Archive for the ‘طبيعة المجتمعات’ Category

مفهوم “حقى بدراعى” ما بين الشرق والغرب   Leave a comment

من المفاهيم شديدة الرسوخ فى مجتمعنا عن الرجولة وشيم الإعتماد على النفس والتى لا يكاد يتجادل عليها إثنان هى مفهوم “حقى بدراعى”، أى أنه ينبغى على المظلوم المسارعة بانتزاع ما أُخذ منه بنفسه دون إنتظار مساعدة من حكومة ولا قانون. وقد شَغَل إختفاء ذلك المفهوم من الشعوب الغربية جانباً من فكرى مدة مكوثى هناك.. وكنت أتساءل هل يرجع ذلك إلى غياب “أخلاق القرية” عندهم أو إلى إفتقارهم للنخوة والدين مثلاً؟ لكن وبعد مزيداً من التأمل وضح التفسير الصحيح على شدة بساطته.. وهو عدم حاجتهم لذلك! فبسبب التطبيق الصارم للقانون هناك لم يعد الناس يحتاجون لتلك المفاهيم، وصار كل ما على المظلوم فعله ليحصل على حقه هو الإتصال بالشرطة أو بمحام حاذق بعيداً عن إستعراض العضلات وإستخدام القوة العشوائية. أما عندنا فالقصة مختلفة.. فجل حياتنا بل وتاريخنا ما هما إلا سلسلة من المظالم التى لم تجد قانوناً يعيدها ولا ديناً يردعها بدءاً من الحكام الظلمة إلى الإستعمار الظالم إلى الحكام الظلمة مرة أخرى حتى صار الظلم هو القاعدة فى تعامل الناس مع بعضهم البعض وصار العدل هو الإستثناء، ولذا فكان طبيعياً أن يترسخ فى وعينا الجماعى أن الصواب هو أخذ الحق باليد وما سوى ذلك يكون تخاذل وضعف غير جدير بالإحترام.

ولنأخذ مثالاً نخيّلياً على شخص حُكم عليه بالسجن فحاول الفرار والإختباء.. ففى بلد اعتاد أهلها أن يُسجن الناس بلا سبب أو لأتفه الأسباب (من وجهة نظر ذلك المجتمع) سيَلقى هذا الهارب تعاطفاً من محيطه سواءاً فى شكل مساعدات مادية أو إعتبارية، بل وستتطاير إلى سمعه عبارات التشجيع والإعجاب.. أما فى مجتمع معروف بنزاهة وعدالة نظامه العقابى فالنظرة لهذا الهارب ستكون أقرب للشك والريبة بل وسيحاول بعض الوطنيون المخلصون إبلاغ السلطات عنه لتأتى وتقبض عليه دون أن يُنظر إليهم على أنهم خونة وطاعنى ظهر بعكس الحالة الأولى. ولذا فليس من العدل إنتقاد الشعوب الشرقية لعدم إتباعها للنظم وتجاهلها للقوانين.. فالنظم والقوانين الفاسدة هى التى غرست فينا ذلك، لا لأن عندنا جينات وراثية خاصة مثلاً دفعتنا للإستهتار بها. ولو فرضنا أن الحكومات الغربية إنقلبت إلى حكومات مستبدة وشاع الظلم والفوضى فيها لبضعة عقود فستجدهم وقد تحولوا ليكونوا مثلنا تماماً والعكس صحيح.

وفى هذا الإطار يكون من السهل علينا تفسير تفشّى عادات كالثأر فى الصعيد مثلاً وااذى طالما إشتكت الدولة منه.. فمن أكبر أسباب إستمراره هو غياب العقوبة التى يعتبرها المجتمع هناك مناسبة لجريمة القتل وهى الإعدام، حتى أن أهل القتيل ينتظرون المسجون قاتل قريبهم بالـ15 والـ20 عاماً حتى يخرج ليقتلوه وتبدأ قضية جديدة! ولو أُخذ هذا فى الإعتبار منذ البداية لتمكنت الدولة من إرضاء رغبة هؤلاء القوم فى العدالة ولِما إحتاجوا لأخذها بأنفسهم. وقِس على ذلك كل خروج على القانون”يرتكبه” مظلوم لأنه لم يجد قانوناً ينصفه، أو لربما وجد قانوناً يجير عليه ويزيد من مأساته ويأسه وإحباطه.

هذه الفلسفة تهدم مفهوماً أساسياً عندنا وهو وجود مبادىء “حسنة” وأخرى “سيئة”.. فالحقيقة أن البيئة هى التى تحدد الحسن والسىء بناءاً على ما يحقق المصلحة، وبعد ذلك التحديد يتبنّى الناس المفاهيم “الجيدة” التى تترسخ فى قلوبهم وعقولهم وثقافتهم جيلاً بعد جيل وما سواها يكون عيباً وعاراً. وهكذا نجد مرة أخرى أن الظروف هى التى تصنع الإنسان وفكره وتحدد له الصواب من الخطأ، لا أن هناك صواباً وخطأً ثابتين منذ البداية ينتظران إكتشاف الإنسان لهما.

وإن تعلمنا شيئاً من هذا فهو أن الراغب فى إرساء نظام أخلاقى أو سلوكى معيّن عليه بتغيير الظروف والنظم المحيطة أولاً وسيصل إلى مراده تلقائياً، لا أن يحاول إقناع الناس بتغيير سلوكهم مع بقاء البيئة الفاسدة على حالها.. فهل من مجيب؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Advertisements

Posted أكتوبر 19, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

كيف تؤثر العوامل الجغرافية على الطبيعة السياسية والدينية والسلوكية للشعوب؟   4 تعليقات

كثيرة هى العوامل التى تحدد طبائع الشعوب.. لكن من أقلها لفتاًُ للإنتباه هى العوامل الجغرافية. وسنتعرض فى هذا المقال لكيفية تأثير الجغرافيا على مختلف الجوانب الثقافية للأمم والتى تبدأ من السياسة ولا تنتهى بالدين..

فمثلاً نجد أن شعب مصر كان تاريخياً شديد التقديس والخنوع والإستكانة لحكامه، وما كان ذلك إلا لطبيعة أرضه.. فإن تأملت خارطة مصر ستجدها مكونة من صحراء شاسعة مد البصر يتوسطها شريط النيل الصغير والذى لا يمكن الحياة إلا بالقرب منه. ولضيق الوادى وصِغَر مساحته كان عادةً ما يسيطر عليه حاكم واحد بسهولة، وبالتالى فإن أردت أن تحيا فى مصر فكان عليك الخضوع لهذا الحاكم وإلا مِت جوعاً لأنه لا يوجد مكان آخر تهرب إليه لتؤسس مجتمعاً بديلاً إذا ما غضب عليك!

وعكس ذلك تماماً نجده فى بلد كاليونان والتى تُعد من أعرق الديمقراطيات فى العالم.. فبسبب طبيعة اليونان الجبلية كان يصعب التواصل بين مدنها المختلفة، وبالتالى يصعب تكوين حكم مركزى يسيطر على المنطقة بأسرها، فنشأت استقلالية كبيرة فى تلك المدن احترمت حقوق الفرد على حساب الجماعة. وبصفة عامة فإن طبيعة أوربا كأرض خصبة مليئة بالأنهار لم تكن لتسمح بحكم شديد المركزية كوادى النيل أبداً، وبالتالى نشأت تلك المجتمعات تقدر الفردية والإستقلال بما تبع ذلك من ضعف العلاقات الأسرية والعائلية مقارنة بالشعوب الأخرى، لكن أيضاً فى مقابل إقرار فكرة المسؤولية الفردية التى لا ترحم المقصر ولا تعفو عن المخطىء ولا ترحم الضعيف مما دفع الناس هناك ليكونوا أكثر إلتزاماً وانضباطاً واجتهاداً وهى طباع لم نزل نلحظها حتى اليوم فى تلك الشعوب.

كذلك نجد طبيعة شبه الجزيرة العربية الصحراوية شديدة القسوة تجمع بين طبيعة مصر واليونان.. فشح المياه من جهة معناه إحكام نفوذ مَن يسيطر على بئر من الآبار على القاطنين حول ذلك البئر، وتنأثر الآبار حول مساحات شاسعة من جهة أخرى معناه ألا توجد حكومة مركزية تجمع بين كل تلك القبائل وألا توجد مصالح مشتركة بينها بل يعيش كل منها فى عالمه الخاص معادياً أو على الأقل مزدرياً جميع القبائل الأخرى. أضف إلى ذلك العنصر المشترك مع مصر فى أن الفرد لا يمكنه العيش وحده وإلا هلك فلابد من الإحتماء بجماعة -قبيلة- تحميه وتدافع عن مصالحه مقابل ولاؤه التام لها. وبالتالى نشأ فى الجزيرة العربية نظام قبلى أبوى جماعى شديد الهرمية (شيخ القبيلة لا راد لحكمه والأب يطيعه أولاده إلخ) وأيضاً نشأ نظام شديد العزة والإفتخار بنفسه وبنسبه يرفض التنازلات ولا يعرف التفاوض ولا حلول الوسط لأنه يعادى كل القبائل الأخرى فلا يرى حاجة للتواضع أو التعاون معها، إذ أن كل قبيلة أقرب لجزيرة مستقلة عن الباقين. وهكذا نفهم مفتاح شخصية الإنسان المصرى والعربى والأوربى من طبيعة أراضيهم.

ومن المثير كذلك أن نلاحظ كيف تركت الطبيعة الجغرافية للأرض بصمة واضحة على المعتقدات الشعبية بل والدينية.. فبسبب نظام الزراعة فى وادى النيل والذى لم يُمَكِّن الفلاح المصرى من أى تدخل تقريباً بسبب قضاءه معظم العام “واضعاً يده على خده” ينتظر الفيضان -الذى إنْ كان عارماً أغرقه وإن كان شحيحاً أعطشه وجوّعه- نشأت فى مصر ثقافة التواكل والإستسلام والمسكنة يعضدها إعتقاد شديد بالقضاء والقدر، كما إزدادت قوة ونفوذ الدين لأن الناس ما كان لها قدرة على تنظيم أو مقاومة الفيضان فكان اللجوء الدائم للآلهة لتكون رحيمة بهم، وحتى اليوم يُعد الشعب المصرى من أكثر الشعوب تديناً. ومِثل ذلك نجده أيضاً فى الجزيرة العربية شديدة التدين لأن الناس هناك كانت دائمة التلهف على قطرة المطر فكانت دائمة الدعاء والتضرع للآلهة لإنزالها.

أما فى أوربا فبسبب خصوبة معظم الأراضى وندرة الفيضانات والكوارث فقد نشأ عندهم نظام أقرب للعلمانية منذ فجر التاريخ، فحتى أيام الرومان والإغريق لم يكن الشعب الأوربى يعير الآلهة إهتماماً كبيراً وكان يجسدها فى مسرحيات ويسخر منها وكأنه يقول لها “لا حاجة لنا بكم.. فنحن ننعم أو نشقى بمقدار عملنا وليس بمقدار ما تمنون علينا من أمطار أو تعاقبوننا بفيضانات”، وقد فاقم مِن ذلك الفكر فيما بعد الإختراعات المضادة لقوى الطبيعة المدمرة كواقى الصواعق المعدنى والذى مثّل للعقلية الغربية تحدى الإنسان للإله وقدرته على مواجهته. وهكذا نجد فى طبيعة الأرض سبباً إضافياً لتجذر فكرة المسؤولية والحقوق الفردية بين الأوربيين، بينما تجذرت عندنا فكرة التلاحم الجماعى التى تعطى للمجتمع الحق فى التدخل فى حياة الفرد الخاصة مقابل إلزام ذات المجتمع بمساعدة الفرد وقت الأزمات والشدة. وقد فاقم من هذه هنا وتلك هناك ضيق المساحات عندنا بالنسبة لعدد السكان و وسعها عندهم.

ومن طبيعة الأرض التى حددت النظم الزراعية أو الرعوية للسكان اختلفت درجات الرأفة والقسوة، فكلما ازداد الإنسان انشغالاً بشأنه كان أقل تعاطفاً مع الآخرين واكتراثاً بهم. ولذا فنجد أن النظام الزراعى المصرى الذى منح الفلاح أشهراً طويلة بلا عمل كل عام بسبب خصوبة الطمى ونظام الرى ساهم فى تماسك وترابط أواصر المحبة بين المجتمع، بينما عضد من فردية وقسوة الأوربيين انشغالهم الدائم بالعمل. وبالنسبة للمجتمعات الرعوية دائمة الإنشغال بالبحث عن الكلأ ورعاية الحيوانات فكانت بطبيعة الحال أكثر قسوة -وأكثر جلَداً- بعكس المجتمعات الزراعية فى المناخات الدافئة التى شمت نسيم الرفاهية والفراغ. كذا فقد وُجد أن المجتمعات التى تعتمد على الثروة الحيوانية تكون أكثر عنفاً من التى تعتمد على الثروة الزراعية لأنه من منظور تاريخى كانت الحيوانات تُسرق بينما المحاصيل لا تُسرق! والمجتمعات صاحبة أوقات الفراغ تكاد تكون الوحيدة التى تخترع وتبتكر لوجود فائض وقتى يسمح لأهلها بالتطور والترقى، وهذا يفسر لنا سبب نشوء الحضارات حول أنهار المناطق ذات المناخ المعتدل دون غيرها (مصر، الشام، العراق، فارس، الهند، الصين) لحين بروز آثار التطور التقنى فى العصر الإغريقى والرومانى فى القرن الرابع قبل الميلاد تقريباً، مما منح الأوربيين ذوى المناخ البارد اليد العليا فى المنطقة لحين ظهور الإسلام.

كذلك يلاحظ أنه كلما زادت رفاهية المجتمعات أو كانت زراعية ذات مناخ معتدل وإنتاج وفير كلما تصورت الآلهة بشكل أقرب للرحمة كمصر الفرعونية ومسيحيو أوربا وأمريكا اليوم، بينما كلما ازداد الفقر والعَوَز بها كلما تصورت الآلهة شديدة الغضب والقسوة كالعراق قديماً التى كانت دائمة الفيضانات المدمرة ومسيحيو إفريقيا اليوم. وأحد أسباب ذلك هو حاجة المجتمعات الفقيرة لإرهاب أفرادها للإرتداع عن إغراء السرقة التى تنتشر بالطبع فى أوقات الشدة والمجاعات فيتم تخويفهم بغضب الإله وعقابه، بينما تخاف المجتمعات المرفهة من الموت وانقطاع النعمة والترف فتركز بالمقابل على النعيم فى الحياة الآخرى متناسية فكرة العقاب والتعذيب الغير مقبولة والصعب تصورها بالنسبة لهم.

ومن أروع ما قرأت شخصياً عن أثر الجفاف وغيره من المشاكل التى تُحد مِن الطعام المتاح على المجتمعات كان فى تفسير ظاهرة “حرق الساحرات” التى تفشت فى أوربا العصور الوسطى والتى يُنظر لها اليوم كأكبر الأمثلة على تخلف وجهل أوربا فى تلك الحقبة، فقد أعزاها بحث تاريخى لانتشار المجاعات وكثرة الآفات وتلف المحاصيل فى تلك الفترة، وبالتالى احتياج الناس الجوعى لحجة “تحلل” التخلص من المواطنين العاجزين عن العمل. وما هى أقل فئة من المواطنين قدرة على العمل؟ بالضبط.. السيدات العجائز. والنتيجة أنه صار قتل أى امرأة عجوز تشاهدَ مع قطة سوداء مثلاً أو أى حجة أخرى عملاً بطولياً يستحق التهنئة!

وليست مصادفة أن نجد تكرار نفس الظاهرة تقريباً ولكن فيما يخص الفتيات الصغيرات فى الجزيرة العربية، فالسبب الحقيقى الكامن وراء ظاهرة وأد الإناث التى انتشرت بين عرب الجاهلية هو أيضاً شح المياه والطعام، فقد أدى تناحر الرجال على الموارد القليلة إلى خلل سكانى بين أعداد الذكور والإناث، فضلاً عن وجود فجوة كبيرة بين دخول الذكور المتبقين نظراً لتقسيم المجتمع إلى “سادة” (منتصرين) و”عبيد” (مهزومين)، وبالتالى فلمّا كان عدد الذكور القادر على الزواج يمثل نسبة ضئيلة من عددهم عند الولادة لم يكن بالإمكان تزويج جميع الإناث عند البلوغ، فكُن يتحولن إلى عبء كبير على الأسرة التى تكاد تموت جوعاً وعطشاً أصلاً.. وهكذا نشأت ظاهرة الوأد خاصة فى غياب الأوبئة الفتاكة التى تنظم التعداد السكانى كالطاعون من الجزيرة العربية بسبب جفاف مناخها. ولذا فنجد أن العرب قد تخلوا سريعاً عن تلك العادة إبان الفتوحات الإسلامية، فقد أدى السلام الاجتماعى والنشاط الاقتصادى الضخم الناتج عن الفتوحات إلى رفع مستوى معيشتهم بشكل كبير فضلاً عن إتاحة فرصة الهجرة لبلاد أفضل مناخاً كالعراق والشام ومصر لأعداد مهولة منهم مما خفف من وطأة التزاحم على موارد الحجاز ونجد القليلة. وهكذا نفهم أن عرب الجاهلية وأوربا القرون الوسطى لم يعاديا المرأة كما تقول بعض التفسيرات القاصرة، بل أجبرتهما الظروف الجغرافية والمناخية فى مراحل معينة من تاريخهما على تصرفات قد تُفهم ظاهرياً بهذه الطريقة.

وتنعكس ذات الأسباب على مدى الإنفتاح أو الإنغلاق الجنسى فى أى مجتمع، فكلما شحت الموارد كلما ازدادت كلفة تربية الأطفال فيه وقَل عائد هؤلاء الأطفال على الأهل مما يجعل العائلات والأسر الفقيرة شديدة النفور من فكرة الزنا ومقدماته لِمْا قد ينتج عنه من حمل. بينما كلما ازدادت الثروة وسمح الوضع الاقتصادى لأهل الفتاة والمجتمع عموماً بتحمل نفقات فرد زائد دون أب يعوله كلما ازداد التساهل مع الحريات الجنسية، وهى ظاهرة لم نزل نلحظها حتى اليوم فى التباين الكبير فى مدى تقبل أو رفض الزنا بين المجتمعات الغنية والفقيرة حتى بداخل الدولة الواحدة بل والعائلة الواحدة. وهكذا نفسر تساهل الأوربيين النسبى مع الزنا ونفور العرب -وسائر المجتمعات الصحراوية والفقيرة- الشديد منه بعيداً عن التنميط الأخلاقى المنحاز لأى الفكرتين.

وهناك تأثيرات أخرى للطبيعة الجغرافية على الشعوب.. فقد وُجد أنه كلما عاش الشعب قريباً من خط الإستواء كلما كان أقل تخطيطاً للمدى البعيد، وذلك لأن الطقس لا يتغير طوال العام فلم يعتد الناس التخطيط والإستعداد للمدى الطويل. وذلك بعكس البلاد البعيدة عنه والتى إضطر سكانها إلى تنمية “عضلات بُعد النظر” لديهم لأنه ما أن ينتهى الصيف المعتدل حتى يواجَهون بطقس شديد القسوة لا يرحم من لم يستعد له بملابس ومنازل وأطعمة مناسبة. إضافة إلى تثبيط المناخ الحار للناس وحثهم على الكسل والبلادة.

كذلك وُجد أن معدلات الذكاء تنخفض فى الدول الإستوائية عموماً وفُسِّر ذلك بقلة التحديات التى تواجه الدول الاستوائية المتمتعة بوفرة الغذاء والحرارة، وأيضاً بانتشار الأمراض والأوبئة فى المناخات الحارة الرطبة.. مما يعنى أن أجساد من يعيشون فى هذه المنطقة توجه طاقاتها لجهاز المناعة بدلاً من المخ الذى يستهلك كميات كبيرة من الجلوكوز والأكسجين، فينشأ الطفل والفرد قوى البدن لكن قليل الذكاء مقارنة بأبناء البلاد الأبرد. وأيضاً بسبب الحرارة المتسببة فى الاوبئة قيل أن الدول الإفريقية قلما تتبنى نظاماً ديمقراطياً.. حيث يسعى الناس فى أوقات الشدة -والتى هى الوضع الطبيعى هناك- إلى البحث عن “فرعون” مُخلّص يحكم بقوة ويغلّب مصلحة الجماعة على الفرد فلا يهتمون بالحريات ولا الحقوق طالما وُجد حاكم حارس قوى يحميهم من الكوارث والحروب المتلاحقة.

أما عن تأثير ضيق المساحة والإزدحام فقد وُجد أن الجمال والمظهر الخارجى يكون أكثر أهمية فى التجمعات المزدحمة كالمدن الكبرى عن غيرها لأن سكانها يتعاملون مع عدد كبير من الناس لمدد قصيرة وبالتالى لا وقت لديهم للتعارف الحميم العميق فيكتفون بالإنطباعات الأولية. ومن تأثير الحياة فى المدن الكبرى كذلك زيادة الإنتاجية والجريمة معاً بسبب كثرة التعاملات.. فقد وُجد أن تضاعف سكان مدينة من المدن يؤدى لزيادة إنتاجية واستهلاك الفرد والإبتكار والإختراع بها 15% كمتوسط لكن أيضاً مع زيادة بنفس النسبة لمعدل الجريمة وانتشار الأمراض. وبالنسبة لنظرة الأفراد تجاه أنفسهم فهناك علاقة مباشرة بينها وبين مستوى المساواة فى ذلك المجتمع.. فكلما ازدادت المساواة فى الدخول كلما قل اعتقاد كل فرد بتميزه عن أقرانه وكلما قَل إهتمامه بأدوات المكانة الإجتماعية كالسيارات الباهظة والمنازل الفاخرة لعدم احساس الناس بحاجتهم لإثبات تميزهم عن الآخرين.

وتُعد رغبة الشعب فى الإتحاد أو التفكك نتيجة مباشرة للجغرافيا السياسية.. فكلما توسعت المملكة أو الدولة (عن طريق الإنتصارات العسكرية) كلما زادت رغبته فى الإتحاد، أما فى حالات الهزائم وتقلص مساحة الدولة فيميلون للإنفصال والتفكك أو إلى نبذ العادات الدينية أو الإجتماعية التى كانوا يتبعونها فى ذلك الوقت لترسخ أنها سبب فشلهم فى ذهنهم. وقد تبلورت هذه الرغبة فى مصر بعد هزيمة 1967 مثلاً بالتخلى عن النظام الإشتراكى بينما نجد فيتنام لا تزال اشتراكية حتى اليوم بسبب انتصارها على أمريكا فى صراع مشابه. والعكس كان فى حالة الإتحاد السوفيتى الذى تفكك جغرافياً بعد هزيمته فكرياً فى الحرب الباردة. ولاحظنا حديثاً ميل كثير من دول الإتحاد الأوربى إلى الإنفصال عن الإتحاد وقت “هزيمته” الإقتصادية وأزمة اليورو الكبرى فى أواخر 2011. والمثير فى الأمر أن الشعوب لا تنقصها التبريرات أبداً لتأييد فكر معين أو نبذه، لكن ما يوجه دفة اقتناعها فعلياً قبل الإتيان بالتبريرات هو مدى نجاح هذا الفكر فى تحقيق أهدافه عملياً. ولذا فعلى سبيل المثال نجد المسلمين أشد تديناً فى أحقاب الانتصارات العسكرية التى توسعت فيها الممالك والدويلات الإسلامية، والعكس صحيح فى أحقاب الهزائم التى يُفتن فيها أعداد كبيرة منهم بالمنهج الفكرى للعدو المنتصر، فقد تراخى تأثير الدين بشدة فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى بدايةً من القرن التاسع عشر وهو الوقت الذى ضعفت فيه الخلافة العثمانية ووثب عليه الأوربيون لاستعماره.

لا يملك المرء إلا أن يقف مشدوهاً أمام كل تلك الحقائق والتفسيرات.. فمن الواضح تماماً أن الإنسان كان ولم يزل يتشكل بالبيئة المحيطة به بدءاً من نظامه السياسى والاجتماعى إلى تكوينه الجسدى والعقلى تماماً كما تشكل يدُ النحات الطمى. وهذا إن بيّن لنا شيئاً فيبين قِصَر نظر المتسرع فى الحكم على التصرفات والطباع دون فهم أسبابها ودوافعها، ويجعلنا أكثر تواضعاً لإدراكنا أن تفكيرنا وقناعاتنا أقل حريةً واستقلالاً مما كنا نظن، وأننا كنا سنصير أشخاصاً مختلفين تماماً لو كنا وُلدنا فى هذا المحيط بدلاً من ذاك. كما يوضّح لنا مدى سذاجة مَن يتوقع مِن الناس تغيير سلوكهم وأخلاقهم دون تغيير أحوالهم.. فما نحن إلا إنعكاس لظروفنا كالمرآة التى تعكس وجه الناظر إليها حسُن أم قبُح.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أكتوبر 10, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

كيف يُقترن الذكاء والجمال والصحة والثروة عن طريق الجينات؟   6 تعليقات

متوسط ذكاء كل دولة

إذهب إلى أى منطقة راقية يا عزيزى القارىء وتمشى فيها قليلاً.. ثم ابدأ فى تأمل وجوه الناس
قيّم أول عشرة منهم من حيث الجمال (ذكوراً أو إناثاً لا يهم) على مقياس 1 إلى 10
والآن أعد نفس التمرين لأول عشرة تراهم من ساكنى منطقة عشوائية

بالتأكيد وجدت فارق -كَبُر أم صَغُر- فى الجمال بين الفريقين. ولكن ما سببه؟ لعله يكون اهتمام الفئة الأولى بنفسها أكثر من حيث هندمة الملابس وتصفيف الشعر. بالتأكيد هذا عامل. لكنه ليس العامل الأهم، فلو جعلنا الجميع يغتسلون ثم ألبسناهم نفس الملابس لاستمر الفارق..

تقول نظرية الإقتران الجينى أنه على مر الأجيال يحدث تزاوج بين الرجال الأثرياء والنساء الجميلات. وهذه قاعدة معروفة للجميع.. لكن لكى نفهم دلالتها فعلينا الإنتباه لملحوظتين إضافيتين، وهى وجود علاقة بين الثروة والذكاء، وأيضاً وجود علاقة بين الجمال والصحة. مما يعنى أن هناك علاقة ترابطية بين الثراء والذكاء والصحة والجمال. كيف ذلك؟

العلاقة الأولى بين الثروة والذكاء مفهومة، إذ أنه بطبيعة الحال سيكون الرجال الأذكياء أكثر ثراءاً -كمتوسط- لقدرتهم على الكسب بطرق أفضل من غيرهم. أما العلاقة الثانية بين الجمال والصحة فسببها أن الإثنين منبعهما الجينات الجيدة المتوازنة. فكلما كان التوزيع الجينى مثالياً كلما بَعُد عن التطرف فى أى صفة من صفاته.. فمثلاً المناعة المثالية ليست منخفضة وإلا أصيب الجسم بالأمراض، ولا عالية وإلا جارت على نصيب المخ من الطاقة. ونشاط الكبد المثالى ليس منخفضاً وإلا أصاب الجسد بالكسل والبلادة، ولا عالياً وإلا استهلك نفسه سريعاً. ونفس الشىء ينطبق على جمال الجسد من الخارج.. فلن تجد الأنف المثالى طويل ولا قصير.. ولن تجد المسافة المثالية بين العينين واسعة ولا ضيقة إلخ. وهكذا فالقاعدة العامة أن التشوهات الخلقية يصاحبها تشوهات صحية والعكس صحيح، إذ أن التطرف فى الجينات بصفة عامة يؤدى لمشاكل تنعكس فى الظاهر والباطن

ستستوقفنى وتقول لى مهلاً.. أنا أعرف استثناءاً لما تقول. أعرف شخصاً دميماً صحته جيدة وآخر وسيماً لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه. فضلاً عن معرفتى باثنين من الأغنياء الدميمين وثلاثة من الفقراء شديدو الجمال، ولدى صديق عبقرى لا يملك من حطام الدنيا شيئاً. وأقول لك لا مشكلة مطلقاً. فطالما أن هذه الحالات هى “إستثناء” فالقاعدة سليمة بالتعريف. كما أن القواعد الإجتماعية -لكونها شديدة التعقيد- فحسْبها أن تنطبق فى 51% فقط من الحالات باستمرار كى تحوز على لقب “قاعدة”. فهذا يعنى أنه بعد آلاف الأجيال ومع استمرار الغربلة فستكتمل عملية الإقتران هذه لأنه مع كل جيل تقل نسبة الإستثناءات وتزيد نسبة القاعدة ولو قليلاً. وكلما طفى استثناء فالقاعدة تقضى عليه سريعاً.. فلو وُلدت فتاة شديدة الجمال لأسرة فقيرة مثلاً فما هى إلا مسألة وقت (بضعة أجيال أو حتى جيل واحد) حتى “تُخطتف” هى ونسلها لصالح رجل ثرى وذكى، ولو وُلد فتى شديد الذكاء لأسرة متواضعة فسرعان ما سيستغل ذكاءه فى تنمية ثروته ليتزوج بامرأة لا تمت لأمه بأى صلة من الناحية الجمالية! بينما لو وُلدت فتاة قبيحة لأسرة ثرية فستبدأ هى وذريتها فى الإنحدار تدريجياً على مستوى السلم الإجتماعى، ولو وُلد فتى غبى لأسرة ذكية فلن يستطيع الزواج بالمرة أو على الأقل إن ساعده أبواه فلن يستطيعوا مساعدة أحفادهم وأولاد أحفادهم مما سيؤدى بهم مرة أخرى إلى نقطة التوازن التى يتناسب فيها الجمال مع الذكاء مع الثروة مع الصحة

والآن تعال نسترجع عوامل المنظومة الأولى: الذكاء والثروة والجمال والصحة، أما عوامل المنظومة الثانية فهى الغباء والفقر والقبح والمرض. وهاتان المنظومتان ليستا على المستوى الداخلى للمجتمعات فقط، بل تمتدان لتشكلان أمماً بأكملها. فنجد معظم الدول الشمالية تنتمى للمجموعة الأولى، بينما تنتمى الكثير من الدول الجنوبية خاصة الواقعة فى إفريقيا أسفل خط الصحراء للمجموعة الثانية. ولعل هذا يكون السبب الرئيسى فى الفجوة الحضارية بين المجموعتين والذى أدى للإستعمار ومشكلة القروض وفوائدها واختلال موازين التجارة ومختلف المؤثرات الدولية الأخرى. إضافة بالطبع إلى كثير من المشاكل الداخلية بداخل الأمة الواحدة كالصراعات الطبقية. فالمثير فيها أنها ترجع جميعها لبضعة قواعد وراثية واجتماعية شديدة البساطة

وعلى مستوى الأمم قد يختل التوازن لمدة عشرات أو مئات السنين قبل أن يعود لطبيعته.. فقد يُكتشف بدولة منخفضة الذكاء موارد طبيعية نادرة وثمينة مثلاً فيختل التوازن لبعض الوقت لحين نضوبها، أو قد تقبع دولة عالية الذكاء تحت الإحتلال أو الحرب فيختل التوازن لبعض الوقت حتى تنهض ثانية وهكذا

ولا يكتمل النموذج دون ذِكر آخر عامل فيه خاصة وأنه يُعرّض استمراره للخطر.. وهو وجود علاقة عكسية بين الذكاء والإنجاب. فإحصائياً وُجد أنه كلما زاد ذكاء الفرد كلما قل نَسله والعكس.. ولذا فالدول الذكية مثل اليابان والنرويج عندها أزمة قلة مواليد، بينما لا تزال تعانى معظم الدول النامية خاصة الإفريقية والهند من أزمة زيادة مواليد. ولذا فقد برز ما يمكن أن نسميه بحائط الهجرة، إذ تحاول الدول الشمالية جاهدة إقامة حواجز (رمزية) لتحمى نفسها من زحف الجموع الجنوبية التى إن فُتح لها الطريق للسفر فستجتاح الشمال بحكم كثرة عددها.. والعدد هو العامل الأهم تحت نظم الحكم الديمقراطية!

فمَن يعلم ما السيناريوهات المستقبلية التى سيرسمها استمرار هذا الإتجاه بعد مائة سنة وبعد ألف سنة.. فهل ستثور الأغلبية المطحونة وتنتزع أملاك الأقلية المرفهة بالسياسة؟ أم هل ستسيطر قلة قليلة من العباقرة على بلايين الدهماء بالتقنية والأسلحة الحديثة؟ أم هل ستحدث إبادات جماعية لأجناس وأمم بكاملها؟ لا أحد يدرى.. لكن أشد ما يثيرنى شخصياً فى كل هذا هو كثرة النتائج والتأثيرات المعقدة -قانونية وسياسية كانت أم صراعية وفكرية- التى تنبع من مجموعة محدودة جداً وبسيطة جداً من القواعد، والتى لا يدرك المتعاملون بها أنهم مع كل نظرة إعجاب وكل كلمة حب وكل زيجة وكل طفل بل وكل قرص منْع حَمل يكتبون سطراً جديداً فى مجلد القدر الذى يحركهم كقطع الشطرنج..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أكتوبر 3, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

الولاء للحدود   1 comment

لا يَرضى الإنسان عن نفسه إلا إذا أحس بأنه جزء من منظومة كبيرة تشمل مجتمعاً أو فكرة سامية تمتد خارج نطاقه الشخصى وتستمر بعد وفاته، وقد تجسدَت تلك المنظومة تاريخياً فى عدة أشكال سنستعرض بعضها اليوم، إلا أن أغربها على الإطلاق كانت فكرة طُرحت فى أواخر القرن الثامن عشر إبان الثورتين الأمريكية والفرنسية، وهى فكرة الولاء للدولة والمسماة بالقومية أو الوطنية. وتُعرَّف تلك الدولة بقطعة أرض تحيطها حدود، فمن وُلد بداخل تلك الحدود يكون من أبناء البلد، ومن وُلِد خارجها حتى ولو كان بأمتار قليلة فهو من “الأجانب”. وقد لخّص برنَرد شو تعريف القومية بكلمات وجيزة وحكيمة قائلاً “هى اعتقادك بأفضلية تلك الدولة عن كل الدول الأخرى لأنك ولدت بها!”

ويُخطىء من يتخيل وجود ذلك الولاء منذ الأزل، فهناك من الأدلة ما يعكس أن الشعوب القديمة “المُحتلة من قِبل الأجانب” لم يكن يعنيها أكثر من مدى عدل الملك الجديد ومستوى ضرائبه انخفاضاً وارتفاعاً.. فلم يكترث المصريون مثلاً لكون حكامهم الهكسوس “لم يشربوا من ماء النيل”، وملوك الصعيد سقننرى وكامس وأحمس الذين حاربوهم فعلوا ذلك -على الأرجح- بهدف الإنتقام والتوسع لتستعيد أسرتهم نفوذها على الوجه البحرى مرة أخرى ولم تكن “حرب تحرير” كما يحلو لنا أن نصورها. ولعل ذلك يفسر سبب حكم البطالمة لمصر طوال 300 سنة والرومان طوال 700 سنة قبل دخولها تحت مظلة الخلافة دون مقاومة أياً من تلك القوى ولا غيرها، فلم يكن يهتم أحد بجنسية الحكام لأن فكرة الإنتماء القومى لم تكن قد وُلدت أصلاً. وفى حجاز الجاهلية وسائر المجتمعات غير النهرية كان الولاء للعائلة أو القبيلة باعتبارها صلة دم ونسب، وفى أوربا الإقطاعية كان الولاء للدوق أو اللورد الذى يعمل الأقنان عنده. وإن جرينا بالزمن لأيام الدويلات والممالك الإسلامية سنجد أن “جنسية” الحاكم لم تكن واردة كذلك (بل إن الكلمة لم تُذكر فى المعجم بغير المعنى التناسلى)، حيث كان مدى شرعيته يتحدد بقدر تقواه الشخصية وإنتصاراته العسكرية و حُسن معاملته للرعايا.. فلم يعترض أحد فى مصر على صلاح الدين مثلاً لأنه “دخيل كردى” أو علَى محمد علِى باعتباره “عميل ألبانى”، اللهم إلا لاحقاً فى مقررات المناهج الكاذبة والأفلام التاريخية المزيفة بعدما أُشربت قلوبنا بمعتقد “الوطنية” الجديد الذى جاءنا به الخواجة فصرنا نطبقه ليس فقط على حاضرنا بل على ماضينا بأثر رجعى.

هذه هى الصور التى أخذها الولاء على مر التاريخ.. أما الولاء لرقعة من الأرض يتم تحديدها على أساس مدى نجاح الملوك القدامى فى فرض سيطرتهم على مساحة معينة مِثل توحيد مصر والنوبة على يد مينا أو توحيد السعودية على يد آل سعود أو حتى حدود رسمها المستعمر الأجنبى وأذنابه مِثل تلك الفاصلة بين مصر والسودان وبين العراق والكويت وبين إيران والبحرين وتفتيت الشام والمغرب العربى فهى فكرة غريبة -لدرجة السخافة- وطُبقت علينا وقتما طبقت إعمالاً لمبدأ فرّق تسُد. كما أن نفوذ ملوك مصر القدامى على سبيل المثال تغير تاريخياً عشرات المرات ليشمل الصعيد والسودان أحياناً وسيناء والشام وليبيا أحياناً أو ينكمش ليقتصر على الوادى فقط أحياناً أخرى، وما منا مَن لا تجرى فى عروقه أحد الدماء المختلطة من الأناضول شمالاً حتى النيل الأزرق جنوباً ومن الحجاز شرقاً حتى بدو الصحراء غرباً، فمن يمكنه تحديد الأبعاد الجغرافية للرقعة التى يجب علينا أن نواليها اليوم ولا نوالى سواها؟

المضحك المبكى أن الخواجة مخترع القومية شرع الآن بتخطِّى تلك المرحلة، فبدأ ولاء الأوربيين على اختلاف ألسنتهم وتاريخهم ومذاهبهم يتجه للقارة بأسرها على ما تواجهها من أزمات اقتصادية، وولاء الغربيين عموماً يتجه للتحالف الصليبى الجديد شديد البأس “حِلف النيتو” متمثلاً فى كتلة أمريكا وأوربا، بينما لم يزل العرب والمسلمين غارقين فى مستنقع الوطنية كما كان الأوربيين فى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فمازلنا نتبرأ من بنى جلدتنا وإخواننا فى الدين واللغة والثقافة والتاريخ على أساس مكان الولادة وألوان العلم وأنغام النشيد. فإن احتل أحد فلسطين أو أفغانستان فهذا ليس شأنى لأننى “مصرى”، ولا أقبل أن يحكمنى سورى أو أردنى -أو حتى مصرى ذو أب سورى أو أم أردنية- باعتباره “أجنبى”.. وهذا أشبه بأحد يحتل الإسكندرية فأقول هذا ليس شأنى مادام لم يهدد القاهرة أو أرفض أن يحكمنى منوفى على أساس أنه “ليس قاهرياً”.

إن القومية تنسلخ اليوم من صورتها اللامعة لتظهر على حقيقتها كفكرة بالية لامنطقية من مخلفات الماضى عفى عليها الزمن، وقد حان وقت تحررنا منها للأبد فى زمنٍ يتحول فيه العالم شرقاً وغرباً لاتحادات متماسكة حتى خطَت أمريكا الجنوبية على درب أختها الشمالية مقتربة من إنشاء اتحاد يلم شملها، وأمست أوربا على مشارف إختيار رئيساً لها فضلاً عن وحدتها العسكرية والتجارية والتنقلية من قبل. وها هو قد نهض التنين الصينى وانطلق النمر الهندى وتعافى الدب الروسى وحلَّق الصقر الأمريكى والتفّت النجوم الأوربية فى عصر التكتلات العملاقة الذى يُداس فيه الأقزام، بينما ظلت أمتنا مبعثرة يلفح كل فرقة من أبنائها الغرور الطفولى والتفاخر الكاذب.. فإلى متى؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted سبتمبر 26, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات

الغزو الثقافى.. كيف تُمحى الأمم بلا حروب؟   3 تعليقات

ثمة إختلاط فى المفاهيم لدى البعض بين فكرتَىّ النصر العسكرى والنصر الحضارى، لكن الفارق بينهما يتضح جلياً على مر التاريخ فى مناسبات عديدة.. فنجد مثلاً أن شعوباً مثل الهكسوس والرومان والفَيكنج والمغول انتصروا عسكرياً على أعدائهم من المصريين والمسيحيين والفرنسيين والمسلمين (بالترتيب)، إلا أنه عادةً ما تأثر هؤلاء المنتصرون حضارياً أو لغوياً بل ودينياً بالمهزومين رغم أن العكس هو المتوقع.. فنجد أن المغول تحولوا للإسلام خلال حوالى قرنين من تفكك دولتهم، وأن الهكسوس تشبهوا بالفراعنة فى لباسهم وعاداتهم وقدموا القرابين للآلهة المصرية حتى أطلقوا على أنفسهم “أبناء رع”، وأن المسيحية إنتشرت إنتشاراً واسعاً فى الإمبراطورية الرومانية قُدِّر بعُشر السكان وقتما كان المسيحيون مضطهدون حتى صارت النصرانية فى النهاية -بعد تعديلها قليلاً لتوائِم المعتقدات الوثنية- هى دين الدولة الرسمى، وأن الفَيكنج ذابوا تماماً فى مقاطعة نورمندى حتى لم يعد بإمكانك التفرقة بين الغزاة وسكان الأرض الأصليين بعد جيلين من الغزو.

إذاً فالنصر أو الهزيمة العسكرية لا يعكسان بالضرورة مدى نجاح الأمم أو المذاهب الفكرية.. فقد يغيِّر قائد ماهر أو سلاح جديد أو جاسوس ذكى نتائج المعركة والحرب رأساً على عقب، ومن ثَم فلا يمكن إعتبار نتائج تلك المعركة دليلاً على التفوق الحضارى ولا يمكن الإعتداد بنتائج تلك الحرب كنهائية باستثناء حالات الإبادة الشاملة، بل هو عمق وثقافة الأمة ونتاجها الفكرى وما تملك أن تقدمه للبشرية من أسلوب أفضل للحياة هو الذى يحدد الباقى من عمرها ومدى تأثيرها على الآخرين بغض النظر عن النتائج العسكرية.. فمثلاً تقترب قوة الصين العسكرية من أمريكا، لكن لن يجادل أحد أن تأثير ثقافة الأخيرة أقوى مئات المرات على مستوى العالم من الأولى نظراً لما نتنجه من أفلام وإختراعات وأسلوب حياة متكامل بدءاً من نظام الحكم والعلاقات بين الجنسين وصولاً للبنطلون الجينز وساندوتش الماك ورقصة الرُك.

وهذا يعيدنا للمقارنة القديمة بين “السيف والقلم”، وأيهما أقوى أثراً وأكثر توغلاً لإحكام سيطرة أمة من الأمم على خصومها؟ وفى ضوء المعطيات التاريخية تعتمد الإجابة على الهدف من التنازع.. فلو كان المطلوب هو بسط النفوذ على مناطق حساسة كسيطرة الإنجليز على قناة السويس أو سيطرة اليهود على فلسطين أو سيطرة الأمريكان على العراق مثلاً فلا شك أن السيف أفتك من القلم فى المراحل الأولى على الأقل. أما إذا كان الهدف هو البقاء والإستمرار على المدى الطويل الذى قد يمتد لمئات أو آلاف السنين فالواضح -أيضاً من المشاهدات التاريخية- أن الجنود لا يكفون لتحقيق ذلك الغرض.. فلم نسمع عن دولة ظلت قوية لألف سنة متصلة مثلاً، وذلك بعكس لغات وأديان وتقاليد عريقة عاشت لآلاف السنين وحتى وقتنا الحاضر رغم الصعود والهبوط المتكرر لحاضنيها.

والحضارة أو الثقافة أو الهوية هى أول ما تستهدفه الفئات النابهة عند فرْض سيطرتها.. فنجد العلمانيون فى تركيا مثلاً إهتموا بالتخلص من الطربوش وإستبداله بالقبعة الأوربية فور سقوط الخلافة، كما تم منع المحجبات والملتحين من دخول المبانى الحكومية، ونجد أن الإستعمار الفرنسى وجه طاقاته فى سبيل “فَرنَجة” لسان الجزائريين وطمس تاريخهم العربى والإسلامى كى لا يبقى لهم إنتماء إلا لفرنسا، ونجد فى العراق بعيد الغزو إفتتاح فرع لمطعم كنتاكى فى الفلوجة التى كانت قلب المقاومة وأحدّ شوكة فى حلق الإحتلال. ولاحظ أنه لا يمكن لتلك الرموز -أى المظهر الخارجى واللغة والطعام وغيرها- أن تنتصر وتسود إلا بتشجيع من الشعوب عن طريق تبنى ذلك المظهر وتحدث تلك اللغة وإعتياد ذلك الطعام، لأنه يَصعب إن لم يكن يستحيل إجبار الناس عليها بالقوة. وهذه الرموز الأجنبية إما أن تبقى بعد رحيل الجيوش إن أُشربت قلوب الناس بها فسمحوا لها بإحلال محل عادات آبائهم وأجدادهم، أو أن ترحل مع رحيل آخر جندى إن رفضها الشعب.. فتقبُّلها أو مقاومتها إذاً هو الذى يُشكِّل حضارات الأمم على المدى البعيد.

ما يعنينا من تلك المقارنة بالطبع هو الوضع الحالى لأمتنا المنهارة على المستويين العسكرى والثقافى.. فإن كنا لا نستطيع كشعوب تغيير واقعنا العسكرى المرير فلا أقَل من محافظتنا كأفراد على بعضاً من هويتنا الثقافية المتمثلة فى الدين واللغة والملبس والتقاليد، وقد تدهور مستوى التمسك بتلك العناصر فى بلادنا إلى درجات غير مسبوقة. فماذا تُكتب معظم واجهات المحلات والشركات بلغات أجنبية حتى لا تكاد تعرف أأنت فى القاهرة أم فى نيويورك؟ علماً بأن جميع زبائنها تقريباً من العرب. وما الهدف من طباعة المطاعم لقوائم المأكولات بلغات أجنبية بما فى ذلك الإيطالية التى لا يعرفها أحد علماً بأنه لم يطء إيطالى واحد المطعم بقدمه منذ إفتتاحه؟ وما الداعى لرد بعض الموظفين على الهاتف بالإنجليزية حتى إن كانوا لا يحسنونها علماً بأن كل المتصلين تقريباً من العرب؟ وما سبب إشتراط أصحاب الأعمال إجادة لغة أجنبية للتعيين مع العلم بأن جل بل كل تعاملهم هو مع عرب؟ وما الحكمة وراء إستخدام الشباب لكثير من الإصطلاحات الأجنبية التى لها بدائل فى لغتنا بدلاً من لغتهم الأم؟

ولا يطالبهم أحداً بإستخدام كلمة “حاسوب” بدلاً من “كمبيوتر”، لكن ماذا عن “شكراً” التى إستبدلتها “مِرسى” أو “مع السلامة” التى فتكت بها “باى”؟ وهل رأيت طيلة حياتك أجانب يتحدثون بالعربية أو أى لغة غير لغة بلدهم أو يكتبون أسماء محالهم بالعربية فى بلادهم؟ بل إن الخارجية الأمريكية لم تعد تشترط على معظم مبعوثيها فى الشرق الأوسط إجادة العربية لأنه كما يبدو يتحدث أهل تلك المنطقة الإنجليزية أفضل منهم. وتَعَدى الأمر ليضرب أعمق هوية للإنسان وهى إسمه، فكثير من بناتنا الآن يحملن أسماءاً لاتينية مستوردة لا يعلم أهاليهن معانيها بل ولا يقدرن حتى على نطقها نطقاً صحيحاً.. فأى مهانة تُهانها أمَّة بعد ذلك؟

وقد تعرضْت شخصياً منذ عدة سنوات لموقفَين فى منتهى السخافة بمصر، إذ تم طردى ذوقياً من مطعم بمنطقة راقية لارتدائى جلباباً، وتكرر نفس الشىء على بوابة النادى الذى أشترك به. وقد أفاد رئيس مجلس الإدارة لاحقاً عندما ناقشته بأن هذا زِىّ “بلدى” ولا يمكن السماح به فى نادى راقى، وكأن “بلدى” قد صارت سبة وعار نحاول التملص منه مجتهدين لتحويلها إلى “بلدهم”.. ويا ليتنا نفعل ذلك بإقتباس المبادىء المحترمة منهم -والتى سبقناها إليهم يوماً- بل يقتصر التقليد على المظاهر الخارجية التى تغتال الهوية وحسب. فنحن لا نتحدث عن تبنى وسيلة صناعية حديثة أو شراء ساعة ألمانية أفضل أو أرخص من نظيرتها المحلية، بل نتحدث عن إرتداء قطعة قماش يمكن تفصيلها على أى شكلٍ كان، فما الضرر البالغ من إرتداء الشكل الذى تَوارثناه عن أجدادنا من وقت لآخر ولو على سبيل التغيير بدلاً من الشكل التى يرتديه الأجانب؟ وما العيب بالرغبة فى الإختلاف المظهرى لإبراز الإنتماء لثقافة إسلامية أو عربية أو شرقية؟ وهل صار التمسك بالجذور تهمة ومحلاً للإنتقاد؟ هل فقدنا إحترامنا لأنفسنا وغدونا نقدس كل ما يأتينا من الخارج ونحتقر كل ما ينبع من الداخل إلى هذا الحد؟

فى النهاية نقول أننا نحن الذين بحاجة لتلك الموروثات وليس العكس، لأنها بموتها تموت كرامة الأمم وتُمحى بصمتها من الدنيا بتحَوُّلها إلى مسوخ مشوّهة لا طالت شرقاً ولا حصّلت غرباً. أما الجيوش الجرارة والهزائم المريرة فتلك يداولها الله بين الناس ولا تشكل خطراً على الثقافات، فلن يَنزع هدير الطلقات ولا إنفجار القنابل ولا أزيز القاذفات هوية شعباً ولا هوية أطفاله، بل ينزعها هو بيده.. أو يبقى عليها إن شاء.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted سبتمبر 16, 2012 by حسام حربى in طبيعة المجتمعات