Archive for the ‘طبيعة المجتمعات’ Category

حافظ مش فاهم.. المبالغة فى المبادىء النبيلة تخلق أصناما فكرية   5 تعليقات

أحد أهم الفوارق المميِّزة للإنسان عن سائر المخلوقات هى قدرته على سَن قواعد معقدة تحكم سلوكه. والمقصود هنا بـ”معقدة” أنها ليست فطرية ولا بديهية، فلا يمكن تخيّل قيام الحيوان ولا حتى قيام طفل بها إلا إن رأى الكبار يفعلونها فيقلدهم. فمثلاً إن قررْت المواظبة على نظام تخسيس فستبدأ بالنفور بشدة من الحلوى لدرجة رفضك لملعقة سكر صغيرة توضَع فى كوب الشاى. أنت تعلم عقلياً أن تلك الملعقة لن تزيد من وزنك، لكنك برمجت نفسك على تجنب أى سكريات كى لا تضطر لأخْذ قرار جديد كلما سنحت لك فرصة تناولها مما يهدد بانهيار نظام التخسيس. كذا فى حالة قراءتك عن ضرر المضادات الحيوية مثلاً.. قد تبرمج نفسك على عدم أخذها مهما بلغ بك المرض والألم.

وتأخذ هذه البرمجة صوراً شتى فى مختلف المجالات على مستوى الأفراد والجماعات مما يساعد فى تبسيط الحياة، ففى الغرب مثلاً عندما تكون الإشارة حمراء لا يُسمح للسائق بالمرور حتى لو كان الشارع المقابل خالياً من السيارات والمارة. وهذا قانون جيّد لاستحالة وضْع شُرطى عند كل تقاطع ولذا وضعوا قاعدة موحدة -يعترفون بنقصها- لكنها فى المُجمل تنفع أكثر مما تضر. لكن المشاكل تبدأ يا عزيزى القارىء عند التمادى فى وضْع القواعد على مستوى العقل البشرى (وليس على مستوى التطبيقات العملية كإشارات المرور)، فتغدو بعض تلك القواعد مبادىء مقدسة لا يمكن المساس بها وتعلو فوق كل شىء مهما بلغت أهميته وقويت حجته. ولنضرب على ذلك مثالاً..

فى أواخر العام الماضى قامت اشتباكات بين معتصمى مجلس الوزراء وقوات من الجيش احترق أثناءها المجمع العلمى الذى بناه نابليون وهو ما أفقدنا كتباً أثرية نادرة لا تعوّض بثمن، وكانت الشبهات تدور حول بعض أطفال الشوارع والذين تم تصويرهم يقومون بإشعاله. تم توجيه إتهامات عديدة لأصابع خفية ما بين جهات داخلية وخارجية كان لها مصلحة فى توجيه الأحداث وتصعيد الموقف بما فى ذلك قتل المتظاهرين بهدف توريط الجيش. وفى حديثى اليوم سأعرض تماماً عن التحليل السياسى للواقعة من أجل تسليط الضوء على نموذج مرعب لحالة التقديس والمبالغة التى نتحدث عنها. فما حدث كان اعتقال بعض هؤلاء الأطفال واستجوابهم بخصوص الواقف وراء الجريمة والتمويل ثم تم عرض شهاداتهم فى التلفزيون. وسنتأمل فى السطور التالية رد فعل شبكتَى حقوق إنسان:

“أدانت الشبكة العربية عرض فيديوهات لبعض الأطفال القصر كشهود، بما يشكل انتهاكا لحقهم فى حرمة الحياة الخاصة والحماية التى يجب أن يتمتع بها الأطفال ضحايا الجريمة والشهود عليها أثناء التحقيقات. وذكرت الشبكة العربية أنه كان من الأولى بالسلطات احترام المبادئ التوجيهية للمجلس الاقتصادى وأدنى معايير حقوق الطفل العالمية فى حماية المعلومات المتعلقة بمشاركة الأطفال فى تحقيق العدالة، حيث كان يجب عليهم بذل جهد فى عدم الكشف عن هويتهم لما قد يشكله هذا من أضرار نفسية ومعنوية تهدد مستقبل القُصر وحالتهم النفسية على المدى القريب والبعيد.”

وفى بيان لمنظمة أخرى..

أدانت المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة اتهام الأطفال بأنهم مرتزقة مأجورين، وكذلك عرض شهاداتهم على وسائل الإعلام قبل البدء فى التحقيقات. وذكرت في بيان لها أن ما حدث من عرض أطفال يعترفون على أنفسهم يعد “استمرارا لتعريض أطفالنا فى الشارع للعديد من أشكال العنف الذى يتعرضون له من قبل المجتمع والدولة على السواء”. وأضافت أن تلك الممارسات “تزيد وتعمق من ظاهرة العنف المتبادل بين هذه الفئة من أطفالنا والمجتمع الذى مازال يلفظهم ويتجاهل قضاياهم التى هي مسئولية المجتمع ككل بمؤسساته المعنية سواء الحكومية أو المدنية”… وأكدت أن ما حدث مخالف لكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية وكذلك لقانون الطفل المصرى.

سأحاول تخطى شعورى بالذهول وعدم التصديق لأصل بالقارىء لغاية المرام. لدينا هنا فتنة تمزق وطناً بأكمله.. لا نتحدث عن الكتب والآثار التى احترقت فالإنسان أهم من الكتاب، لكن عندنا أيضاً شهداء ومصابون سقطوا بالرصاص الحى واتهامات متبادلة وتربص خارجى وداخلى ومأزق تاريخى تقع فيه البلاد. وفى خضم كل هذا عندنا مراهقون نظن أن بحوزتهم بعض المعلومات عن الواقف وراء تلك الفتن ونأمل أن تمنحنا شهادتهم بصيص ضوء نرى منه الحقيقة أو بعضها. ثم تأتى شبكات حقوق الإنسان فى وسط كل هذا لتعترض على ماذا؟ على قتل الناس؟ على رد فعل الحكومة العنيف؟ على ما تردد حول تعذيب المعتقلين؟ لا.. كل هذا لا يهم. إنها تعترض على إذاعة شهادات هؤلاء المراهقين فى التلفزيون! طيب وهل للشهادة أى مصداقية فى تلك الظروف دون عرضها على الملأ؟ فقد تعودنا للأسف على كذب الحكومة الدائم فلم يعد الناس يصدقون شيئاً يقوله وزير أو ضابط إلا إذا رأوه بأعينهم، فكانت الوسيلة الوحيدة لدرء الفتنة فى هذا الموقف هى عرض الشهادات علنا.

وكى لا يُساء فهمنا فنؤكد أن حقوق الإنسان شىء جميل، وحقوق الطفل شىء أجمل، لكن أصحاب تلك الشبكات بتفكيرهم هذا قد خلقوا إلهاً مقدساً أسموه حقوق الطفل. ومشكلة الآلهة والمقدسات أنه لا يمكن التناقش معها.. فلو أن الإله قال شيئاً ينتهى الأمر فوراً. لا حوار ولا جدال ولا مراجعة ولا مصلحة عليا فوق أمر الإله، فحُكمه نافذ وكلمته نهائية.

ليس هذا النموذج الوحيد للتقديس الفكرى بالطبع، فالعالم ملىء بأمثلة لا حصر لها لمبادىء مبالَغ فيها لا يقبل أصحابها المساس بها بأى شكل من الأشكال مهما بلغت التضحيات. نذكر من ضمن تلك المبادىء الشيوعية، والرأسمالية، والقومية، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، بل وأحياناً التعليم. عند سماعك لأحد الناس يتحدث باسم تلك المبادىء يا عزيزى القارىء فعليك بتجميد مشاعرك فوراً والبدء بتشغيل عقلك. فما أسهل حمل المرء على الإنقياد والتمادى وراء الشعارات الرنانة لينسى فى زخمها سبب تبنى تلك الشعارات بدايةً، وينسى أن يتساءل عما لو كان التمسك بها لهذا المدى يستحق التضحيات المقَدّمة.

ويُعد تقديس المبادىء أكبر خطأ فكرى وقع فيه الغرب.. فعندهم من الآلهة الفكرية ما يجعلك تحتار فى كيفية وصفهم ببلاد حرية الإعتقاد والتعبير. فالكثير من حكومات أوربا مثلاً تُجرِّم إنكار محرقة اليهود المزعومة “الهولوكوست” حتى فى إطار البحث التاريخى والنقد العلمى بالأدلة والبراهين، والويل لمن يخالف ذلك.. يدفع غرامة كبيرة وربما دخل السجن لمدة تصل لخمس سنوات فى بلد كفرنسا أو عشرة فى بلد كالنمسا. وهناك لا يمكنك حتى إنتقاد اليهود بقول أنهم يسيطرون على الإقتصاد أو السياسة وإلا تكون “عنصرياً”. طيب هل هذه المعلومات خاطئة فى حد ذاتها؟ لا.. فالإحصائيات تؤكد أن اليهود هم أساطين المال والسياسة هناك فعلاً (نصف مليارديرات أمريكا من اليهود رغم أن تعدادهم حوالى 2% من السكان). طيب لماذا لا يمكننى قول ذلك علانية فى مقال بجريدة مشهورة مثلاً؟ لأنك ستكون عنصرياً. لماذا سأكون عنصرياً مادمت أقول حقيقة؟ لأنك هكذا تضطهد اليهود. لماذا تقول أنى أضطهدهم مادمت أقول الحقيقة؟ لأنك هكذا تكون عنصرياً. إنها حالة محزنة من غسيل المخ والإفتقار الكامل للمنطق.

نفس الشىء ينطبق على الزنوج خاصة فى الولايات المتحدة.. فكرد فعل لاضطهادهم الطويل هناك صار التحدث عنهم بغير الثناء محظوراً -من الناحية العملية- حتى إن أيُّد الكلام بألف إحصائية ودراسة. بل إن أستاذاً يابانياً بجامعة لندن يُدعى ساتوشى كنازوا نشر مقالاً علمياً يناقش أسباب عدم إنجذاب الرجال للزنجيات معتمداً على نِسَب معدلات هرمونات الأنوثة والذكورة لديهن فتم وقفه عن الكتابة المستقلة علاوة على التشهير به باعتباره عنصريا! هذه الأمثلة تجسيد واضح لعبادة صنم إسمه “مكافحة العنصرية” لا يجوز التطاول عليه أو التشكيك فى ألوهيته حتى بالمناقشة الموضوعية الهادئة. وأنظر أخيراً لأى مدى ذهب الأمريكان والسوفيت إبان حربهم الباردة التى راح ضحيتها الملايين دفاعاً عن مبدأين متناقضين يعلم أى أمّى أن خيرهما الوسط.. هذا مثال آخر واقعى ومؤلم للإندفاع فى إعلاء مبادىء معينة وصَم الآذان عن سماع وجهة النظر الاخرى مهما كانت عقلانية وموضوعية.

وشخصياً ابتَكرْت طريقة لطيفة لضمان عدم إنجرافى وراء أحد مبادئى عند الحكم فى مسألة معينة، وهى تخيّل أنى إنسان بدائى لم ير المدنية قَط تُعرَض عليه المسألة وأنظر ماذا كان سيقول بخصوصها، فقراره سيكون الأقرب للفطرة والمصلحة دون التقيّد بمبادىء رُوّجت لأسباب سياسية أو تاريخية يبالَغ فى صونها لدرجة التقديس. والكلمة السحرية لتحقيق ذلك هو أن نسأل أنفسنا دائماً “لماذا؟” قبل إصدار حكماً على شىء.

فمثلاً أنا ضد التعذيب لإنتزاع الإعترافات بكل تأكيد.. لكن ماذا لو تأكدنا يقيناً من اختلاس لص للملايين والمليارات ثم رفض الإفصاح عن مكان إخفائها أو عن شفرتها السرية بالبنوك السويسرية؟ لا.. فى هذه الحالة أنا مع تعذيبه حتى يعيد الحق لأصحابه المعذبين بفقدان أموالهم. أيضاً أنا مع حب الدولة التى يعيش فيها المرء والدفاع عنها.. لكن ماذا لو وجدنا تحالفات إقليمية كبرى تلتهم الدول الصغيرة التى لم تنصهر فى تكتل سياسى وعسكرى مع جيرانها؟ لا.. وقتها سأنادى بالإندماج مع الجيران حباً لبلدى وضرورةً لاستقلالها بقدر المستطاع. أنا أيضاً مع انتشار العلم والوعى وإتاحته للجميع مجاناً بل إنى لا أكتب إلا لهذا الغرض.. لكن ماذا لو ثبت لنا على مر السنين والعقود أن النظام التعليمى القائم عقيم ولا يحقق النتائج المرجوة منه ويهدر أموال الضرائب وأعمار الطلبة؟ لا.. هنا لن أتمسك به مطلقاً لأن استبداله أو حتى إلغاؤه سيكون ضرورياً للحفاظ على العلم والوعى لا العكس. أنا مع المرأة فى أخذ كافة حقوقها.. لكن ماذا لو وصل الأمر إلى حشو كافة المناصب الهامة فى الدولة بالنساء المفتقدات للكفاءة علاوة على مصادرة حقوق الأزواج والآباء تجنباً لتهمة تهميش المرأة؟ إلى آخر تلك الأمثلة التى نقرأ عنها ونشعر بها كل يوم.

والمشترك بينها جميعاً هو تعامل الكثيرون مع تلك المبادىء -النبيلة- وكأن بينهم وبينها علاقة حب شاعرى غير مشروطة وغير قابلة للمراجعة، فإنْ حاولْت مناقشة تطبيقات تلك الأفكار فى مجتمعنا ستجد دائماً من يصرخ فى وجهك قائلاً “وماذا عن حقوق الإنسان؟! وماذا عن ولاءنا للبلد؟! وماذا عن أهمية التعليم؟! وماذا عن حقوق المرأة؟!” دون أن يدرى أصلاً سبب تمسكه بتلك الشعارات التى لُقنها من وسائل الإعلام مراراً حتى صار يكررها بلا تفكير ولا تقييم على طريقة “حافظ مش فاهم”.

ما نقترحه من هذا المقال ببساطة هو قاعدة واحدة للتمسك بأى مبدأ.. وهى تحقيقه للمصلحة. فإن تبيّن لنا عدم تحقيقه إياها فى حالة إستثنائية -أو غير استثنائية- فعلينا التخلى عنه بصورة مؤقتة أو دائمة واختيار الأصلح للوضع القائم. فهذا ما كان يفعله الإنسان الحر قبل امتلاء رأسه بقيود صارمة وتَلوثها بمقدسات باطلة تشل تفكيره وتصادر مرونته.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted ديسمبر 1, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

انطباق قاعدة البقاء للأقوى.. على المبادىء!   Leave a comment

تتصارع المبادىء كما تتصارع المخلوقات تماما

ناقشنا فى المقال السابق تصنيف المبادىء بين الفردية والجماعية، وقلنا أن المجتمع يميل بسبب ظروف معينة للإنحياز لأحد النموذجين على حساب الآخر. لكننا نناقش اليوم أسباباً أكثر موضوعية لتفضيل الأمم لبعض المبادىء على بعضها الآخر، وهما سببان رئيسيان: أولهما هو كفاءة هذا المبدأ، وثانيهما هو انتصار حامله على الآخرين. وسنضرب أمثلة لهذا وذاك، لكن دعونا نبدأ بالحديث حول مسألة لا يبدو أن لها علاقة بموضوعنا وهى نظرية التطور لدارون..

تقول نظرية التطور أن هناك تغييرات عشوائية تتعرض لها المخلوقات الحية مما يمنحها ميزة أو عيب. فمثلاً إن وُلد أرنب أسرع من الأرانب الأخرى فسيتمكن من الهرب من الثعالب مما يمنحه فرصة أكبر للتكاثر وإنجاب أرانب سريعة مثله، وبالتالى فبعد مائة عام مثلاً ستكون كل الأرانب فى الغابة من سلالة هذا الأرنب وسريعة مثله لأن الآخرين سيكون قد تم افتراسهم، والعكس صحيح بالنسبة لأرنب يولد بطيئاً، فسيؤكل فوراً وبالتالى لن يكون له نسل. وهكذا فدائماً الصفة الناجحة الجديدة تسود بينما تندثر الصفة الفاشلة. ورغم وجود مآخذ كثيرة على هذه النظرية من الناحية العلمية والعملية إلا أننا نرى آلياتها فيما يتعلق بالمجتمعات الإنسانية والمبادىء التى تتبناها. كيف ذلك؟

تخيل يا عزيزى القارىء مجتمعان قديمان يتناطحان على الصراع والنفوذ، تارة تكون الغلبة لهذا وتارة تكون لذاك. ثم أدت ظروف عشوائية -أو مخططة- لتبنى أحدهما لفكرة “الدين” مثلاً، أى أن أفراده صاروا يؤمنون بمجموعة من الغيبيات ويلتزمون بمجموعة من الطقوس بينما لا يلتزم المجتمع الآخر بها.. ماذا تكون النتيجة؟

هنا يحدد مجموع الإيجابيات والسلبيات لعنصر “الدين” الجديد مدى استفادة أو تضرر المجتمع الذى تبناه منه.. فلو شملت الطقوس الدينية الصلاة والصيام مثلاً فضلاً عن قعود القائمون على هذه الطقوس عن العمل المنتج فهذه بالتأكيد عناصر ضعف ستعيق تفوق المجتمع المتدين على منافسِه. لكن ماذا لو أضاف الدين أيضاً معتقَداً لتابعيه بأنهم سيعذَّبون فى نار بعد موتهم لو سرقوا الآخرين أو خانوا الأمانة وسيتجنبونها لو تصدقوا على الفقراء؟ هذا عنصر قوة يؤدى لتقليل الجريمة وزيادة كفاءة العمل وإثراء أواصر الترابط فى المجتمع. وماذا أيضاً لو قال لهم هذا الدين أنهم سيذهبون لِجَنّة لو قُتلوا أثناء محاربة أعداءهم ببسالة شريطة ألا يشتبكوا مع عدد يزيد على ضعف عددهم؟ هذا بالتأكيد عنصر قوة آخر رهيب لصالح هذا المجتمع ضد أعداءه (فى العصور التى كانت تدور فيها الحروب رجلاً لرجل). إذاً فالدين الجديد أضاف للمجتمع الذى تبناه عناصر قوة وعناصر ضعف.. أيهما كان أكثر تأثيراً؟ لنقل أنها عناصر القوة..

وهكذا يؤدى هذا الدين فعلاً لانتصار المجتمع المتدين على المجتمع الغير المتدين، ماذا تكون النتيحة على المدى البعيد؟ النتيجة الحتمية بعد مرور وقت كاف هو سواد التدين فى كافة أنحاء المعمورة.. وذلك لأن باقى المجتمعات الإنسانية إما أن تخضع للمجتمع المتدين حين يهزمها فى الحروب واحداً تلو الآخر فتحذو حذوه عن قهر، وإما أن تنبهر بنجاحه فتستخدم نفس السلاح “دين تكافلى داخلياً وعسكرى خارجياً” فى مواجهته فتكون أدياناً ضد أديان. وكما فى مثال الأرنب السريع الذى يتفوق على الأرانب الأخرى فى الغابة حتى يسود نسله، فتلك “الطفرة” الدينية تتفوق على اللادينية حتى تسود مبادئها. أما فى حالة وجود دين يمنع أتباعه من القتال ويشجعهم على حب الأعداء مثلاً فمصير هذا الدين إما إلى الإنقراض بموت المؤمنين به (أو غزوهم واستعبادهم) وإما بتأقلمه وتحريفه على يد قياداته ومفكريه ليناسب الواقع الجديد بمنح البركات والغفران والجنات للمحاربين بعدما كان يلعنهم

وهناك أمثلة عملية كثيرة مشابهة.. فتبنى بعض المجتمعات لفكرة الدولة بدلاً من فكرة القبيلة مثلاً أدى لانتصارها فى الحروب، وبهذا صار معظم البشر اليوم ينتمون لدول وليس لقبائل. ليس لأن ثمة عيباً فى نظام القبيلة فى حد ذاته، لكن لأن الدولة تهزم القبيلة عند الصراع بينهما، ولذا فالقبائل إما أن تنطوى تحت لواء دولة منتصرة تلتهمها وإما أن تتحد طواعية فيما بينها لتكوّن دولة أخرى تتصدى لطغيان الدول المجاورة. وبالتالى فكما ينقرض الأرنب البطىء لعجزه عن التنافس مع السريع، ينقرض نظام القبيلة لعجزه عن التنافس مع نظام الدولة. ولنفس السبب فالمرحلة التى تلى نظام الدولة والتى نعيشها اليوم هى مرحلة التكتلات الإقليمية كالولايات المتحدة أو الإتحاد الأوربى أو شرق آسيا. فالدول اليوم أمام أحد خيارين: إما الإنطواء تحت لواء تكتل إقليمى مجاور طواعية، وإما التعرض للغزو من قِبَل التكتلات القائمة (الغزو قد يكون عسكرى أو سياسى أو اقتصادى أو فكرى)، ولذا فإن تأملت الخارطة اليوم فلن تجد أى دولة صغيرة مستقلة فعلياً اللهم إلا إن كانت هامشية بلا موارد يُطمَع فيها، بل ستجد تكتلات عملاقة قائمة على تعاون طوعى أو قهرى

مثال آخر هو تبنى كل المجتمعات البشرية تقريباً لنوع من الإنغلاق الجنسى منذ فجر التاريخ، فالمجتمعات التى لم تلتزم بذلك قد أبيدت على الأرجح بسبب الأمراض الجنسية التى ما أن يلتقطها أحد أفرادها بأى طريقة من الطرق حتى تقضى على سائر القبيلة أو الحضارة، بينما نجت من خطرها المجتمعات المحافِظة التى انتشر فكرها بسبب ذلك جميع أنحاء المعمورة حتى اختراع الأدوات الواقية من تلك الأمراض فى القرن العشرين. ويتبع فكرة الإنغلاق الجنسى وضع قيوداً صارمة على الطلاق والزواج الثانى لأنه يؤدى لنفس تأثير الزنا من الناحية المَرَضية

وقس على هذه الأمثلة أى مبدأ يساعد متبنيه على الإنتصار العسكرى والثقافى.. فنجد مثلاً أن مبدأ تكثيف البحث العلمى -خاصة العسكرى- وتوليته اهتماماً وتمويلاً كبيراً مع فجْر الثورة الصناعية فى بداية القرن الثامن عشر، ومبدأ الديمقراطية المتمثل فى اختيار الشعب للحاكم ومحاسبته فى منتصف القرن التاسع عشر، ومن قبلهما التوسع فى المؤسسات التى لا تموت بموت أصحابها (كالجامعات والشركات الشبيهة بالأوقاف عندنا) والممتدة جذورها منذ القرن الثالث عشر كانت ثلاثتها أسباباً لتفوق الغرب على المسلمين مما أدى فى نهاية المطاف لانهيار الخلافة الإسلامية وبزوغ شمس الإستعمار الأوربى ووريثه الأمريكى. وبهذا وجدت الدول المسلمة نفسها على مدار القرنين الماضيين وحتى اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: إما تبنّى نفس المبادىء، وإما الخضوع لسيطرة الدول التى تتبناها

إذاً فأول سبب لهمينة أحد المبادىء فى العالم هو تسببه فى انتصار صاحبه على الآخرين. والآن نناقش السبب الثانى.. وهو انتصار صاحبه دون أن يكون ذلك المبدأ مفيداً فى حد ذاته. ولهذا سنضرب مثالاً..

تخيل يا عزيزى القارىء مجتمَعاً يتخلص من الأطفال المعاقين ذهنياً مثل اسبرطة القديمة أو ألمانيا النازية. لا يجادل أحد بأن هذه الفكرة أكفأ اقتصادياً حيث توفر على المجتمع موارد إطعام ورعاية مخلوقات أقل إنتاجاً من أقرانها، فما الذى منع تبنيها على مستوى العالم؟ التاريخ يجيبنا!

نجد أن إسبرطة قضى عليها القوط والسلافيين، وألمانيا النازية قضى عليها الحلفاء. بينما لو كان العكس هو الذى حدث لكنا رأينا هذا النظام ينتشر فى كافة أنحاء المعمورة اليوم باعتباره طبيعياً بل وإنسانياً (من حيث تجنيب المعاق آلام الحياة وتجنيب أهله المعاناة الدائمة إلخ)، ولتعرضت الدول التى تمتنع عن تطبيقه لضغوط خارجية وداخلية حتى تلتزم به. وهكذا نجد أن هذا المبدأ تم إقراره عالمياً بناءاً على الظروف العسكرية المحظوظة لمن تبنوه، فبالرغم من كونه أكفأ إلا أن انهزام حاضنيه أدى لانهزامه معهم. أما تبريرات عدم تبنيه لاحقاً فلا تهم.. فلن تجد ألمانياً يبرر عدم تبنى بلده اليوم لتلك الفكرة بانهزام النازية، بل سيقول لك أنهم اكتشفوا فجأة سنة 1945 أنه نظام غير رحيم أو سيقول أنه من الممكن تدريبهم ذهنياً حتى يكونوا كالأسوياء أو أى حجة أخرى. لكننا نعرف أن الرحمة وإمكانية التدريب (الذى يتكلف أكثر مما ينتجه المعاق بكثير!) لا علاقة لهما بالموضوع، بل إن انتصار أو انهزام حاضن هذا المبدأ فى الحرب هو الذى يحدد كونه “صواباً” أو “خطأً” ثم تأتى التبريرات لاحقاً لتسبغ تفسيراً فكرياً مفتعلاً على الأمر الواقع

نأتى الآن لآخر وأهم سؤال.. وهو ماذا نستفيد مِن تلك المشاهدات عملياً؟

وفى الحقيقة أننا نجد الكثيرين اليوم سواءاً من الشباب أو من قادة المجتمع ومفكريه يخلطون بين العنصرَين المؤديين لتفوّق المبادىء. فلو كان الغربيون انتصروا علينا بسبب تبنيهم للبحث العلمى والتصنيع الكثيف والمؤسساتية والديمقراطية فهذا لا يعنى تلقائياً أن انتصارهم يرجع أيضاً لتبنيهم لأى مبداً آخر كطريقتهم فى إدارة الاقتصاد أو التشريع العقابى أو هيكل الأسرة أو أسلوب التعليم، بل صادف فقط أنهم حدث أن تبنوا هذه النظم أثناء تبنيهم لعناصر تفوقهم. بل وبالعكس.. فربما تكون بعض تلك المبادىء تجرّهم للوراء، لكن بسبب قوة المبادىء الأخرى التى تدفعهم للأمام بقوة فالمحصلة النهائية تكون انتصارهم على الأمم التى لم تتبنى هذا ولا ذاك. وكدليل تاريخى على ذلك فنجد أن الغرب تبَنّى معظم المبادىء المشار إليها فى حقبة لاحقة لنجاح الإستعمار، أى أنها لم تساهم فى نجاحه وتفوقه بل جاءت تتويجاً لهذا النجاح لاحقاً، تماماً كالفتاة الحسناء التى تبدو جميلة فى أى ثوب مهما قَبُح. وتقليدنا لهم فى تلك المجالات بهدف اللحاق بهم أشبه بمن يدخن المارلبورو ويأكل الماكدولدز ليتمكن من تصنيع سيارة فورد

وبالطبع نُحذر كارهى الغرب من اتباع السياسة العكسية.. حيث يدفعهم خوفهم من الإنجراف فى تياره إلى رفض كل ما أتى به مما يوقعهم فى نفس مشكلة الفريق الأول بوضع كل مبادئه فى سلة واحدة

ما نتعلمه من كل هذا إذاً هو قيمة الإنتقاء.. فليس معنى تبنى أمة منتصرة لحزمة مبادىء معينة أن ننبهر بها وننقلها بحذافيرها أولاً عن آخر، بل علينا إختيار ما ساهم مِن تلك المبادىء فى ارتقائها فقط -وبالطريقة التى تناسب ظروفنا المميزة- وترك الباقى. وكلما ازدادت مرونتنا فيما نأخذ ونترك كلما تمكنا من تحقيق أفضل النتائج بأقل الخسائر

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted نوفمبر 25, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

الفرد أم الجماعة؟   2 تعليقان

هل للحكومة إخضاع الأطفال لمنهج تعليمى معين لا يوافق عليه الأهل؟
وهل من حق الشرطة التصنت على المواطنين منعاً للجرائم؟
وهل من حق الدولة مصادرة أرض إنسان للمصلحة العامة؟
وهل يجب على الثرى المجتهد مشاركة أمواله مع الفقراء؟
وهل من حق الفرد انتقاد الدين السائد أو الرموز المقدسة؟
وهل لنا أن نعذب حيواناً من أجل تطوير عقاقير تنفعنا؟
وهل من حق الدولة إجبار الأفراد على التجنيد؟
وهل يجب عقاب قاتل طفل بقتله ، أم بقتل ابنه؟
وهل الزنى والدعارة والشذوذ من حق الناس؟
وهل من حق المجتمع تحديد عدد الزوجات؟
وهل من حق الحكومة تقييد سن الزواج؟
وهل من حق الرجل ضرب زوجته؟
وهل من حق الأم ضرب طفلها؟
وهل من حقى تناول المخدرات؟

هذه الأسئلة يا عزيزى القارىء -و غيرها الكثير- اختلفت ومازالت تختلف عليها المجتمعات الإنسانية الحائرة فى تعريف الصواب والخطأ على مر الأزمان والأماكن. لكن لعلك لاحظت أنها على كثرتها يمكن تقسيمها تحت تصنيفين فقط.. وهما الفردية والجماعية. فلو فرضنا وجود مجتمع فردى صِرف -وهو مثال غير موجود فى الحقيقة- فسيسمح هذا المجتمع لأفراده بتناول المخدرات مثلاً باعتبارها حرية شخصية، ولن يسمح بمصادرة أرض من مالكها مهما كانت ضرورية لإقامة مشروع هام لكافة المجتمع كسد هام أو محطة نووية، ولن يسمح للأغلبية بفرض قيود جنسية على الأقلية أياً كان شكلها، وسيضع قيوداً جمة على طريقة تعامل الأهل مع أطفالهم تقديراً لفردية هؤلاء الأطفال فلن يعتبرهم جزءاً من كل، كما سيسمح للأهل بتعليم أطفالهم أى مبادىء وأى مناهج تعليمية وأى أديان تروق لهم -أو عدم تعليمهم بالمرة- باعتبارهم أحرار وأنه ليس للمجتمع إجبارهم على تبنى خط معين. أما مسائل مثل التجنيد الإجبارى وتجريم الدعارة فخارج المناقشة تماماً.. فهذا تعدى سافر على حقوق الفرد لصالح الجماعة.

وعلى الجانب الآخر فلو فرضنا وجود مجتمع جماعى صِرف -وهو أيضاً مثال غير موجود فى الحقيقة- فسنلحظ أن جميع القرارات والقوانين والسياسات ستتجه فيه لصالح الأغلبية -أو ما تقرر الفئة الحاكمة أنه صالح الأغلبية- ولو كان على حساب الأقلية. فلن يسمح هكذا مجتمع بالشذوذ الجنسى مثلاً لأن أغلب أفراده يشمئزون من هذا السلوك، ولن يسمح بالتعرض للمعتقدات الدينية السائدة لأن أغلب أفراده يقدسونها ويبجلونها، وسيعاقب قاتل الطفل بقتل طفله وليس بقتله هو باعتبار ابن القاتل ليس شخصاً مستقلاً بل هو امتداد لأسرته (نلاحظ هذا فى الصعيد مثلاً)، أما عن تقييد عدد الزوجات وسِن الزواج فلن يرى هذا المجتمع مشكلة فيه باعتبار الدولة تعرف ما يصلح للأفراد أكثر منهم فلها أن تحدد الإطار الإجتماعى المناسب لهم. وبالنسبة لحق الرجل فى ضرب زوجته فستحدد الفئة الحاكمة أنه إما جائز وإما غير جائز ثم تُلزم جميع الأسر بقرارها فلن تترك لكل زوجين مرونة الإتفاق على شروطه فى عقد زواجهما مثلاً، وسيتبع ذلك كافة شروط الزواج والطلاق التى ستتقرَّر مركزياً دون إعتبار لاختلاف الحالات الفردية. ولا مجال للحديث فى المجتمع الجماعى عن شىء مثل حقوق الحيوان، فهى تمثل تمادياً للنظام الفردى الذى يصل لإحترام ليس فقط حق الإنسان بل وحق المخلوقات الأخرى فى الحياة الكريمة حتى وإن تعارض ذلك مع صالح الجماعة.

أما عن أسباب إنحياز أى مجتمع لأحد المنهجين على حساب الآخر فهى متنوعة. أولها ولعله أهمها هو كَمّ الفارق بين مستوى إدراك النخبة والعوام. فإن قرأْت على سبيل المثال لكبار الفلاسفة الذين عاشوا منذ آلاف السنين كأفلاطون وسقراط ستلحظ سريعاً أن أقصى حد ممكن لذكاء الإنسان لم يتغيّر منذ وقتها وحتى اليوم، لكن ما تغيّر هو اقتراب نسبة أكبر من أفراد المجتمع من هذا الحد بسبب ما أتيح لهم من وسائل العلم والمعرفة -أدوات بناء الفكر- بعدما كانت حكراً على النخبة فقط كأفلاطون وسقراط فى زمنهما. وبالتالى فكلما زاد ذكاء وإدراك الفرد العادى فى أى مجتمع كلما صَعُب على فئة النخبة صياغة قوانين وأفكار تُلزمه وتحكمه لتلاشى الفارق بينه وبين النخبة باستمرار مما يدفع العامة لرفض الوصاية عليهم، ويتبلور هذا فى الديمقراطية واللبرالية على سبيل المثال. ويُضرب المثل المناقض لهذا بأوربا الإقطاعية فى العصور الوسطى.. حيث أدى تفشى الجهل المدقع لخلق طبقة ضيقة من المثقفين تكونّت من النبلاء ورجال الكنيسة، سمح لهم علمهم وذكاءهم بالتحكم المطلق فى القطاع الأوسع من الشعب الأمّىّ. إذاً فزيادة الوعى تقود لمجتمع أكثر فردية صعب القيادة كثير التمرد قليل الولاء والعكس صحيح.

كذلك نجد أن المجتمعات الفقيرة والتى واجهت تحديات تاريخية كثيرة كالحروب والكوارث أقل تقبلاً للأفكار الغريبة عنها نظراً لضيق صدر أهلها بمشاغل الحياة بعكس المجتمعات الثرية المترفة التى لا تمانع التجديد والتطوير والتغيير، ولذا فإن تأملنا الخارطة سنلحظ إلى حد كبير أنه كلما زاد ثراء دولة من الدول أو حتى مجتمع صغير داخل دولة أن حق الفرد وخصوصيته وحريته يعلو على حق المجتمع ومصلحته فيه. وأحد تفسيرات ذلك أن البشر يميلون فى أوقات الأزمات الطاحنة والحروب الحاسمة والتنمية الشاملة للخيارات الجماعية، ولذا فكان طبيعياً أن نجد أقسى المستبدين وأقلهم اعتباراً لحقوق الإنسان هم فى ذات الوقت أبرع التنمويين والنهضويين. فقادة مثل محمد على وستالين وهتلر وماو تسي تنج وعبد الناصر وصدام حسين تقشعر الآذان لسماع أسماءهم لاستبدادهم وما ارتكبوه بحق شعوبهم من جرائم، لكن ألسنة هذه الآذان المقشعرة لا تملك -فى ذات الوقت- إلا الإعتراف بكون هؤلاء العتاة أكثر القادة إلهاماً وحماساً وبصيرة وتنظيماً لأممهم فى أوقات الشدة، وأنهم إبان فترات صعودهم نجحوا فى الفوز بصبر الجميع على ما يلاقوه من أذاهم مقابل النجاحات والإنجازات المبهرة التى رأوها تتحقق للجماعة حتى وإن كانت على حساب الفرد المطحون. إذاً فالقيادة الجماعية تؤدى لتقدم المجتمع من الناحية المادية مع كبت أفراده نفسياً. ويمكن تشبيه هذا النوع من القيادة بقيادة العقل للجسد تماماً.. ففى لحظات الإسترخاء لا ينتبه المرء لوضع يده أو قدمه أو اتجاه عينه، بينما فى حالة وجود تهديد أو تحفيز عال كمواجهة مع لص أو أداء تمرين رياضى شاق أو الإستعداد لإمتحان هام تكون كل خطوة محسوبة وكل حركة تحت السيطرة والرقابة. ولعل هذا يفسر سبب افتعال الحكومات فى كثير من الأحيان لأزمة أو حرب أو تهديد (قد يكون تهديداً وهمياً ومبهماً كـ”الإرهاب” مثلاً) لتمنح نفسها صلاحيات أوسع دون التعرض لانتقاد الجماهير.

عامل ثالث يفسر إنحياز بعض المجتمعات للصيغة الفردية على حساب الجماعية هو التنوع الكبير بين سكانها.. فبلد متعدد الأعراق والاجناس والأديان كالولايات المتحدة أو لبنان مثلاً يصعب تبنيه لنظام أقرب للجماعية التى تفرض سيطرتها على الباقين وإلا نشبت منازعات داخلية لا تنتهى، بينما يصعب تبنى بلداً يكاد يكون سكانه متطابقون طائفياً كالكويت لنظام أقرب للفردية لأن أهله شديدو التقارب فى الأفكار والمعتقدات فيرفضون ما يشذ عنهم بقوة. وهناك عوامل أخرى متنوعة كالطبيعة الجغرافية تحدثنا عنها فى مقال سابق.

ويمثل الدين نموذجاً بين المجتمع الفردى والجماعى  يُعتبر فى رأى الكثيرين الحَكم الفصل بينهما بموجب ضمانه حقوقاً معينة للأفراد مقابل ضمان سلطة معينة للمجتمع أو للقائد على هؤلاء الأفراد، لكننا نجد أن النصوص الدينية أياً كانت لا تفْرق كثيراً عند التطبيق العملى لتفسير القيادة والنخبة لها بحسب ما تراه صواباً وخطأً. وعلى سبيل المثال فقد استندت الحكومة المصرية إبان حقبة ناصر على كون الإسلام “دين الرحمة التكافل” لتبرير الأجندة الإشتراكية الجماعية، بينما إستندت إبان حقبة السادات على كونه “دين الحرية والإجتهاد فى العمل” لتبرير الأجندة الرأسمالية الفردية. وتكررت أزمة شبيهة بين الفقهاء والدعاة فى بداية الثورة المصرية قبل ظهور نجاحها، إذ رأى فريق منهم وجوب “الإنتفاض ضد الظلم” بينما رأى آخر تحريم “إثارة الفتنة” بحسب تفسير كل مجتهد للنصوص الدينية وميله الشخصى للتجديد أو للإستقرار.

وبطبيعة الحال فإن لكلٍ نظام -الفردى والجماعى- مميزات وعيوب وأوقات ومجالات مناسبة وغير مناسبة. ونحن إذ نشرح الفوارق بين النظامين لا نحاول الإنحياز لأحدهما على حساب الآخر، بل نلفت نظر القارىء لبعض النقاط الهامة فى أسباب تكوينهما وتبنيهما وأمثلة تطبيقهما لتعينه هو على الإنحياز لأحدهما فى هذه المرحلة الفاصلة التى نؤسس فيها مجتمعنا الجديد.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted نوفمبر 18, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

أنانية الأخلاق   1 comment

نناقش اليوم سبب وجود الأخلاق عند الافراد والمجتمعات بتحليل فوائدها وأضرارها. وتعال أولاً نتفق يا عزيزى القارىء أن التمسك بالأخلاق لا فائدة منه ما لم يتمسك بها الآخرون.. فلو فرضنا جدلاً أنك فى مجتمع كله لصوص فلن يكون هناك معنى لأن تكون أميناً لأن هذا سيؤدى بك إلى إنعدام الموارد ثم الهلاك. إذاّ أول مشكلة تواجه الأخلاق هى أن تطبيقها جزئياً لا طائل من ورائه ومن ثَم فلابد من طريقة لإحكام تطبيقها على الجميع معاً مثل العرف أو القانون أو الدين

وينبنى على تلك المشكلة ملاحظة مثيرة، وهى أن الأخلاق التى يستحيل فرضها بشمولية على نطاقٍ ما لا توجد به أبداً. فمثلاً لا يمكن تطبيق قانون عالمى تسير عليه جميع الدول لغياب جهة تملك الرغبة والقدرة على ضمان تنفيذ هذا القانون على الجميع، ومن ثَم فنجد أن أبشع الجرائم تُرتكب فى حالات الحروب بين الأمم. وتفسير ذلك أنه فى حالة إقرار خُلُق بين أفراد مجتمعٍٍ ما تتحقق الإستفادة منه للجميع لأنه قائم على حمايتك من الآخرين مقابل حماية الآخرين منك وبالتالى توفرون جميعاً متاعب تأمين أنفسكم ضد بعضكم البعض، لكن هذا الوضع غير موجود فى حالة الحرب لأن المنتصر لا يخشى الأمة المهزومة.. فقد حاولت إيذاءه بكل الطرق الممكنة بالفعل وفشلت فى صد هجومه ومن ثَم فمن العبث إعطاء أفرادها أية حقوق (اللهم إلا بالقدر الذى يتجنب استفزازهم بلا داع مما قد يعود على المنتصر بالضرر). ولذا فعلى مر التاريخ دائماً ما كان يُنهب المهزومين بأقصى طريقة ممكنة بما فى ذلك استعباد أبناءهم وسبى نساءهم وهو تصرف لا يمكن تخيله بين أفراد نفس المجتمع الواحد لاحترامهم المبادىء الأخلاقية التى يلتزمون بها جميعاً فيما بينهم

إذاً فالمبادىء والأخلاق ليست مُطلقة، فأنا لن أسرقك مقابل ألا تسرقنى.. لكن إن ضمنتُ أنى سأسرقك وأنك لن تستطيع رد الإساءة فأسرقك بكل تأكيد وبلا تردد. وهذه القاعدة تتجلى ليس فقط فى العلاقات بين الدول التى قلما تعتدى القوية منها على بعضها البعض مقابل تكالبها على الضعيفة، لكن أيضاً فى العلاقة بين الإنسان والحيوان.. فالحيوانات فى إطار علاقتها بالإنسان بلا أية حقوق حتى أننا نسجنها ونقتلها ونأكلها بلا إنكار ولا اعتراض من أحد تقريباً. وسبَب ذلك ببساطة أن الحيوانات لن تستطيع رد الإساءة إلينا أبداً ومن ثَم فلا جدوى من الإمتناع عن إستغلالهم بأقصى وأقسى الدرجات بما فى ذلك إجراء تجارب علمية عليهم وتقطيعهم وتشريحهم وهم أحياء. ومِن الجهة المقابلة فكلما زادت قدرة “الآخر” على رد الإساءة كلما كان المتعاملون معه أكثر تمسكاً بالأخلاق فيما بينهم وبينه، وكلما كان الإخلال بتلك الأخلاق مستهجناً ليس فقط عند الناس بل وعند فاعله نفسه مما يعود عليه بتأنيب الضمير ولوم النفس إن خالفها خوفاً من تبعات هذه المخالفة

عنصر آخر يترتب عليه مدى أهمية الإلتزام بالأخلاق هو قدْر المصالح المشتركة بين الأطراف المعنية.. ولذا فينظر الناس إلى من يسرق أباه مثلاً نظرة أسوأ من نظرتهم لمن يسرق الغريب رغم أن فكرة السرقة واحدة وضررها واحد، لكنهم يفكرون ضمنياً بأن سارق أباه خرق العرف الناص على عدم  الاعتداء على من تربطك بهم مصالح مشتركة وبينك وبينهم عقد إجتماعى وثيق أكثر مما خرقه سارق الغريب. وهنا تستوقفنا ملاحظة مثيرة وهى ثقة الناس فى الآخرين لمجرد معرفتهم منذ زمن طويل.. فهل تعنى معرفتى لك منذ عام مثلاً أنك أكثر أمانة من الذى قابلته تواً؟ بالطبع لا، لكن لأنك تعرفنى منذ عام فسيقل إحتمال غدرك بى لأنك “تستخسر إضاعة استثمارك” معى لهذا العام، لكنك قد تغدر بمن عرفته تواً بلا مشاكل! الموضوع ليس أمانتك بصفة عامة إذاً لكنها أمانتك النسبية معى، وزيادة ثقتنا فى الأفراد لا لشىء إلا لمعرفتنا إياهم لفترات أطول دليل عملى على وجود هذه الأمانة النسبية. والعكس صحيح فكلما بَعُد الغريب كلما تُقبلت فكرة إيذاءه.. حتى نجد أن نهب العدو المنتمى لأمة أو طائفة مختلفة بل وقتله يُعتبر عملاً بطولياً يستحق صاحبه التقدير والثناء والجوائز والنياشين من أقرانه

ويعكس الدين معظم ما سبق ذكره.. فكل الأديان تقريباً تحث أتباعها على حُسن معاملة المنتمين لنفس الدين، وتحثهم فى ذات الوقت على الاستبسال فى مواجهة أعداء ذات الدين، وتختلف توصياتها فى مدى حُسن أو سوء معاملة الآخرين غير المحاربين بحسب رغبتها فى إدخالهم للدين. فلأن اليهودية مثلاً لا تحاول الإنتشار بين غير العبرانيين نجدها لا تشجع اليهود على حسن معاملة الآخرين إطلاقاً بل تشجعهم على استغلالهم بقدر الإمكان، بعكس الإسلام والمسيحية الرامين للتوسع والإنتشار العددى. وتفرض الأديانُ بصفة خاصة الأخلاقَ التى يَصعب على الحاكم فرضها جبرياً كحُسن معاملة الآباء (وهو تشريع ضرورى لتشجيع الأفراد على التناسل مما يُكثر من أتباع الدين) من خلال وعد أتباعها بثواب فردى أو تَوَعّدهم بعقاب فردى يطالهم بعد الموت إن أخلوا بهذه التوصيات، وهكذا يكون لدى الفرد فى المجتمع المتدين حافزاً إضافياً للإلتزام بمنظومة الأخلاق التى تحقق أكبر نفع لمجتمعه إلى جانب حافز الظفْر بالمكانة والتقدير بين الناس

وهكذا نجد أن الأخلاق ليست مطلقة بأى حال من الأحوال، وأن واجبية تطبيقها على الآخرين تختلف بقدر ما ينتفع صاحبها من هذا التطبيق. والعكس أيضاً صحيح، فتطبيقها على من لا يعود تطبيقها عليهم بالنفع كالأعداء يُنْزل من مكانة المرء الإجتماعية بين أقرانه ويتسبب بوصفه بالتخاذل والسلبية لرفضه إيذاء مَن ينتفع مجتمعه من إيذائهم. وباختصار فالأخلاق النابعة من تشريعاتنا وأعرافنا بل ومن ضمائرنا لا تغدو عن كونها آلية أنانية ونفعية بحتة تساعدنا على البقاء

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted نوفمبر 12, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

كيف يخنق التمدن التقاليد والأخلاق؟   Leave a comment

تخيل يا عزيزى القارىء أننا نعيش منذ مائة عام فى قرية ريفية صغيرة يعرف جميع سكانها بعضهم بعضاً بالإسم والمهنة والنسب. معظمهم يعملون بالزراعة، ولدينا حداد وطراز ودكانان يبيعان مختلف المستلزمات. كيف تكون أخلاق الناس فى هذه البيئة؟

بالطبع لا نحتاج للتفكير كثيراً لنعلم أنها ستكون مثالاً يحتذى به. وليس هذا ناجماً عن جينات سحرية تجرى فى عروق أهل القرية، فالأمر ببساطة أن كل شخص يعلم جيداً أن أعين الآخرين تراقبه وأن أى تصرف يقوم به حَسُن أم ساء لن يكون بمعزل عن أهله ومعارفه. ومن الأمثلة شديدة القوى التى توضح ذلك نجدها فى تقاليد كالثأر فى الصعيد.. حيث يتحمل الفرد السجن المؤبد كى لا يُقال عنه جباناُ، أو يتحمل إمكانية قتله فى أى لحظة لباقى عمره مقابل عدم قيامه بزيارة بسيطة يحمل فيها كفنه ويطلب فيها السماح من خصومه. إلى هذه الدرجة تصل قوة مبدأ “الشرف” والإهتمام بالسمعة وما يقوله الناس فى المجتمعات المنغلقة

والعكس صحيح تماماً بالنسبة للمدن الكبرى المزدحمة التى يُضرب بها المثل فى الإنفلات الأخلاقى والسلوكى. فما على ساكنيها لو أهانوا أو سبوا أو تشاجروا مع أحد الغرباء فى الشارع ماداموا لن يروه ثانية وليس بينهم وبينه أى تعامل ولا ارتباط؟ لكن الأمر لا يقتصر على البعد الإجتماعى فقط، بل له بعد اقتصادى صميم أيضاً..

لعل القارىء يكون قد سمع بحكاية الصحابى الشهير كعب بن مالك الذى تقاعس عن الخروج مع الرسول فى غزوة تبوك رغم قدرته على ذلك. كان عقاب الرسول لكعب هو أن فَرَض عليه حصاراً اجتماعياً شاملاً فلا يكلمه أحد حتى فى المسجد والسوق. هذا نموذج مثالى لما نتحدث عنه فى المجتمعات الصغيرة التى يعلم من بها بعضهم بعضاً، فكفى بالمسىء عقاباً ليس فقط ألا يكلمه أحد، بل ألا يبيع له ولا يشترى منه أحد. وقد تكرر نفس العقاب الإقتصادى هذا من قبل -على نطاق أوسع- عندما حوصر المسلمين فى شِعب أبى طالب مدة ثلاث سنوات عجاف حتى كادوا يموتون جوعاً بسبب امتناع المشركين عن التعامل التجارى معهم عقاباً لهم على ترك دينهم

والآن يا عزيزى القارىء حاول تخيّل نفس الموقف اليوم فى مجتمع متمدن يعيش فى عصر ما بعد الثورة الصناعية.. سيكون هذا محالاُ بالطبع! فلو حاولَت فئة فرض حصار اقتصادى على فئة أخرى اعتماداً على الإلتزام الاخلاقى فقط (بغير استخدام العنف كما فعلت أمريكا مع العراق وتفعل الآن مع إيران مثلاً) فلن تتأثر الفئة المحاصَرة بالمرة، إذ ستجد ألف تاجر وتاجر لا يكترثون بتلك الأخلاق يتعاملون معها بيعاً وشراءاً وبنفس الأسعار مما سيجبر الفئة المحاصِرة على التراجع، إذ أن حصارها سيعود عليها هى بالضرر بدلاً من الفئة المستهدَفة!

وهنا تكمن المشكلة

فى عالمنا الذى نحيا فيه اليوم لم يعد للمجتمع سلطان على الفرد تقريباً. هل يبدى لك الحلاق المتدين استياءه كلما ذهبت إله لأنك لا تمت للدين بصلة؟ لا مشكلة.. فهناك خمسة حلاقين آخرين بالمنطقة سيسعدهم جميعاً الحصول على زبون جديد. هل قرر البقال القريب منك مقاطعتك لخلاف وقع بينكما؟ لا مشكلة.. فهناك عشرة بقالين بنفس الشارع يتطلع كل منهم لبيع أقصى ما يمكن بيعه. هل قرر أصدقاءك مقاطعتك لسوء أخلاقك معهم؟ لا مشكلة.. ففى غضون أسبوع تكون قد كوّنت ضعف عدد الأصدقاء على الشبكة العنكبوتية. هل قررَت زوجتك الإنفصال لأنك لم تعد تلتفت إليها؟ مع ألف سلامة.. فأنت تخونها بالفعل مع فتاة أخرى تعرفت عليها الشهر الماضى فى حفل صاخب

وهكذا فكما يؤدى أسلوب حياتنا العصرى إلى ما يمكن تسميته قوة المستهلِك -أىْ عدم حَوجته لمصدر معين نظراً لتعدد المصادر- فهو يؤدى بالمقابل لضعف الضغط الإجتماعى وعدم اقدام الناس على مجرد التفكير فى إقامة حصار اجتماعى أو اقتصادى على شخص أو جماعة أو هيئة للعلم المسبق بوجود ألف بديل وبديل سيسعدهم التعامل مع ذلك الشخص أو تلك الجماعة أو الهيئة المحاصَرة بغض النظر عن الأخلاق والمبادىء

والآن يبقى السؤال.. هل هذا التغيير إيجابى أم سلبى؟ هل الأفراد أفضل حالاً فى المجتمعات البدائية الصغيرة أم المنفتحة الحديثة؟ ستختلف الإجابة بحسب أى طرف أنت فى المعادلة.. هل تتمسك بالتقاليد والأعراف والأديان؟ إذاً فهو تغيّر سلبى جداً إذ لم يعد بوسع المجتمع إجبار أفراده الثائرين ضد تلك القيم على التمسك بها. وبالمقابل فلو كنت ثائراً متشوقاً لخلق عالمك الخاص بعيداً عن فكر الآباء والأجداد فهو تغيّر إيجابى إذ يسمح لك بما كان محظوراً عليك من قبل

لكن المثير هو أن بداخل كلّ منا هذان الشخصان، فكل منا لديه قائمة بالأخلاق العريقة والحميدة التى يرى ضرورة استمرارها فى المجتمع وقائمة أخرى بالعيوب والسلبيات التى دائماً ما يجادل الناس على أهمية تغييرها كى نرتقى للأفضل. وهذا يعنى أن العصر الجديد سيكون للتميّز والإختلاف والفردية، إذ سيتمكن كل فرد من المجاهرة بما يراه مختلفاً مهما بَعُد عن وجهة النظر السائدة، بعدما خنقت يد الثورة الصناعة من جهة ثم يد ثورة الإتصالات من الجهة الأخرى عنق سلطان المجتمع على الفرد

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted نوفمبر 2, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

ما سبب إختلاف مفاهيم الأجيال الجديدة عن سابقتها؟   Leave a comment

ظل البشر لآلاف السنين يتبعون سُبل آباءهم وأجدادهم فى الحياة بلا تغيير يُذكر.. وإن طرأ تغيير جذرى فهو عادةً ما يكون فى الأديان والمعتقدات، أى أنه لم يكن ليغيّر أسلوب الحياة اليومى للناس. وقديماً فى أوربا وحوض البحر المتوسط كانت تُستعمل دورة قوامها 15 عاماً لحساب السنين ثم تبدأ من جديد، فلم تكن هناك أى تغييرات هامة تُبرر التأريخ المستمر كالتقويم الهجرى والميلادى..

واستمر ذلك الوضع الإجتماعى حتى بدأت الثورة الصناعية منذ حوالى مائتى عام فى أوربا وتسربت تدريجياً إلى باقى أنحاء العالم لتقلب أسلوب الحياة الرتيب رأساً على عقب بالتركيز على الإنتاج الكثيف والعمل الأكثف والشركات العملاقة الهادفة للربح وما تبع ذلك من تغيير فى القيم والمفاهيم المترسخة، حيث تحول الناس للإهتمام بالمادة على حساب الروحانيات والحياة العائلية والتقاليد، ولعل من أقوى وأقسى الصور التى تلخص ذلك التحول هى صورة شخص يشكى همومه لطبيب نفسى يدفع له أجراً بالساعة بدلاً من أن يشكيها لأخ أو عم أو صديق

ولكن كان لذلك التغيير ما يبرره، ففى الماضى كان المرء يعتمد على عائلته وعشيرته لتوفير الحماية له، ويعتمد على أبنائه وأحفاده للإهتمام به عند الكِبَر، وعلى جيرانه وأصدقائه لتأدية خدمة له أو رد جميل أداه هو لهم سابقاً.. أما مع تعاظم السيطرة الصارمة للحكومات على مختلف نواحى الحياة فقد صار الأمان مقترناً بالشرطة وليس بالعشيرة أو الجيران، ومع إنتشار المؤسسات البنكية والتأمينية صار تأمين الدخل عند الكبر مقترن بالـمعاش وليس بعطف الأقارب، كما صارت المدخرات فى أمان فى المصرف بلا حاجة لصديق موثوق يحفظها عنده. ومؤخراً إنتفت الحاجة حتى لسؤال المعارف عن معلومة صحية أو تقنية يجهلها المرء إذ أمكن التوصل لها ولعشرة أمثالها خلال ثوانى معدودة من على الشبكة العنكبوتية. وباختصار فإن ما يُطلق عليها “مشاغل الحياة” التى تمنع الأهل والأصدقاء من السؤال على بعضهم البعض اليوم هى ذاتها التى كانت تجمعهم سوياً فى الماضى بل وتجبرهم على هذا الإحتماع جبراً لارتباط مصالحهم وبقاءهم به. وعلى مستوى الأسرة نجد أن معدلات الإنجاب قَلّت لأن الأمصال صارت تحمى الناس من الأوبئة الفتاكة، فلا طاعون ولا ملاريا يقضيان على نصف السكان كل بضعة عقود فلم يعد هناك حاجة ولا حتى إمكانية لكثرة الإنجاب، بل وصار الأطفال عبئاً لضرورة الإنفاق عليهم وتعليمهم حتى سن متأخرة كى يتمكنوا من المنافسة فى سوق حَلّت فيه الآلات محل البشر فندرت الوظائف

وهكذا نجد على قدر المزايا التى يوفرها أسلوب الحياة الحديث المنظم كالأمان والإستقرار والرفاهية المادية والعلمية إلا أنه بذلك يبيد أسلوب الحياة الإجتماعية التقليدية الدافىء ليحل محله نظام جديد بارد وصلب قوامه الفرد والإعتماد على النفس بدلاً من الجماعة والتعاون المتبادل

وقد ساهم فى تعجيل هذه العملية إبتعاد الأهل عن أطفالهم.. فقارن مثلاً بين طفل القرن الماضى الذى كان يتربى بين إخوته والعديد (ربما العشرات!) من أبناء أعمامه وأخواله بل وربما عاشوا جميعاً تحت سقف نفس المنزل الكبير أو نفس المزرعة، وهو يقضى الكثير من الوقت مع أمه التى تحكى له الحكايات التى حكتها لها أمها من قبل ثم يلتحق بصنعة أبيه أياً كانت ليعاونه ثم يحل محله.. وبين طفل اليوم الذى ينشأ مدللاً مع أخ أو أخت واحدة ولا يعلم الكثير عن أقاربه الذى لا يراهم إلا فى الأعياد والمناسبات الرسمية كالأفراح والخطوبات، بل هو لا يعلم الكثير حتى عن أمه التى قضى اليوم بطوله بعيداً عنها فى الحضانة لأنها إنهمكت فى العمل وعادت متعبة، ولا عن أبيه الذى يقضى جل وقت فراغه فى مشاهدة التلفاز والسهر خارج المنزل. من أين يستقى كل من الطفلين ثقافته ومفاهيمه؟ بالطبع يستقيها الأول من محيطه المقرب بلا أدنى فرصة لتسرب أى مفاهيم دخيلة عليه، أما الثانى فكان بديهياً أن يستقيها من خارج الأسرة لأنه لا علاقة له بالأسرة.. فيأخذها من المدرسة ثم الجامعة، ومن الأصدقاء، ومن الوسائل التى وفرها له أبواه طمعاً فى إسعاده كالإنترنت، وأخيراً من تفكيره المستقل بعيداً عن المؤثرات المجتمعية. وهكذا كان من البديهى أن يأخذ قراراته بعد ذلك الصغير منها والكبير بمعزل عن رأى هؤلاء الأهل معتبراً تدخلهم فى حياته وتدخله فى حياتهم شيئاً غير مرغوب وغير مقبول

وحتى بعدما كانت الأسرة تلتف لتشاهد برنامج تلفزيونى أسبوعى شيّق كالعلم والإيمان أو عالم الحيوان صار لكل فرد الآن تلفزيون أو كمبيوتر خاص به ليشاهد ما يريد وقتما يريد دون الحاجة للإختلاط مع الباقين.. ثم ترى الأهل يشتكون بعد ذلك من بُعد أبناءهم عنهم وعدم متّهم إليهم بِصلة ومعاملتهم لهم بطريقة مختلفة عما كانوا هم يعاملون آباءهم! فماذا كانوا يتوقعون؟ وكيف يكتسب الولد نفس قيم وأولويات جيل أبيه إن كان لا يكاد يراه ولا يعرف كيف يتكلم ويتعامل الأب مع أصدقائه؟ وكيف تتبنى الفتاة نفس مهارات ومبادىء أمها إن كانت لا تكاد تقضى أى وقت معها ولا تراها وهى تتكلم مع الخالة ومع الجدة؟ صار لكل منهم مقتنيات كثيرة فيحتاج لغرفة خاصة لوضعها بها بعيداً عن الآخرين، وصار لكل منهم هاتف خاص وسيارة خاصة بمعزل عن الباقين أبضاً فلم تعد هناك حاجة للإختلاط بهم والتعامل معهم

وليست مصادفة أن نجد التغير النفسى فى المجتمعات الحديثة يقترن  بتغير الظروف المادية لساكنيها.. فقارن بين هاتين المجموعتين من الظواهر:
1-زيادة الدخل والإستهلاك والترف، إنتشار الأجهزة والآلات الحديثة، زيادة الأعمار والرعاية الصحية، قلة الإنجاب، الإرتقاء بل والمبالغة فى التعليم، الإنفتاح على الثقافة واللغات والملابس الأجنبية، توغل المؤسسات المنظمة إلى كافة نواحى الحياة، سيادة الدولة والقانون

وبين..

2-قلة التراحم والتلاحم، إحتدام التنافس والتطاحن، طغيان القيم المادية والأنانية، إرتفاع الطموحات والتطلعات إلى درجات غير واقعية، قلة الرضا بالمتاح والمقارنة المستمرة بالغير، إنعدام الصبر والتخطيط طويل الأمد فى عصر السرعة، زيادة معدلات الإكتئاب والإنتحار، ذبلان الإنتماء وروح الجماعة، النفور من فكرة الحرب والتضحية، ضعف النشأة والوهن خاصة للبنين، إدمان الخمور والمخدرات، إرتفاع معدل الطلاق والتفكك الأسرى، العنوسة وتأخر الزواج، تقبل الإنفلات الجنسى والإباحية، تفشى الشذوذ والأمراض الجنسية، عمل ونفوذ وتحرر المرأة، البُعد أو الثورة على التقاليد المتوارثة، إنحسار الدين والأخلاق، التمرد وإرتفاع سقف المطالب وحرية التعبير ضد السُلطة بما فى ذلك للأطفال ضد الأب، وللموظفين ضد رب العمل، والبشر ضد الإله

..لتجد أن المجموعة الأولى دائماً ما تتسبب فى المجموعة الثانية بدرجة أو بأخرى. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تكون أكثر الدول والمناطق حفاظاً على تقاليدها وأعرافها هى الأفقر.. فنجد مثلاً الإلتزام بالتقاليد شديد الصرامة والأهمية فى اليمن والسودان والعراق وصعيد مصر والقرى الزراعية بصفة عامة، بينما نجده يهترىء وبصورة مخيفة فى لبنان ومدن مصر خاصة الشمالية وبين شباب دول الخليج بل وفى السعودية ذاتها معقل التقاليد الحصين لزخمها بالمال الذى يفتح الطريق للحداثة والمدنية

وكما هو متوقع، تحدث صدامات عديدة فى فترات التحول الإنتقالية، إذ أن الدولة المركزية عادةً ما تتبنى منهجاً معيناً يفوق أو يقل فى درجة حداثته تَقبُّل فئات كثيرة من الشعب (أو يفوق تقبل فئة ويقل عن تقبل أخرى) ثم تحاول فرضه على جميع تلك الفئات بالقوة عن طريق القوانين القديمة أو الحديثة، فُترمى الحكومة تارة بأنها مازالت تعيش فى العصر الحجرى وتارة أخرى بأنها باعت نفسها للشيطان وللغرب، ويندر أن نجد حكومة على درجة من النضج بحيث تستوعب أنها فى الحقيقة لا تحكم شعباً واحداً بل شعبين على الأقل، وأن لكل منهما معتقدات وأعراف وأسلوب حياة مختلف تمام الإختلاف عن الشعب الآخر.. ومن ثَم فإن محاولة إخضاعهما لنفس الإطار المعيشى يتسبب فى مشاكل وشعور بالظلم من أحد الطرفين إن لم يكن من كليهما

وبعد ذلك التأمل السريع لأسباب التغيّر يبقى لنا يا عزيزى القارىء أن نوازن ونفاضل بين الوضعين.. فجَنى ثمار الحياة المادية الحديثة مع الإحتفاظ بالقيم والمبادىء القديمة لهو ضرب من الخيال لا يمكن تحقيقه أبداً، إذ أن كل مساحة تُمنح لأحدها تقضم من مساحة الأخرى مباشرة. فالسؤال يصبح: هل نريد أن نحيا كأفراد أم كجماعات؟ هل نريد أن يكون لكل منا ماله ومنزله وغرفته ورأيه وحياته المستقلة على حساب الحياة الإجتماعية الدافئة، أم نريد أن نصبح خلية فى جسد مترابط على حساب حريتنا ورفاهيتنا؟ خياران كل منهما أصعب من الآخر. وصدق المثل.. ما فى حلاوة من غير نار!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أكتوبر 26, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

إشكالية التنميط   1 comment

ما أن يراك الناس تنتمى لطائفة معينة حتى يطلقوا عليك حكماً فورياً

بماذا كنت تفكر يا عزيزى القارىء عند رؤية جندى جيش فى الشارع أو فى محطة المترو قبل الثورة؟

إن كنت مثل أغلب الشعب المصرى فلعلك كان يختلجك شعور بالتقدير والإعتزاز مع بعض التعاطف والتلاحم

حسناً.. لكن بماذا كنت تفكر عند رؤية نفس المنظر بعد الثورة بعام وبضعة أشهر؟

إن كنت مثل أغلب الشعب المصرى -أيضاً- فلعلك كان يختلجك شعور بالغيظ والغضب والقهر. وبحسْب المدة التى كنت تقضيها فى قراءة الجرائد والتحليلات السياسية وقتذاك فلربما واجهت صعوبة فى منع يدك مِن الإطباق على زمارة رقبته

رغم أنه نفس المنظر تماماً، بل لربما كان حتى نفس الجندى يتجه من نفس المكان لنفس المكان!

هذه الظاهرة إسمها “التنميط”، أى وَضْع شخص فى نمط معين ورسْم تصور له حتى لو لم يقم بأى تصرف يوافق أو يخالف ذلك التصور. وكلما قَل تعاملك مع فئةٍ ما كلما زادت حدة تنميطك لأفرادها بسبب ندرة عينات ما ترى منهم وحاجتك لملء فراغ تصورك عنهم بما هو متاح لك من معلومات ولو كانت محدودة. وهذه الفئات بالضبط هى التى عادةً ما يكون تنميطنا لها ارتجالياً وعشوائياً ومن ثَم خاطئاً.. فنظرتك لشرطى المرور الواقف بجانب بيتك قد تختلف بعد القراءة عن تجاوزات الشُرطة أو بعد القراءة عن عمل بطولى لها. ونظرتك لجارك المسيحى قد تختلف فى الأيام العادية عن أيام الفتنة الطائفية سواءاً كنت تميل إلى التعاطف معه أو الغضب منه. ونظرتك لزميل دراسة من دولة عربية قد تختلف بعد اتخاذ حكومة دولته موقفاً مع مصر أو ضدها. كل هذا دون أى تصرف مختلف منهم عما اعتدت عليه

ليس هذا فقط.. بل وحتى لو اختلف تصرفهم فهذا لا يعنى أنهم صاروا مختلفين عما كانوا عليه مِن قبل. فلا جندى الجيش بطل هُمام ولا هو نذل خسيس بل هو ينفذ الأوامر أياً كانت، ولا شرطى المرور يضحى للوطن ولا هو يمص دمه بل هو مرهون بأوامر ورقابة قائده، ولا جارك المسيحى ملاك برىء ولا هو شيطان رجيم  بل يتصرف فى حدود ما تسمح له به توجهات الدولة ضيقاً وبسطاً، ولا زميلك العربى حليف إستراتيجى ولا هو عدو متربص بل هو يتأثر بفرقعات الإعلام والتصرفات الفردية اللطيفة والسخيفة معه. وهم نفس الأشخاص الذين كانوا عليهم بالأمس والعام الماضى لم يتغير فيهم شىء البتة

المثير فى الموضوع هو تحقق ظاهرة من أقوى ظواهر عِلم النفس عند وقوع التنميط.. وهى تغيّر سلوك هذا الشخص بحسب ما تتوقعه منه! فمثلاً الشرطى الذى يراك تتبسم له أو تطيب له القول على جهود الشرطة سيصبح إذ فجأةً أكثر تعاوناً مع المواطنين ليطابق القالب الجديد الذى وضعوه فيه والعكس صحيح. ولذا فمن ألطف نصائح التربية أنك عند معاقبة ابنك تسأله “هل تعلم لماذا عاقبتك؟” ولربما رَد قائلاً “لأنى سىء” فعليك بالرد “لا.. بل لأنك ممتاز، لكنك تصرفت بأقل مما هو جدير بِك!”

وفى الحقيقة فحتى فى حالة صحة النمط عن أفراد طائفةٍ ما فإننا نجد صعوبة شديدة فى الحُكم الجماعى عليهم بكونهم أخياراً أو أشراراً.. لأنه بصفة عامة فإن ما يحدد طبيعة سلوك طائفة ليس أفرادها، بل نقاط مركزية فيها كالقادة، أو ظروف شاملة تحيط بأفرادها كصرامة أو انعدام محاسبة المخطىء منهم ووجود أوانعدام حافز التصرف الجيد، أو حتى الفقر المدقع أو الثراء المفحش المحيط بأغلبهم ، بل وهناك عوامل جغرافية ومناخية تحدثنا عنها فى مقال سابق. فإن رُمْت تغييراً للواقع فعليك بالمستطاع من تلك المفاتيح وليس بالأفراد.. فهم لا يملكون من أمرهم شيئاً لأنهم لا يُمَثلون سوى قطع الشطرنج التى تحركها تلك المعادلات فى أى اتجاهٍ كان. فلا تصب جام غضبك على القطعة بدلاً من التعامل مع مَن يحركها!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أكتوبر 23, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات