بعض الموارد الطبيعية وأهمها النفط ليعود التصارع على الفتات مرة أخرى

كانت هذه مقدمة نظرية لما سنتحدث عنه المرة القادمة وهو التبعات الأخلاقية العملية لهذا الواقع. فبناءاً على ما سبق قد لا تكون بعض الأشياء التى تظن أنها سيئة بالسوء الذى تبدو عليه..

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 16, 2012 by حسام حربى in صراع

نظرية «ملء الفراغ» تُحتم هيمنة القوِى على الضعيف   4 تعليقات

قبل البدء أريد منك القيام بتجربة صغيرة..

إملأ تُرمساً بالماء واغلق فتحته العليا، ثم حاول تقطيره من فتحته السفلى. ماذا يحدث؟ لا ينزل الماء. لماذا؟ لعدم تمكن الهواء من حلول محله فيبقى الوضع كما هو عليه، إذ يرفض الماء النزول تاركاً مكانه فراغاً. لكن فور فتحك للأنبوب العلوى سيتدفق بسلاسة حالاً محله الهواء بنفس القدْر بالضبط، وهذا القدر هو حجم التُرمس.

وهذه الظاهرة يا عزيزى القارىء لا تتحقق فى ترامس الماء فقط .. بل أيضاً فى المجتمعات والدول!

تقول نظرية ملء الفراغ أن أى مكان على الأرض لابد وأن يُملأ بسُلطة تتناسب مع موارده. فمثلاً إن تأملنا بقعة جغرافية قاحلة ومنعدمة الموارد كجنوب الصحراء الكبرى فسنجد آلاف الكيلومترات المربعة غير الخاضعة لسيطرة بشرية من أى نوع. أمّا إن تأملنا مدينة كبيرة مليئة بالنشاط الإقتصادى والتعاملات التجارية فسنجدها -وبلا استثناء- تخضع لسيطرة مُحكمة من نوعٍ ما حتى وإن كانت هذه السيطرة لـ”فتوة” أو “بلطجية”. بل إن أحد التفسيرات التاريخية لقيام نظام “الحكومة” أنه فتونة تطورت تدريجياً لتكون أكثر تنظيماً، فهى تُحصل الإتاوات (الضرائب) وتعاقب مَن يعصى أمرها ويخرج عن طوعها.. لكن هذا لا يُُعد شراً لأنه -وهنا مربط الفرس- إنْ انهارت الحكومة فى أى مكان فسينتج عن ذلك “فراغ سلطوى” يُنشىء مكانها فوراً إما حكومة أخرى وإما عصابات تقوم بنفس الأمر وإنْ كان بصورة أكثر فوضوية وعشوائية (ولعل هذا يفسر سبب ذوبان الفروق فى كثير من الأحيان بين الحكومة والعصابة كما كان الحال إبان النظام السابق). ولعله الآن لا تبدو أفعالاً بشعة وشريرة كالإحتلال وفرْض السيطرة بشعة أو شريرة بقدر ما ستبدو طبيعية وحتمية أليس كذلك؟ فإنْ لم تقم أنت بها فسيقوم بها غيرك.. إذ لابد للتُرمس من أن يملأه شىء.

ولبلورة الصورة للقارىء ليدرك مدى تغلغلها فى حياتنا الواقعية سنضرب مثلاً معاصراً بالإحتلال الأجنبى للخليج. فما حدث أنه فور إنسحاب الإمبراطورية البريطانية المتهالكة من كافة الدول العربية الخليجية (آخرها الإمارات والبحرين سنة 1971) حتى بدأ نفوذ الأمريكى يتسرب إلى المنطقة، ولم يكد يمضى عشرون عاماً فقط حتى كان الأمريكان قد وثبوا عليها وأحكموا سيطرتهم فور إنهيار الإتحاد السوفيتّى. والسؤال هو.. هل تعتقد أنه لو انسحب الأمريكان فجأة اليوم سينعم الخليج بالحرية والإستقلال؟ (وقبل أن يظن القارىء بى الظنون فأخبره بأنى كتبت من قبل منتقداً الوجود الأجنبى فى الخليج وتغرير السفيرة الأمريكية بصدام حسين ليغزو الكويت خصيصاً لهذا الغرض). والإجابة هى بالطبع لا.. فهناك إيران، جارتنا الطموحة االمتطلعة لدور أكبر فى إدارة المنطقة بما يتناسب مع قوتها الجديدة. وإن إستحت إيران عن فرض نفوذها فسيُسعد الصين القيام بهذه المهمة على أكمل وجه لتأمين إمداداتها المستقبلية من الطاقة والتى صارت تستهلكها بشراهة شديدة وهكذا. إذاً ففور وجود “فراغ سلطوى” لموارد يعجز أصحابها (وحلفاؤهم) عن حمايتها فاعلم أن الوضع لن يدوم طويلاً أياً كان من سيستغله.

وتاريخياً فهذا ما حدث بالضبط فى كافة الدول العربية فور انسحاب الإستعمار البريطانى والفرنسى، إذ قامت مقامهما أنظمة قمعية شديدة الإستبداد لأن إنسحاب الأجانب خُلق فراغاً سلطوياً لم يكن المواطنين من القوة والوعى بحيث يملأوه بأنفسهم فتحتَّم وجود مَن ينتهزه. وهذا ما حدث أيضاً فى العراق فور انهيار نظام صدام حسين وفى أفغانستان فور الإطاحة بطالبان (مع الفارق الشاسع بينهما)، فقد سيطرت على البلدين الآن إما عصابات القتل والمخدرات وإما حكومات قمعية فاسدة أسوأ من سابقتها لأن المواطنين العاديين فى الحالتين لم يكونوا مؤهلين لملء فراغ السلطة بأنفسهم. وفى الحقيقة فبحسب علمى المتواضع لم يحدث أبداً فى التاريخ أن إنهار أى نظام مستبد مستقر نتيجة ظرف طارىء كاحتلال أو إنسحاب أو إغتيال أو إنقلاب إلا وقام مقامه نظام مشابه ملأ الفراغ بشكل شبه فورى.

وهذه النظرية تساعدنا على تفهّم مواقف بعض القوى العظمى التى فرضت سيطرتها على الآخرين كما حدث فى عصر الفتوحات الإسلامية. فبعيداً عن الكلام المعطّر الذى نحاول تسويقه للغرب عن كون الإسلام دين السلام (فالإسلام دين عسكرى بامتياز حيث كنا نُخيّر الشعوب بين الإسلام أو الجزية أو الحرب ولم يتحول لدين سلام إلا منذ 200 سنة)، نجد أنه عند أخْذ ما سبق فى الإعتبار فالسؤال الوجيه الذى لابد للمعترضين كالمستشرقين الإجابة عليه هو “وما البديل؟”. فالبلاد التى فتحناها كانت إما محتلة بالفعل من القوى العظمى كالفرس والروم وإما تحتل هى أراضى غيرها. وحتى بافتراض عدم انتمائها لإحدى الطائفتين وقت الغزو -كالنوبيين وبعض قبائل البربر- فتكون فى طريقها لإحداهما لا محالة عاجلاً أم آجلاً. ولا يختلف الوضع كثيراً اليوم فى هيمنة الدول الأقوى على الأضعف أو الفئات القوية على الضعيفة داخل أى دولة أو مؤسسة وإن كان يأخذ -فى معظم الأحيان- أشكالاً أكثر دبلوماسية وأقل عنفاً عما كان عليه فى الماضى.

ومن هنا قد نلتمس العذر للقَوِىّ الذى يسيطر على الضعفاء.. فالطرَف القوى فى أى عصر أو ظرف مثله مثل مَن يقرأ عن وظيفة شاغرة لجلاد أمن دولة، فسواءاً كان هذا الشخص شريراً أم طيباً فسيتقدم لها وإن اختلفت نيتيهما. فبينما نجد الشرير يفعل ذلك عن متعة واقتناع عازماً على استغلال سلطاته بأبشع الطرق نجد الطيب يفعله من باب الإشفاق على المعتقَلين محاولاً ممارسة أقل كمية من الجرائم بحقهم فى حدود هامش الحرية المتاح له (مع تمتعه ببعض المزايا الشخصية بالطبع)، وهذا تصرف أفضل من تصرف السلبى الذى يُعرض عن الأمر برمته حتى وإن بدا تبريره أخلاقياً.

إذاً فسيطرة الفئة القوية على الضعيفة فى حد ذاتها ليست شراً لكونها حتمية ستحدث فى كل الأحوال، لكن الشر قد يكمن فى شروط هذه السيطرة.. فهل ستَجبى من المهزوم أو الضعيف إتاوات باهظة أم معتدلة؟ وهل ستجبره على اعتناق مذهبك الفكرى وتصادر حرياته؟ وهل سترتكب بحقه مجازر وفظائع؟ وهل ستسجنه وتعذبه وتهينه؟ وهل ستهجّره من أرضه لتستولى عليها؟ وهل ستنهب موارده الطبيعية دون إشراكه معك؟ وهل ستتجاهل مظلمته إن اشتكى؟ وفى كلمة واحدة: هل ستجعله يعانى؟ هذه هى الأسئلة الهامة سواءاً فى ظل فتوحات الأمس أم احتلال اليوم، وسواءاً فى ظل فتونة الأمس أم حكومات اليوم. أما رغبة الكثيرين -وأولهم كاتب المقال- فى حلول السلام العالمى الذى تحترم فيه جميع الشعوب بعضها بعضاً ويتعامل كل الأفراد داخل الأمة الواحدة على أساس الندية والمساواة رغم تفاوت قواهم فلا تغدو عن كونها أحلاماً طفولية غير قابلة للتحقق.

وإن رُمنا درساً عملياً من نظرية ملء الفراغ فهو: إن أردت ألا يملأ لك أحدٌ تُرمسك.. فعليك بعدم تركه فارغاً!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 13, 2012 by حسام حربى in صراع

الإسم هو صانع الصراع والولاء   1 comment

هل سمعت عمرك يا عزيزى القارىء من قبل عن اضطهاد لمحبى الموز؟ أو هل قرأت يوماً عن خناقة بين ذوى الأنوف الكبيرة وأعدائهم من ذوى الأنوف الصغيرة؟ حاول أن تقتش فى ذاكرتك عن آخر مرة وجدت أحد مفضلى الملابس الخفيفة يتشاجر مع آخر لا لشى الا لأنه يفضل الملابس الثقيلة حتى قاموا على بعض بالبونيات والمطاوى. العامل المشترك بين كل تلك الأمثلة التخيلية هو أن أبطالها لا ينتمون لطوائف لها أسامى محددة.. فلا يوجد طائفة اسمها “الموزيون” ولا طائفة اسمها “المناخريون”، ولا “االخفيفيون” المشهورون بعدائهم للـ”ثقيليون”، وصَدّق أو لا تصدق أن هذا هو العائق الوحيد أمام تحوُّل تلك الأمثلة لواقع ملموس!

إن كنت لا تستسيغ تلك الفرضية فسأثبت لك صحتها حالاً.. فعلى الأقل من يحبون الموز ومن يكرهونه عندهم سبب يختلفون عليه، لكن هل فكرت فى سبب اختلاف “الأهلاوية” و”الزملكاوية” مثلاً؟؟ فكلاهما يعشق كرة القدم ورغم ذلك يكرهون بعضهم عمى عندما يحمى الوطيس قبيل معركة عفواً أقصد قبيل مباراة بين الفريقين

فما يحدث هو أنك ما أن تبدأ بتسمية طائفة -أى طائفة- بإسمٍ ما حتى يبدأ أفرادها فى الشعور ياالتميّز والإنعزال عن الآخرين بحسب درجة إستعدادهم للإنتماء لتلك الطائفة، وعادة ما يترتب ذلك -جزئياً على الأقل- على قوة ولاءهم الحالى لطوائف أخرى وهل “يوجد مكان شاغر” لولاء جديد أم لا، ولهذا يَندر أن تجد متديِّن يتعصب للكرة مثلاً لأن الدين ملأ حيِّز الولاء عنده فلم يعد هناك مكان لفريقه المفضَّل والعكس صحيح

وبالتدريج قد تصل هذه العزلة إلى البغض بل والإقتتال إذا ما سمّى أعضاء طائفة أخرى مناوئة أنفسهم فيتحتم الصراع بين الإسمين. خذ مثلاً عندك “السنة” و”الشيعة”.. قد تعتقد أن سبب عداءهم التاريخى أحداث الفتنة الكبرى أو الإختلاف فى بعض أجزاء العقيدة مثلاً، لكن إن نظرت نظرة متفحصة فستجد أن حروباً أشد ضراوة من الفتنة الكبرى وقعت بين شعوب أوربية وعربية فى القرن العشرين وليس منذ 14 قرناً ومع ذلك قد زال تأثيرها الآن تماماً. وليس سبب النزاع هو الخلافات العقائدية كذلك لأن لكلٍ منا بعض المعتقدات المختلفة عن الآخرين حتى بين السنة وبعضهم البعض، بل إن أبناء الأسرة الواحدة يكوْن لكل منهم فلسفة خاصة فى فهم الدين وتفسير نصوصه ومع ذلك لم تنشأ حروب بسبب تلك الاختلافات بل نعتبرها شيئاً طبيعياً كبصمة الإنسان المميزة. كما أن الخلافات العقائدية بين السنة والشيعة من جهة واليهود والنصارى والبوذيون والهندوس والملاحدة من جهة أكبر بكثير من الخلافات بين السنة والشيعة، ومع ذلك تجد بعض المتطرفين من المذهبين يعادون أتباع المذهب الآخر كمعاداتهم لتلك الفرق بل وأحياناً أشد! هو الإسم إذاً، فطالما هناك إسم آخر “منافِس” ينشأ الشعور بالعداء تلقائياً

بل وحتى بين السنة وبعضهم البعض، فعندما بدأت طائفة منهم بتسمية أنفسهم “شافعية” مثلاً وأخرى سمت نفسها “مالكية” وأخرى صارت “أتباع الطريقة الفلانية” بدأ هنا الشعور بالتميز وتحولت الفروق التى لم تكن يُلقى لها بالاً إلى حاجز للتفرقة وذريعة للمفاضلة، فالإنسان يحب أن يشعر بالتفوق على غيره بأى شىء حتى إن كان وهمياً. وقس على ذلك كل تفرقة لا مبرر لها بين أبناء الوطن الواحد والفكر الواحد.. حد فهم حاجة؟؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 9, 2012 by حسام حربى in صراع