Archive for the ‘علم نفس’ Category

جيناتك هى قدَرك   3 تعليقات

يُعتبر هذا المقال استكمالاً لسابقه المعنْوَن “الظروف تحركنا كما تحرك الخيوط العرائس” لكنه يركز على الجانب الجينى أو الوراثى فى تحديد طباع الإنسان وشخصيته بدلاً من العوامل اليومية التى توجّه سلوكه المباشر. وهذه النقطة وإن كانت شديدة الحساسية لدى كثيرين لتنافيها مع فكرتهم عن الحرية ورغبتهم فى الإستقلالية إلا أنها أيضاً شديدة الإثارة لكونها تمثل تقاطعاً بين الدين والفلسفة والعلم.. فهى من الأشياء القليلة التى اتفق ثلاثتهم عليها تحت مسميات شتى سواءاً كانت “القضاء والقدر” أم “الحتمية” أم “علم الأعصاب والوراثة”

ولا يمكن القول بأى حال من الأحوال باكتشاف العلم لجديد لم يفطن له الناس منذ آلاف السنين حين يُنبه لتدخل الجينات فى تشكيل شخصياتنا . فالحكمة القديمة والتى يُصنفها بعض الفقهاء على أنها حديث ضعيف تقول “تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس”.. مما يعنى أن الناس منذ عهد الإسلام بل وقبله كانوا يعلمون جيداً بأن الإنسان ليس حر الطباع، وأنه -مثله مثل الحيوانات وسائر المخلوقات- يولَد بحزمة من الصفات النفسية التى يصعب عليه جداً إن لم يكن يستحيل تغييرها مثلها مثل الصفات الشكلية، ولذا فكانوا ينصحون بعضهم بعضاً بانتقاء زوج أو زوجة من سلالة حسنة لزيادة احتمال ظَفْر أبنائهم بطباع حسنة كوالديهم

واليوم أود مشاركة القارىء العزيز فى مجموعة من الاكتشافات العلمية الحديثة التى لم أزل أجمعها بشغف واحداً تلو الآخر والتى تُبيّن كيف ترسم الجينات طريق حياتنا من المهد إلى اللحد. فمن ضمن الأشياء التى ترثها منذ مولدك، بل وبعضها يتحدد حتى قبل مولدك بتسعة أشهر لحظة اتحاد حيمن أبيك ببويضة أمك هى..

-حبك للكسل أو للنشاط[1]
-حبك للنوم والإستيقاظ مبكراً أو السهر طوال الليل[1ب]
-طول عمرك أو قصره (ولذا فهناك عائلات معروفة بالتعمير)[2]
-80% من مستوى ذكاءك (بافتراض حُسن التغذية والظروف)[3]
-الإنحياز السياسى من حيث الميل للتجديد (الفكر التقدمى) أو الميل للتمسك بالثوابت والخوف من التغيير (الفكر المحافظ)[4]
-مستوى التطرف فى هذا الإنحياز.. فهل تدافع عن فكرك وحزبك المفضل بشراسة أم لا؟[5]
-مدى إنسياقك للضغوط الإجتماعية واتباع التيار السائد (يسببه كمية “المادة الرمادية” فى المخ، وبلوغها لمستويات معينة تجعل مخالفة الرأى المحيط بالفرد أمراً شديد الصعوبة والعكس)[6]
-نسبة مِن مدى انحيازك لمصادقة أناس ذَوو طباع معينة والابتعاد عن آخرين ذَوو طباع أخرى[7]
-الميل للإنطوائية أو للإنفتاح على الآخرين[8] (أحد أسبابه قلة نشاط المخ لدى الإنطوائيين عند التواجد بصحبة الناس بعكس الإجتماعيين)
-معدل إفراز الأُكْسِتُسين “هرمون الثقة” والذى تجعلك كثرته أَلوفاً سريع الثقة فى الغرباء وتجعلك قلته لا تطيقهم ريبة وشكاً[9] وقد نجح العلماء بالفعل فى جعل المتطوعين يثقون أكثر فى الآخرين عن طريق رَش جرعة صناعية منه فى أنوفهم[10]
-مستوى تعاطفك مع آلام الآخرين[11] (يسببه كتلة أعصاب خاصة فى المخ إسمها “أعصاب المِرآة” تُشعرك بنفس الألم الذى يَشعر به من تراهم يعانون فتهرع لمساعدتهم لتخفيف ذلك الألم الذى لا يُطاق عندك)
-نسبة عالية من مستوى سعادتك ورضاك عن حياتك[12] (وقد تكلمنا فى مقال سابق عن الفائدة البيولوجية لعدم الرضا وقلة القناعة، فالمخ المثالى يخلق توازناً بين الحالتين)
-مستوى التدين والميل للروحانيات[13]. وقد وُجد أن التوائم ذَوو الجينات المتطابقة الذين يتم فصلهم عند الولادة ليعيشوا مع أسر مختلفة يكبرون ليكونوا بنفس مستوى التدين بنسبة كبيرة[14] (ويوافق هذا الحديث القائل: خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا ، و خلق فرعون في بطن أمه كافرا[15] وأحاديث أخرى كثيرة بنفس المعنى)
-الميل للسلوك الإجرامى من عدمه[16][17][18][19]، حيث يُمكن الآن التنبؤ عند بلوغ الأطفال سن ثلاث سنوات فقط مَن منهم سيكون مجرماً عندما يكبر[20] (ويتبع ذلك إدمان الخمر والمخدرات لأنها حزمة صفات خاصة بالقدرة على التحكم فى النفس.. وهذا يشرح سبب كون كثير من المجرمين مدمنين فى ذات الوقت)
-احتمال ارتكابك لجريمة قتل[21] (له جين معين إسمه العلمى MAO-ِA وتم نعته بـ”جين القتل”)
-إدمان القمار[22] (يسببه نقص هرمون النُربَينفرين.. ولذا يمكن معالجة مدمنى القمار كيميائياً ليقلعوا عنه)
-مستوى هرمون التستسترون “هرمون الرجولة”، مما يحدد مدى رغبتك فى الجنس وقدرتك عليه، وتشوقك للتنافس والإرتقاء فى المكانة الإجتماعية، وإلى حد كبير مستوى ميلك للعنف والصراع أو نفورك منهما[23]
-الميل للشذوذ الجنسى من عدمه[24] (وُجد أن سببه جين يساعد النساء على الخصوبة لكنه حين يتواجد فى الرجال بجعلهم أكثر أنوثة مما قد يصيبهم بالشذوذ)
-مستوى الإنحلال أو التسيّب الجنسى والذى يشمل الخيانة الزوجية[25] (وسببه زيادة مستقبلات هرمون اللذة “الدُبَمين” فى المخ مما يجعل التحكم فى النفْس شديد الصعوبة ويجعل صاحبه سريع الملل ساعياً للتغيير المستمر، ونسبته تكون أعلى فى سنوات الطفولة والمراهقة وأخفض عند الشيخوخة)
-حزمة طباعك كلها بشكل عام خاصة القدرة على الإلتزام والتحكم فى النفس لأنها ذات صلة بهرمون السِرَتُنين، حيث وُجد أن قدرة الإنسان على التحكم فى النفس مقارنة بأقرانه فى نفس سنه لا تتغير تقريباً منذ الطفولة وحتى الوفاة[26][27]. وقد وُجد كذلك أن التوائم الذين يتم فصلهم عند الولادة ليتربوا مع عائلتين مختلفتين يكبرا ليكونا بنفس الشخصية تقريباً -لدرجة حبهما لنفس الأطعمة- مما يدل على أن اليد العليا فى تشكيل الشخصية للجينات وليست للتربية[28][29]

إنها قائمة مخيفة أليس كذلك؟ هل تشعر أنك آلة بعد؟

لكنها تطول باستمرار.. فهذه الاكتشافات على كثرتها تمثل مجرد خدش فى قشرة علوم الوراثة لأن علم الجينات الحديث بدأ بالكاد منذ 60 عاماً، وكثير من هذه المعلومات عُرفت فى الـ10 سنوات الماضية فقط. ولك أن تتخيل ما تحمله المائة عاماً المقبلة من معرفة وتفاصيل عن كيفية عمل الجينات والأعصاب والهرمونات وتأثيرها على حياتنا وطبائعنا وسلوكياتنا. وهذه المكتشفات ليست للفضول فقط بل لها تبعات تطبيقية جسيمة.. فهناك مِن العلماء فى الغرب مَن ينادى الآن بإلغاء نظام السجون العقابى مثلاً باعتباره نظاماً بدائياً ساذجاً واستبداله بمصحات نفسية لأن المساجين فى الحقيقة مَرضى وليسوا مجرمين. بل وهناك من يدعو لتحليل الحمض النووى فور الولادة لتحديد من سيتسبب فى مشاكل للمجتمع عندما يكبر لمعاملته معاملة مختلفة أو حتى التخلص منه واستبداله بطفل آخر أكثر ملاءمة

وباختصار فعلم الوراثة يدعو للتخلص من فكرة “الصواب” و”الخطأ” باعتبارها فكرة قديمة وساذجة بعدما وُجد أن خيارات البشر الحقيقية محدودة أو غير موجودة أصلاً، ثم التحوّل لطريقة تفكير أكثر عملية وتفهماً. وتطبيق هذه الأفكار قد لا يرى النور قبل عشرات السنين لاعتبارات سياسية دِمَجوجية لسهولة اتهام أصحابها بالعنصرية والظلم (الدِمَجوجية تعنى إرضاء الجماهير والدهماء بإعطائهم ما يريدون حتى لو كان خاطئاً)، لكن ظنى الشخصى أنها ستكون واقعاً ملموساً خلال مائة سنة مع تثبيت أقدام العلم فى عقول عامة الناس يوماً بعد يوم إضافةً إلى زيادة الوعى الدينى والفلسفى بفكرة القضاء والقدر أو الحتمية، حيث أن لكل شىء يحدث سبباً أدى لوقوعه -عُلِم أم لم يُعلَم- ولذا فلا يوجد لدى أجزاء الكون المختلفة من جماد أو أحياء قدرة اختيار بالمعنى الحقيقى، بل الكل يسير وفق خطة محكمة لا يمكن الخروج عنها وما تكلمنا عنه تواً ليس إلا مثال لكيفية عمل هذه الخطة فى البشر

المثير بل والمضحك هنا هو شعورنا رغم كل ذلك بأننا أحرار. فلا يُرجع ذو الشخصية المنفتحة مثلاً انفتاحه لارتفاع معدل الأكستسين لديه.. ولا يتخيل أننا لو قللناه باستخدام عقار لصار إنساناً صعب المراس قليل الإحتمال للآخرين. ولا يُعزى ذو الرغبة الجنسية العارمة ذلك ببساطة لارتفاع التستسترون لديه والتى يمكن خفضه بعقاقير كيميائية (كالتى تُستخدم فى حالات التحول الجنسى) بل يظنها صفة لازمة له وجزءاً لا يتجزأ منه. ولا يظن الكسول نفسه كسولاً لأن به خللاً وراثياً يهدف لتوفير الطاقة والطعام.. بل يظل يلوم نفسه ويظل يلومه أقرانه على قلة نشاطه وكأنه اختار هذا الطبع ويستطيع تغييره بضغطة زر. ولا يدرك الكريم العطوف أن كرمه وعطفه يرجعان لزيادة نسبة أعصاباً عاكسة فى مخه تتسبب فى إيلامه حين يرى شخصاً أو حيواناً يتألم.. وأننا إن نزعناها منه بعملية جراحية فسيتحول إلى وحش منعدم الضمير كالذين كان يلومهم ويستنكر عليهم بالأمس. لا يدرك أحد أنه مجرد مجموعة المواد الكيميائية والومضات الكهربائية المتفاعلة التى تخلق فيه الرغبة وضدها ثم تتركه يختار -أو يظن أنه يختار- أيهما أقوى ليغلبها على الأخرى

ولذا فإن قراءتنا عن هذه المكتشفات وتفكرنا فيها شديد الأهمية لتغيير الأفكار البدائية والإنتقال للمرحلة التالية من الوعى الشامل، وذلك كى نفهم الأسباب والمسببات على حقيقتها ثم نحاول تغيير الواقع بإيجابية وعملية بدلاً من التفرغ للعتاب والعقاب والمحاسَبة والمقارنة. وأحد مميزات ذلك هى دفع الكثير من الناس -وأحدهم كاتب هذا المقال– ليكونوا أكثر سعةً للصدر وتفهماً للإختلاف واستيعاباً للفروق.. بقدر المستطاع الذى تسمح لهم جيناتهم به!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر:
[1]http://www.telegraph.co.uk/health/healthnews/7979966/Born-lazy-how-genes-dictate-our-love-of-exercise.html
[1ب]http://news.nationalgeographic.com/news/2008/01/080126-sleep-genes.html
[2]http://www.aljazeera.net/Home/GetPage/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/71b7cf54-eec5-4e1a-92e3-984b60a82b85
[3]http://www.macalester.edu/psychology/whathap/ubnrp/intelligence05/Rnature.html
[4]http://www.telegraph.co.uk/science/science-news/8228192/Political-views-hard-wired-into-your-brain.html
[5]http://www.psychologytoday.com/blog/the-scientific-fundamentalist/200809/the-50-0-50-rule-in-action-partisan-attachment
[6]http://psychcentral.com/news/2012/02/21/brain-region-linked-to-social-conformity/35087.html
[7]http://www.bbc.co.uk/news/science-environment-12207954
[8]http://www.livescience.com/culture/extroverts-faces-meaningful-100817.html
[9]http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/22347177
[10]http://www.economist.com/node/4032629?story_id=4032629
[11]http://www.sfn.org/index.aspx?pagename=brainBriefings_MirrorNeurons&print=on
[12]http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1384111/The-happiness-gene-determines-happy-are.html
[13]http://www.csmonitor.com/2004/1129/p18s01-hfcs.html
[14]http://www.newscientist.com/article/dn7147
[15]صحيح الجامع للألبانى 3237
[16]http://www.byronkho.com/criminality.doc
[17]http://arstechnica.com/science/news/2011/02/thoughtcrime-the-ethics-of-neuroscience-and-criminality.ars
[18]http://shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=03102011&id=1c1d02e6-f537-4514-9c5b-dad030516628
[19]http://www.livescience.com/13083-criminals-brain-neuroscience-ethics.html
[20]http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1350314/Scientists-identify-spot-future-criminal-age-THREE.html
[21]http://www.statepress.com/2011/04/26/professor-looks-into-use-of-murder-gene%E2%80%99-in-justice-system/
[22]http://www.netplaces.com/addiction-recovery/gambling-addiction/its-just-entertainment.htm
[23]http://www.abc.net.au/science/slab/testost/story.htm
[24]http://www.livescience.com/health/080617-hereditary-homosexuality.html
[25]http://fyiliving.com/research/promiscuity-may-be-genetic
[26]http://www.bakadesuyo.com/are-we-fundamentally-the-same-person-from-chi?c=1
[27]http://www.ted.com/talks/joachim_de_posada_says_don_t_eat_the_marshmallow_yet.html
[28]http://lornareiko.wordpress.com/2009/10/08/identical-twins-who-were-separated-at-birth-what-are-they-like/
[29]http://www.collegetermpapers.com/TermPapers/Science/twins_and_genetics.shtml

Advertisements

Posted أبريل 6, 2012 by حسام حربى in علم نفس

الظروف تحركنا كما تحرك الخيوط العرائس   4 تعليقات

يظن نفسه ملكاً.. ولا يعرف أن خيوطاً تحركه

هل تمنيت يوماً شيئاً دون أن تعرف لماذا؟ أو ربما كنت تحب طعاماً معيناً أو شخصاً معيناً ثم وجدت نفسك لا تطيقه فى فترة من الفترات دون أن تعرف لماذا؟ أو استيقظت فى يوم وأنت سعيد أو تعيس دون أن تعلم لماذا؟ فى الحقيقة لا شىء يحدث للآلة البشرية بدون سبب سواءاً علمنا به أم لم نعلم.. وأستخدم لفظ “الآلة” هنا  عامداً لأن جسدك فعلاً ما هو إلا آلة، ودور العلم هو الكشف عن خبايا تلك الآلة لفهم كيفية عملها وأماكن الأزرار التى تُضغط كى تقوم الآلة بفعل معين أو تمتنع عن فعل معين. وقد أذهلتنى مجموعة من التجارب والإكتشافات الحديثة عن السلوك البشرى وكيفية التأثير عليه حتى أنى جمعتها سوياً كى لا أنساها وأضيف إليها باستمرار أى إكتشاف جديد فور القراءة عنه. ومن الأمثلة المذهلة المكتشَفة حديثاً لسهولة التأثير على وعى الإنسان ورغباته تشمل:

-هناك دواء يمنع إفراز هرمونات الحب![1]
-ينجذب الرجال الجائعون للأنثى ممتلئة الجسم![2]
-إصابة الرأس بمنطقة معينة تجعلك أكثر ميلاً للعنف![3]
-قراءتك لكلمات عدائية يجعلك أكثر ميلاً لكره من تقابله بعد قراءتها![3ب]
-ينجذب الرجال للأنثى التى ترتدى الأحمر أكثر من التى ترتدى أى لون آخر[4]
-إغلاق عينيك عند تخيل جريمة معينة يجعلك أكثر صرامة فى الحكم على الجانى
-وضع مغناطيس بجانب جزء معين من الرأس يغير حكمك بشأن أخلاقية بعض الأفعال!![4ب]
-عند التفكير فى رقم “عشوائى”، تختار رقماً أكبر إن كنت تنظر جهة لليمين[4ج]
-ترتفع نسبة جرائم القتل وحالات العصيان المدنى والعنف المنزلى فى الأيام الحارة[5]
-إصابة جزء معين من المخ فى “الفص الجبهى” يجعلك أكثر ميلاً للروحانيات[6]
-يكون الإنسان أكثر قابلية لتنفيذ التعليمات التى تُقال له فى أذنه اليمنى عن اليسرى![7]
-القاضى الجائع أقل إحتمالاً للموافقة على الإفراج عن سجين لوضعه تحت المراقية![8]
-تنخفض معدلات الإنتحار فى المدن التى يوجد فى مياه شربها نسبة عالية من عنصر الليثيَم[9]
-بروز ورم صغير أو إصابة فى أجزاء معينة من المخ يُفقد الإنسان السيطرة على غرائزه الجنسية أو يغيرها[10]
-لو أنك كطفل سمعت صوت جرس عال جداً كلما رأيت حيواناً معيناً فستكبر لتمقت هذا الحيوان بشدة
-الجالسون على مقعد ناشف لا يغيرون رأيهم بسهولة أثناء التفاوض بعكس الجالسون على مقعد طرى![11]
-المدرس الذى يصحح ورقة الإجابة ممسكاً بقلم أحمر يكون أكثر قسوة فى التصحيح مما لو أمسك بلون آخر![12]
-إذاا أٌصيب الرجل ببكتيريا تسمى جوندل تكسو يكون أكثر غيرة، وإذا أصيبت بها المرأة تكون أكثر خلاعة وإستهتاراً![13]
-رؤية سلعة معينة بجانب أخرى مشابهة لها أغلى ثمناً يجعلك تعتقد أن الأرخص ثمناً “لُقطة” حتى لو كان الإثنان باهظتان![14]
-شُرْب سائل مُرّ عند الحكم على موضوعٍ ما تراه منفراً يجعلك تراه أكثر نفوراً منه بعكس ما لو شربت سائل حلو أثناء الحكم عليه!
-تتعاطف وتتفاعل أكثر مع المآسى الفردية عن الجماعية.. فقد تبكى عند سماع قصة طفل معاق وتتصدق عليه لكنك لا تأبه إن سمعت عن قرية كاملة من المعاقين![15]

هذه الإكتشافات ومثيلاتها يستغلها التجار فى كيفية رَص البضائع فى محالهم مثلاً كى تشترى أكبر كمية ممكنة، ويستغلها المرشحون فى الغرب ليدفعوا الناخبين لإختيارهم، ويستغلها محترفو التفاوض فى المجالات السياسية والتجارية لإحراز أكبر قدر من النجاح فى مفاوضاتهم مع الخصم. هذه المكتشفات تجعل الإنسان أكثر تواضعاً.. إذ تكسر فيه غروره بالإستقلالية، وهى فى ذات الوقت مقلقة جداً من حيث نطرة الإنسان لنفسه ولوعيه. فإن كان من الممكن التلاعب برأيى تجاه موضوع أو شخص معين باستخدام شىء تافه كلون القلم أو إتجاه العين أو نوع المقعد أو طعم المشروب أو قطعة مغناطيس.. فمن أكون؟ وهل لدىّ حرية حقيقية فيما أختاره أم أن الحرية مجرد وهم حيث أن كل شىء يحدَّد سلفاً فى اللاوعى بإشارات كهذه؟ أسئلة صعبة وعميقة وأترك القارىء يجيب عليها بنفسه.. بعدما يغششه عقله الباطن الإجابة!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.bakadesuyo.com/are-there-drugs-that-kill-love
[2]http://hotair.com/archives/2006/07/28/science-hungry-men-prefer-fat-women/
[3]http://ns.umich.edu/htdocs/releases/plainstory.php?id=8423
[3ب]http://trendingsideways.com/index.php/how-impressions-shape-the-world-you-live-in/
[4]http://www.sciencedaily.com/releases/2008/10/081028074323.htm
[4ب]http://www.livescience.com/8183-morality-altered-brain-stimulation.html
[4ج]http://www.sciencedaily.com/releases/2011/11/111108133053.htm
[5]http://theweek.com/article/index/217604/does-hot-weather-really-fuel-violent-crime
[6]http://www.tgdaily.com/parietal/48383-brain-damage-makes-people-more-spiritual
[7]http://thegistmagazine.wordpress.com/2011/03/16/talk-to-the-right-because-the-left-isn%E2%80%99t-listening/
[8]http://abcnews.go.com/Health/MindMoodNews/hungry-judges-grant-parole/story?id=13347415
[9]http://www.newscientist.com/blogs/shortsharpscience/2009/05/lithium-in-drinking-water-has.html
[10]http://www.theatlantic.com/magazine/archive/2011/07/the-brain-on-trial/8520/
[11]http://blogs.scientificamerican.com/observations/2010/06/25/hard-chairs-drive-hard-bargains-physical-sensations-translate-to-social-perceptions/
[12]http://www.miller-mccune.com/blogs/when-grading-papers-red-ink-may-mean-lower-scores-15809/
[13]http://www.psychologytoday.com/blog/love-sex-and-babies/201107/could-parasite-take-over-our-minds
[14]http://www.mint.com/blog/how-to/price-anchoring/
[15]http://bigthink.com/ideas/20759

Posted يناير 21, 2012 by حسام حربى in علم نفس

تعال نكتشف برنامج جسدك   1 comment

قد يبدو لك حراً.. لكنه لا يملك سوى إتباع الأوامر التى بُرمج بها

إن سألت أى طفل عن فائدة الأنف سيقول لك أنها تساعدنا على التنفس وشم الروائح، وإن سألته عن فائدة العين سيقول لك أننا نرى بها النافع والضار من الأشياء، أما اليد فسيخبرك أننا نمسك الأدوات بها، والقدم لا تستطيع المشى أو الجرى بدونها. لكن إن سألت ذات الطفل أو سألت أبيه بل وحتى جده عن فائدة بعض الطباع النفسية كالغيرة والعفة وحب الأبناء فلن يعرفوا ما يقولون، فهم لم يفكروا يوماً فى الحكمة من وجودها، أو ربما يعتقدون بأنها “خلقة ربنا وخلاص”. لكن الحقيقة أن للمشاعر لدى الإنسان فائدة وضرورة مثلها مثل أعضاء جسده تماماً، وسنرى كيف أن لكل صفة ضرورة تساعده على البقاء والتكاثر، وكيف أن نقص أى صفة منها شديد الخطورة عليه أو على نسله. وفى النهاية تحدث عملية “غربلة” يُستبعد خلالها من تنقصهم تلك الصفات من الجيل التالى فى أى مجتمع لعجزهم عن الحياة أو الإنجاب بكفاءة. فتعالوا اليوم نكتشف الهدف من وجود بعض الطباع النفسية والمجتمعية ونعرف كيف ساعدت من يقتنيها على البقاء ولماذا قَل نسل -أو إنقرض- من لا يمتلكها.

-الرغبة فى الجنس لدى الرجل والإرتباط لدى المرأة: نبدأ بهاتان الرغبتان والذى أعتقد أن جميع القرّاء يعرفون فائدتهما.. فإن فرضنا وجود رجل لا يرغب فى الجنس أو وجود امرأة لا ترغب فى أن “تفرح زى كل البنات” فلن يكون لهما نسل، وبالتالى سيتم إستبعادهما من المجتمع بعد جيل واحد ليتبقى من يمتلك تلك الرغبات فقط ويورثها بدوره الى أبنائه. والدليل على إرتباط تلك الغريزة المباشر بالإنجاب هو أن الأغلبية الكاسحة من الرجال لا ينجذبون جنسياً سوى للأنثى القابلة للحمل (فى سن التبويض)، فلو أنك سألت صديقاً لك عن رأيه فى إمرأة تبلغ من العمر 60 عاماً أو فتاة تبلغ من العمر 10 أعوام لنظر إليك نظرة شك وريبة، وإن سألته عن رأيه فى رجل فأغلب الظن أنك لن ترى وجهه ثانية. لكن إن سألنا عقله الباطن لماذا لا ينجذب جنسياً لهؤلاء الثلاثة مثل إنجذابه للمرأة متوسطة العمر فلن تكون إجابته عن الأولى “لأنها كبيرة” والثانية “لأنها صغيرة” والثالث “لأنه رجل”، بل ستكون ببساطة “لأنى لا أستطيع التكاثر معهم”، وهكذا نجد أن الفائدة الوحيدة للغريزة الجنسية هى التكاثر. بل ونجد تفاوتاً فى المرغوبية حتى بين النساء اللائى فى مرحلة الخصوبة ينحاز لصالح الأنثى الأصغر سناً لقلة إحتمال التشوهات فى بويضاتها، فبنت 15 عاماً أكثر جاذبية من بنت 25 من وجهة نظر الرجال، وبنت 25 أكثر جاذبية من ذات الـ40 وهكذا. وعندما يُطلق الناس كلمة “عانس” على إمرأة فالمعنى الحقيقى فى عقلهم الباطن والذى لا ينتبهون له هو “بويضات فاسدة يجب الإبتعاد عنها” (ولذا فإن سن المراة موضوع شديد الحساسية بالنسبة لها). وبالنسبة للمرأة فنجدها تنجذب للرجل ذو المال والجاه لأنه الأصلح للإهتمام بأطفالها ورعايتهم (ولذا فإن دخل الرجل موضوع شديد الحساسية بالنسبة له). المدهش هنا أنه لا الرجال ولا النساء ينتبهون لكل ذلك أثناء إختيار شريك الحياة أو حتى أثناء التعليقات اليومية على الآخرين بين الأصدقاء، بل هى رغبات وغرائز مبرمجة بداخلنا ونتجه إليها بتلقائية تامة.

-الإنجذاب للجمال: الجمال الخارجى وحسن البنية (لدى الرجل والمرأة على السواء) دليل على الصحة وقلة التشوهات الجينية الضارة. ولذا فالإجذاب للأفراد الأكثر جمالاً يزيد من احتمال التكاثر معهم وبالتالى مِن نشوء سلالة قوية وصحيحة للفرد

-النفور من الأقارب جنسياً: يقلل من احتمال التناسل معهم مما يقلل من احتمال التشوهات الخلقية. فزواج قريبين يضخم العيوب الوراثية المشتركة بينهما فى نسلهما مما يزيد من احتمال هلاكه بعكس توزيع العيوب الذى يحدث فى حالة زواج الغرباء

-حب الأبناء: أظن أن كثيراً من القراء قد خمن فائدة ذلك الطبع بسهولة أيضاً.. فإن فرضنا وجود أب وأم لا يحبان أبناءهما ولا يهتمان بأمرهم فمن الطبيعى أن يهلك الأبناء سواءاً فى المجتمعات القديمة بأن يلتهمهم أسد أو ذئب مثلاً أو فى المجتمعات الحديثة بأن ينشأوا فاشلين ضائعين قد ينتهى بهم الحال إلى السجن أو التشرد والتسول. وهكذا فالفئة الوحيدة التى يمكنها البقاء فى عالم الإنسان والحيوان على السواء هى الفئة التى تهتم بأبنائها وترعاهم، ويأتى هذا الإهتمام فى شكل غريزة نطلق عليها “الحب”، لكنها فى الحقيقة مجرد أداة تساعد المخلوق على التكاثر ونشر جيناته الوراثية. اللافت هنا أننا نجد الأم أكثر حباً لأبنائها من الأب سواءاً لدى البشر أو معظم الحيوانات، ولهذا أيضاً حكمة.. فالأب يستطيع أن يرتبط بعدد غير محدود من النساء وينجب الكثير من الأطفال (قد يصل العدد إلى العشرات فى بعض الأحوال) بينما لا تستطيع الأم أن تلد سوى عدداً محدوداً من الأطفال بسبب ضرورة الحمل والرضاعة المرهقَين جسدياً ونفسياً. ومن منظور تاريخى نجد أن البشر الذين يعيشون اليوم جاءوا من ضعف عدد النساء مقارنةً بالرجال، أى أنه لو كان متوسط أبناء الأم 6 أطفال مثلاً فسيكون متوسط أبناء الأب 12 لأن نصف الذكور لم تتح لهم فرصة التكاثر أصلاً بل ماتوا قبلها فى الحروب أو غيرها من الصراعات. وبالتالى فلن يخسر الأب المتزوج بإمرأتين أو ثلاثة كثيراً إن هلك أحد أبناءه بينما تُعتبر هذه كارثة بالنسبة للأم من الناحية التناسلية. ويتضح هذا جلياً عند ملاحظة مدى إرتباط الحب والإهتمام بعدد الأطفال.. فلو لم يُرزق رجل أو إمرأة سوى بطفل واحد فستجدهما شديدا الإهتمام والمحافظة عليه بعكس ما لو كان لديهم خمسة أطفال مثلاً، فوقتها لن يعنى موت أحدهم إنقطاع نسلهما. طبعاً لن تجد أبوان يفكران بتلك الطريقة الحسابية الباردة أبداً، لكنها مع ذلك تبقى السبب الحقيقى الكامن وراء تلك العلاقة العكسية بين عدد الأطفال ومدى رعايتهم.

-الرغبة فى الأحفاد وحبهم: هذه الصفة لها نفس أهداف الرغبة فى إنجاب الأبناء ورعايتهم بالضبط.. فالمثل القائل “أعز من الولد، ولد الولد” صحيح تماماً من الناحية البيولوجية. ذلك لأن “الولد” الأول قد أدى دوره من وجهة نظر الجد بأن ينجب له أحفاد يحملون جيناته الوراثية للجيل التالى، وما يتبقى الآن لضمان إستمرار السلالة هو رعاية هؤلاء الأحفاد حتى يكبروا. ومن المواقف المثيرة هى تلك التى تجد فيها تناقضاً بين رغبة الإنسان فى البقاء وبين رغبته فى بقاء نسله، كحالة أب له أو أم لها إبنة واحدة مثلاً.. ففى تلك الحالة يتصارع شعور الأب أو الأم الكبيرين بين رغبة الإبنة فى البقاء معهما لرعايتهما وبين تشجيعها على الزواج كى لا تندثر جينات الأسرة الوراثية. طبعاً ما يشعر به الأب أو الأم فى تلك الحالة فى عقلهما الواعى هو رغبة متصارعة بين “إفتقاد البنت” وبين “مستقبل البنت”، لكن الحقيقة هى أن الصراع يكون بين “إفتقاد من يرعانى” و”إحتمال أن تندثر ذريتى”، ولذا فإن ما قد يُعتقد أنه تضحية من جانبهما لتشجيع الفتاة على تركهما لترتبط هو فى الحقيقة ليس كذلك.

-الغيرة عند الرجل والمرأة: الغيرة عند الرجل سببها واضح وهو حفظ النسل.. فالرجل الذى لا يغار يصبح فريسة سهلة للخيانة الزوجية وسيقل إحتمال تربيته لأبناءه الحقيقيين (نحن لا نتحدث عن عصر تحليل الحمض النووى بالطبع فتلك الصفات ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ)، وبالتالى فعدم الغيرة يعنى المخاطرة بإضاعة الكثير من الوقت والجهد لتنشئة أبناء رجل آخر وعدم نقل الجينات إلى الجيل التالى. أما غيرة المرأة فهى وإن كانت أقل من غيرة الرجل إلا أن لها سبباً قوياً كذلك، فإرتباط الزوج بإمرأة أخرى يعنى أن موارده المادية والعاطفية صارت الآن موزعة بين أبنائها وأبناء المرأة الجديدة مما يُضعف من فرص أبناءها للنجاح نسبياً.

-تقوية الأبناء الذكور: سببه هو نفس سبب حب النسل، فعندما يهتم الأب والأم بأن ينشأ إبنهما قوياً صلباً معتمداً على نفسه وقادراً على كسب رزقه وتدبير أموره فهما فى الحقيقة يمهدان لإنتقال جيناتهم الوراثية إلى الجيل التالى، لأن الولد إن نشأ ضعيفاً خائباً فلن يستطيع الزواج وهذا يهدد بإنقطاع سلالتهما. ونلاحظ بأن تقوية البنات فى التربية غير واردة تقريباً لأن الفتاة لا تحتاج للقوة والصلابة كى تتزوج وتلد بل بالعكس.. إذ تُعتبر الفتاة القوية منفرة للرجل وتقل فرصتها فى الزواج بشخص مناسب. لكن الأب والأم يهتمان بتقوية صفة أخرى هامة جداً لدى الفتاة وهى..

-عفة المرأة: أعتقد أن هذه النقطة ستحير القارىء.. فلم يفكر كثيراً من الناس فى الحكمة من وجود شىء أساسى ومسلَّم به كعفة المرأة وحفاظها على نفسها، أو ربما يعتقدون أن الدين هو الذى جاء بالعفة وأنها لم تكن موجودة من قبل. لكن الهدف من تلك الصفة أيضاً هو دعم النسل.. فإن تخيلنا إمرأة منحلة تسمح بوجود علاقات بلا ضوابط بينها وبين رجال غرباء فسيؤدى هذا بالضرورة إلى حملها سفاحاً (ونُذكر مرة أخرى بأننا لا نتحدث عن العصر الحديث الذى إختُرعت به وسائل منع الحمل، فتلك الطباع نشأت فى العصور البدائية).. وإن حملت المرأة سفاحاً فهذا يعنى أن الطفل لن يجد من يربيه ويهتم بأمره مادياً فينشأ هزيلاً مقارنةً بالطفل الذى تربى بين أب وأم. وهكذا فبينما تظن المرأة التى تحافظ على نفسها أنها تفعل ذلك بهدف الإحترام أو حفاظاً على الدين والأخلاق فهى فى الحقيقة تهدف لأن ينشأ أبناءها فى كنف رجل قوى وغنى يهتم بهم كى تنتقل جيناتها للجيل التالى ولا تتعرض للإنقراض بدلاً من أن تتورط وحدها مع أبناء لا تعرف مَن أباهم أو يكون أباهم فقيراً أو لا يعترف بهم. كما أنها بتحشمها وحفاظها على نفسها ترسل رسالة إلى الرجال مفادها “أنا أهل للثقة ولن أخونكم إن تزوجتمونى”. لكن الإحتشام له أضراره أيضاً، فإن إحتجبت المرأة عن الرجال تماماً فلن تستطيع فتنة عريس لـ”إصطياده”، ولهذا نجد أن معظم النساء تسلك طريقاً وسطاً بين الإحتشام الكامل والإنفتاح الكامل مراعاةً لهذا التوازن. وليست مصادفة أن تكون النساء أكثر حياءاً فى السن الصغيرة ثم ينفتحن على الرجال بالتدريج كلما كبر سنهن إن لم يتزوجن.. إذ أن المراهِقة لا تحتاج لفعل الكثير لفتنة عريس المستقبل بل بالعكس تحتاج لكثير من الخجل لتحمى نفسها من كثرة المعجبين، بينما تجد تلك التى شارفت على سن اليأس نفسها فى مرحلة العد التنازلى فتبدأ بـ”نزع برقع الحياء” لأنها تلعب فى الوقت الضائع. ومرة أخرى يحدث كل ذلك على مستوى العقل الباطن تماماً دون انتباه الفتاة على الإطلاق.. فهى تجد نفسها خجلة فى مرحلة عمرية معينة ثم تجد نفسها لا تمانع صحبة الرجال فى مرحلة عمرية أخرى من تلقاء نفسها تماماً دون تخطيط مسبق ولا إدعاء ولا تمثيل.

-إنحلال الرجل: من الملاحظات التى حيرتنى لفترة طويلة هى غيرة الأهل على إبنتهم وليس على إبنهم. فلم نسمع يوماً عن أب قتل إبنه لأنه إكتشف علاقته الآثمة ببنت الجيران مثلاً، أو عن أم تبرأت من إبنها عندما علمت بأن له إبناً من حرام! بل يكاد يكون العكس هو السائد، فالولد يتفاخر بين أهله وأصدقائه بنجاحه فى “إصطياد” فتاة جميلة فى المدرسة أو الجامعة أو العمل أو الإنترنت بينما تكون الفتاة شديدة الخوف من إكتشاف أحد لهذه العلاقة. وعلى عكس ما يعتقد بعض البسطاء بأن السبب فى ذلك يرجع لإضطهاد المجتمع للمرأة فالسبب بيولوجى جداً ومنطقى جداً.. فكما شرحنا فى النقطة السابقة عن أهمية العفة لدى المرأة نجد أن لعكس العفة أو للـ”إنحلال” أهمية لدى الرجل، إذ أنه يساعده على نشر جيناته بأكبر قدر ممكن بلا تضحيات. فلأن الرجل لا يحمل ولا يُرضع فكل ما عليه القيام به لضمان إستمرار سلالته هو ممارسة الجنس لأكثر عدد من المرات إبان حياته. ورغم أن المجتمع والأهل لا يفكرون بهذه الطريقة المادية بالطبع إلا أنه يتضح فى السلوك العام لكل المجتمعات الشرقية منها والغربية، حيث يُعتبر الرجل “الصياد” الذى يفتن النساء ناجحاً بعكس المرأة “الخليعة” التى تسلم نفسها للرجال. وهنا نجد أن التقاليد والأديان قد قامت بما يمكن تسميته “عقداً إجتماعياً”، حيث حَرّمت على الرجال الزنا ببنات الآخرين مقابل تحريم زنا الآخرين ببناتهم، ولذا فكان من الطبيعى أن نجد أكثر الرجال نفوراً من فكرة الزنى وعواقبه هو من له إبنة أو عدة بنات حتى وإن كان من أشرس “الصيادين” إبان شبابه!

-الحب والغزل: هدفهما خلق رباط قوى بين رجل وامرأة حتى يتمكنا من المكوث سوياً وتربية أطفالهما معاً، والدليل أنهما غير موجودين سوى فى المخلوقات التى يتعاون فيها الأب والأم فى تربية الأبناء كالطيور والبشر، أما المخلوقات التى تربى فيها الأمُ الأطفالَ وحدها كالقطط فلا يوجد عندها هذا النوع من الشاعرية.

-الملل الزوجى: قد لا تصدق أن للملل الزوجى وظيفة حيوية لكنه مهم لتنويع الجينات. فمن وجهة نظر جينية وراثية بحتة يكون فى صالح الأب والأم إنجاب أطفال من أكبر عدد من الشركاء من أجل ضمان بقاء السلالة لاحتمال وجود مرض وراثى خطير لدى الزوج أو الزوجة يهدد حياة الأبناء منهما، وهذا يذكرنا بالمثل القائل “لا تضع كل البيض فى سلة واحدة”. وهكذا فكان من الطبيعى أن يبدأ الأزواج بالملل من بعضهم بعد فترة من الزواج خاصة بعد وصول الأطفال لمرحلة المراهقة واكتمال قدرتهم للإعتماد على النفس، ونلاحظ بالفعل أن عدداً كبيراً من حالات الطلاق يقع فى تلك المرحلة.. لكنك الآن تعرف أن السبب ليس “المشاكل الزوجية” بل هو “التنويع الوراثى”!

-بر الأهل: على عكس الإعتقاد السائد بأن بر الوالدين هو طبع دينى أو أخلاقى بحت نجد أن له فائدة بيولوجية هو الآخر، حيث يرسل الإبن البار والبنت البارة رسالتين مهمتين إلى الآخرين: أولهما إلى شريك الحياة المنتظَر.. فالرجل الذى يرى فتاة بارة بأمها وأبيها يكون أكثر إطمئناناً على نفسه معها، وبالتالى فهى طريقة للفتاة متوسطة الجمال مثلاً أن تجذب إليها “عريس لقطة” ذو مال وجاه (وليست مصادفة أن تجد البنات شديدات الجمال أقل براً لأهاليهن بصفة عامة من قليلات الجمال، فالجميلات لا يحتجن لللجوء لهذا الأسلوب لإجتذاب العرسان). وبر الأهل يقوم للذكر بنفس المقام، فربما إستطاع الرجل عن طريق بر أهله أن يحوز على إعجاب فتاة شديدة الجمال إن كان هو متوسط الثراء والحسب والنسب، لأنها سترى فى إلتزامه برعايتهما إلتزاماً برعايتها ورعاية أطفالها منه (ومرة أخرى نجد الشباب الأفقر هم الأكثر براً لأهاليهم بصفة عامة). الرسالة الثانية من بر الوالدين تُرسَل للأبناء، حيث يهتم الأب والأم بجعل أبناءهما يلاحظون مدى إهتمامهم بالجد والجدة عند الكبر كى ينطبع فى ذاكرة الأطفال أن الوضع الطبيعى هو الإهتمام بالأب والأم وليس إهمالهما عندما يكبرا بدورهما.. أى أن الموضوع ببساطة لا يغدو عن كونه تقديم السبت لتجد الأحد!

-الحنين للذكريات: وهو يشمل الحنين إلى الأشخاص والأماكن والأنشطة التى كان يمارسها الإنسان من قبل، وفائدته أنه يبعد الإنسان عن الخطر الكائن فى البيئات الجديدة الغير مُجربة. فمادمت تتذكر تجاربك مع ذلك الشخص أو فى ذلك المكان أو فى ذلك العمل فمعناه ضمنياً أن تلك الأشياء آمنة بالنسبة لك ولم تؤدى لمقتلك بل بالعكس ساعدتك على الحياة والدليل أنك وصلت إلى ما وصلت إليه الآن (فلن تجد أحداً يشعر بالحنين للعبه مع الثعابين مثلاً لأنه سيكون قد مات بالفعل!). وهذا الحنين لا يقتصر على الذكريات القديمة منذ سنين طويلة بل يشمل الأمد القصير أيضاً.. فأنت إن نمت أو أكلت فى مكان معين اليوم فستجد نفسك غداً تبحث تلقائياً عن نفس المكان بالضبط لتنام أو تأكل فيه. وإن جلست يوماً فى مقعد معين فى مدرج الجامعة مثلاً فستجد نفسك تفضله فى المحاضرة التالية دون أن تعرف السبب.. فكل هذا يعمل على مستوى العقل الباطن بصورة آلية دون أن نشعر.

-الإلتزام بالتقاليد: وهو مِثل الحنين إلى الذكريات تماماً، فالذى يلتزم بتقاليد الآباء والأجداد يرسل رسالة للآخرين مفادها أنه “قليل المخاطرة” ومحافظ على أسلوب الحياة الذى مَكّن أسلافه من البقاء والتناسل، وذلك بعكس المجددين والمطورين الذين يسلكون طرقاً جديدة غير مجربة وغير مأمونة العواقب.

-الطمع: الطمع فائدته تحسين حياة المرء، فلو لو يوجد الطمع لما حاول أى شخص الإرتقاء بمستوى معيشته. ولهذا الإرتقاء مزايا بيولوجية بالطبع.. إذ أنه فى الحدود المعقولة يزيد من موارد صاحبه مما يزيد من عمره ويحافظ  على صحته ويجعله أكثر مرغوبية وبالتالى يمنحه مزيداً من الفرص للتكاثر.

-الجُبن: الجبن أو الخوف هو عكس الطمع، وهدفه هو إبعاد الإنسان عن المواقف التى قد يكون فيها هلاكه أو تضحيته بمال وجهد لا طائل من ورائه والحفاظ عليه فى المساحة الآمنة التى تكلمنا عنها فى نقطتى الحنين إلى الذكريات والإلتزام بالتقاليد. ويلعب الطبعان -الطمع والخوف- معاً لخلق توازن يعظم مكاسب الإنسان ويقلل من خسائره.

-الصداقة والألفة: لهما فائدة واحدة.. وهى المنافع المتبادلة بين الأصدقاء! ولذا فكان من الطبيعى أن تجد الناس تتجنب طلب خدمات إضافية من أصدقائها إن كانوا قد طلبوا منهم عدة مرات من قَبل ولم تتح لهم الفرصة لرد الجميل مثلاً.. وكأنهم يعرفون ضمناً أن “الصداقة” لا تغدو عن كونها علاقة تجارية مغلفة بالود. كما تجدهم ينجذبون بل ويتهافتون على صداقة ذوى المال والنفوذ بينما يتجنبون صداقة الفقراء والضعفاء بصفة عامة. ومرة أخرى نؤكد أن هذا عادةً ما يحدث لا شعورياً.. فليس بالضرورة أن يفكر المرء قائلاً لنفسه “سأصادق فلان لأنه غنى وأبتعد عن فلان لأنه فقير”، بل يجد نفسه ينجذب لحديث الغنى ذو الجاه دون أن يعرف السبب ويجد نفسه يتجاهل الفقير أو الضعيف دون أن يعرف السبب. وعدم الإنتباه لأسباب رغباتنا هو أكثر ما يذهلنى شخصياً فى موضوع الطباع والمشاعر عند تأمله.. وجرب أنت الآن أن تقيس هذا المثال على معارفك وستفاجأ.

-الكرم والرحمة: لهما نفس فائدة بر الأهل من حيث إعلان للآخرين تعاطفك مع المجتمع ومن ثَم إعلان أنك شريك حياة مناسب (ولهذا تجد مستوى الصدقة يقل جداً بعد الزواج!)، كما أن لهما نفس فائدة الصداقة من حيث أنهما “شبكة تأمين إجتماعية” حيث يساعد المقتدرون غير المقتدرين فى أوقات الشدة، فإن تصدقت على الفقراء اليوم فأنت جدير بعطف الناس غداً حين تتبدل الظروف.. ويمكن التفكير فيهما كـ”صندوق معاش” العصور القديمة قبل إختراع البنوك والتأمينات.

-البخل: فائدته هو المحافظة على ممتلكات الفرد وهو يشكل توازناً مع الكرم، حيث نلاحظ أن المرء كلما إزداد عدد أفراد أسرته وعائلته كلما صار بخيلاً على مَن سواهم لشعوره بالإستغناء عن المجتمع الخارجى والعكس صحيح. فالموضوع ليس أخلاقياً ولا دينياً بل هى المصالح المتبادلة والمنافع المشتركة.

-الرغبة فى الإنتقام والثأر: ترسل رسالة للمعتدِى وللآخرين مفادها أن أذية المعتدَى عليه مرة أخرى مستقبلاً سيكون له عواقب وخيمة. ومثلها الرغبة فى الأخذ بالثأر، فهى وسيلة لتأمين حياة الباقين من العائلة عن طريق إثبات أن دمها ليس رخيصاً.

-الضمير: هدفه تجنب الثأر ومشاكله من البداية، فصاحب الضمير لن يتعرض لإنتقام الآخرين لأنه لن يستفزهم أصلاً. وقد أثبت ذلك تجربة الدكتور مِلجرَم الشهيرة والتى نجح فيها فى جعل متطوعين يظنون أنهم يصعقون متطوعين آخرين بالكهرباء بقوة وصلت تدريجياً لدرجة قاتلة لمجرد أن المشرف على التجربة أكد لهم أنه ليس عليهم أى مسؤولية إن أُصيب الآخرين بمكروه، إذاً ففور إختفاء فكرة “المساءلة” سواء من الآخرين أو من ضمائرنا (بسبب وجود عذر مثل “أنا عبد المأمور ولا أستطيع مخالفة الأوامر” أو “إنها ليست غلطتى بل غلطة فلان”) نتحول إلى وحوش بشرية منزوعة الرحمة. يلاحَظ أن الضمير قد يكون له بعض “الأعراض الجانبية” والتى تمتد للمخلوقات التى لن تثأر لنفسها مثل الحيوانات، إلا أنه تأثير محدود ولذا فتعاطف الناس يكون أكثر مع البشر.

-الندم: يحميك من الوقوع فى نفس الأخطاء مرة أخرى ويخيفك من الإندفاع والتهور أو من السلبية وقت الحاجة للإيجابية مستقبلاً لتتجنبه

-حب النظافة: هدفه المحافظة على الجسم من الأمراض الجلدية والطفيليات.

-بُغض الروائح الكريهة: يحمى الإنسان من التسمم، حيث أن أبغض الأطعمة رائحة إلى البشر هى أكثرها ضرراً عليهم كاللحم الفاسد وجثث الحيوانات المتعفنة. وينفر البشر نفوراً شديداً من رائحة الفضلات لأنها شديدة السمية بالنسبة لهم (وذلك بعكس الذباب مثلاً الذى يحب الروث لأنه مهم لدورة حياته!). ولحاسة التذوق نفس الهدف، إذ أن الناس لا تحب طعم الأغذية الفاسدة بعكس الطازجة التى تكون لذيذة لهم.

الإشمئزاز من بعض الحشرات: مثل الذباب والصراصير لأنها عادةً ما تحمل أمراضاً ضارة وذلك بعكس الحشرات المفيدة كالنحل والفراشات التى تلقح النباتات فنعتبرها جميلة وتحف فنية.

اللافت هنا يا عزيزى القارىء هو أننا كما نرى عيباً جسدياً فيمن تنقصه عين أو يد أو قدم نرى عيباً نفسياً فى الرَجل الذى تنقصه الغيرة أو الإربة والمرأة التى تنقصها العفة والشخص الذى لا يستحم مثلاً.. أى أن هناك نموذجاً مثالياً للبشر على الصعيدين الجسدى والنفسى نقيس عليه الناس ونحكم على مدى كمالهم بقدر إقترابهم من ذلك النموذج، وليست مصادفة أن يكون ذلك النموذج هو الأنسب للبقاء والتكاثر! والمذهل هنا هو تطور أعراف البشر من عادات وتقاليد وأديان لتحاكى ذلك النموذج المثالى للطباع.. فالرجل الذى يقتل إبنته إن علم أنها حملت سفاحاً يظن أنه يفعل ذلك بدافع “الحفاظ على شرفه” رغم أنه فى الحقيقة يفعله بدافع “الحفاظ على نسله” كى يُرسل رسالة قوية لباقى أفراد أسرته بأن هذا تصرف غير مقبول وغير محتمل (ولذا فهناك علاقة قوية بين عدد الأبناء والإلتزام بقتل الشرف.. فالذى لم يُرزق سوى بإبنة واحدة لن يقتلها إن حملت سفاحاً لأن ذلك سيعنى نهاية نسله بعكس ما لو كان له أربعة بنات مثلاً). والرجل الذى يقتل زوجته إن رآها مع آخر يفعل ذلك لنفس السبب، فهو لم يفكر أبداً أن سبب قتله لها هو حماية نفسه من تربية طفل لا ينتسب له، بل إنه سيفعل ذلك فى كل الأحوال حتى إن كانت عاقراً لا تلد وحتى إن توافرت وسائل تحليل النسب كالحمض النووى لإن ذلك الطبع تم برمجته فى الإنسان وإنتهى الأمر. والرجل الذى يزجر إبنه ليكون قوياً ومعتمداً على نفسه لم يفكر البتة أنه يفعل ذلك كى يضمن بقاء نسله إلى الجيل التالى، فهو يجد شيئاً من داخله يدفعه إلى زجر الولد ليكون قوياً دون أن يدرى ما السبب. وقِس على ذلك كل شىء مما تعارف عليه الناس من “الخير” أو “الشر”.. أى أننا كمجتمعات إنسانية صغنا طرقاً للحفاظ على تلك الطباع الأساسية لبقاء النفس والنسل فى أشكال شتى حتى نسينا الهدف الأصلى من وجودها وصارت فى حد ذاتها صفات حسنة وإنتقاصها فى حد ذاته شىء غير مقبول ومنفر بصورة تلقائية تماماً.

حد فهم حاجة؟؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يناير 14, 2012 by حسام حربى in علم نفس

ما أنت سوى خادم مطيع لجسدك   1 comment

هل جذبك العنوان؟ هل إعتبرته إهانة لكرامتك وجئت لتثبت لنفسك أنه مخطىء وأنك لست خادماً لأحد؟ إذاً فللأسف عندى أخبار لك سيئة.. وهى أن مجرد نقرك على المقالة لقراءتها يمثل إطاعة أخرى لسيدك لترضيته، ولنكون أكثر تحديداً: لترضى غريزة الفضول لديه فى هذه الحالة.

لكن هذا التصرف ليس إستثناءاً.. فما حياتك إلا سلسلة من السعى وراء أوامره وابتعاداً عن نواهيه طمعاً فى الفوز بمكافأته وهى السعادة وتجنب عقابه وهو التعاسة…

عندما تأكل أو تبحث عن طعام أو تفكر فى طريقة لكسب المال كى تشترى به الطعام  -سواءاً كانت تلك الطريقة مشروعة أم غير مشروعة- فأنت تطيع جسدك الذى أمَرك بإطعامه وإلا عاقبك بألم الجوع..

وعندما تجتهد لارتداء ملابس أنيقة أو شراء سيارة فاخرة أو الحصول على ترقية لترفع بها من مكانتك فى المجتمع فما أنت إلا خادم لجسدك الذى وعدك بإشعارك بالفخر إن لبيت تلك الأوامر وهددك بإشعارك بالمهانة والذل لو لم تلبيها..

وعندما تفعل المستحيل لإدخار النقود كى تتزوج فأنت تلهث مرة أخرى وراء أوامر جسدك الذى يريد التكاثر بنشر جيناته لمخلوق جديد يستمر بعد وفاتك، وقد وعدك بجعل مخك يفرز جرعة عالية من هرمون السعادة “الدُبَمين” عندما تمارس الجنس لاستدراجك لذلك الفخ.. وسيكافئك بجرعة أخرى منه إن راعيت ذلك المخلوق الجديد وتأكدت أنه ينمو يصحة جيدة حتى يصلح بدوره للتكاثر..

بل وعندما تغضب وتفرغ غضبك بالصراخ أو التشاجر فأنت تحاول تفريغ شحنة عالية من الجلوكوز أفرزها جسدك الخبيث فى دمه ليدفعك للإنفعال كى تتخلص منها.. وإن قررت كبت الغضب فأنت تخدم جسدك أيضاً لأنه حذرك من أن الإنفعال فى هذا الموقف سيكون له تأثير سلبى عليه لاحقاً وتركك حائراً بين ألم الكبت قصير المدى وألم التفريغ طويل المدى.

إنك لمسكين.. جميع إفعالك وتصرفاتك موجهة لخدمة ذلك السيد الذى لا تتعدى علاقته بك علاقة عمل نفعية استغلالية.. يحدد لك أهدافاً ورغبات لا خيار لك فيها ثم يأخذ منك مجهودك وأفكارك وصبرك لتحقيقها وفى النهاية يعطيك جرعة هرمون تمثل شعوراً بالرضى. إنك مجرد مدمن يلهث وراء إرضاء تاجر المخدرات وإلا حرمك من الحقنة التالية. علاقتك به تتلخص فى الخوف الدائم من عصاه ومحاولة الحصول على جزرته.

من هذا المنطلق يمكنك التفكير فى موت جسدك كموت أحد معارفك وليس أكثر.. فلو كانت علاقتك بذلك الشخص نفعية من حيث أنك تعطيه ما يريد فيعطيك ما تريد خِفت فراقه، أما إن كانت علاقة سيئة تعجز فيها عن تلبية طلباته فيحرمك ويبخل عليك بخيره لم تكترث إن عاش بل وقد تتمنى موته لأنك تكرهه. فالموت هو مجرد إنتهاء علاقة تجارية بينك وبين ذلك الجسد حَسُنت كانت أم ساءت.

ومن هنا جاءت الأديان ليحاول الناس التخلص بها جزئياً أو كلياً من تلك العبودية المذلة.. فبدئاً من الصلاة لعدة دقائق وصولاً للرهبنة الكاملة التى تحرم الجسد كل شىء سعَى البشر إلى تأكيد أنهم ليسوا حيوانات وأن بمقدورهم التخلص من الإنقياد لرغبات ذلك السيد المزعج ولو لفترات قصيرة. ولكن المشكلة هنا بالطبع أن الإنسان ما فعل ذلك إلا إنقياداً لأوامر جسده مرة أخرى والذى أملى عليه أن يفكر فى طريقة يشعر بيها بالرقى وبالتميز عن الحيوان. كما أنك سواءاً حاولت الوصول للجنة كما فى الأديان السامية أو للنرفانا كما فى الأديان الشرقية فأنت ما زلت تسعى لإرضاء الجسد حتى ولو كان فى الحياة الأخرى بدلاً من إرضائه خلال الحياة الحالية.. فالمسألة مجرد تأجيل وليس تغيير، ولا طريقة للتخلص من تلك العبودية حتى بالموت.

والآن عَلىّ أن أكف عن الكتابة وأستأذن منك، فسيدى يقول أن وقت راحتى انتهى وأن عَلىّ القيام ببعض الأعمال له وإلا حرمنى من جرعتى اليومية فاعذرنى، ويبدو أن سيدك أيضاً يناديك فلا تتأخر عليه..

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted ديسمبر 24, 2011 by حسام حربى in علم نفس

الأنانية تحكم كل أفعالنا بلا استثناء   Leave a comment

كل ما يفعله أى إنسان مهما كان فى ظاهره تضحية فى الواقع نابع من أنانيته. فالمؤمن المتصدق على الفقراء يفعل ذلك طمعاً فى دخول الجنة أو فى راحة الضمير، والأم الساهرة على راحة طفلها تفعل ذلك طلباً لراحتها التى لن تتحقق إن نامت وتركته، أما الأب الذى يتعب كى يسعد أولاده فلعله يفعل ذلك هرباً من الشعور بالتقصير فى حقهم ولأنه لا يسعد إلا إذا هم سعدوا.. وفى النهاية لن نجد شيئاً واحداً يمكن تسميته “تضحية” بمعنى الكلمة.

وبتطبيق هذه النظرية علينا يمكننا تفسير حزننا على مآسى المسلمين المختلفة.. فقد تظن يا عزيزى القارىء أن تأثرك بخبر مقتل شاب فلسطينى برصاص جندى صهيونى أو بمقطع يُظهر مقتل خمسون أفغانياً بقنابل غارة أمريكية أو بتقرير عن تعذيب المسلمين بجوانتنمو يرجع لرابطة الأخوّة والدين.. لكنى سأبرهن لك أن هذا لا يمت للموضوع بأدنى صلة: ما شعورك لو قرأت عن مقتل فلسطينى فى حادثة سيارة؟ أو شاهدت قطاراً أفغانياً خرج عن مساره فمات ركابه؟ أو شاهدت تقريراً عن تعذيب صدام حسين للعراقيين؟ مختلف كثيراً أليس كذلك؟ سبب شعورنا بالحزن والتأثر إذاً هو عجْزنا عن صد اللطمات المنهمرة على وجوهنا من الخارج وليس مجرد قتيل هنا وجريح هناك. إن مقتل أحد أهل بيتك على يد مجرم عمداً يولد شعوراً يختلف تماماً عن موت نفس الشخص موتاً طبيعياً، لأن الحزن لا يكون على الشخص فقط فى حالة الجريمة بل هو غضب وتحسر وندم على حالك أنت لعجزك عن صد المجرم، إنه حزن أنانى.

كذا بالنسبة لغضبنا إزاء الرسومات المهينة لسيدنا محمد بالدنمرك وتمزيق المصحف بأمريكا.. لو كان غضبنا هذا دينياً بحتاً لكنا غضبنا على إهانة سيدنا عيسى بإستمرار فى الإعلام الغربى لأن المسلم -بنص القرآن- لا يفرق بين الرسل ولا يفاضل بينهم. بل إن نكاتاً مرسومة ومنطوقة تسخر من الذات الإلهية نفسها فى الغرب ولم نسمع عنها أصلاً ولم نكترث، لماذا؟ هل لأن سيدنا محمد أهم من الله؟ بالطبع لا.. لكن لأن إهتمامنا نابع من رفض “التطاول علينا” وليس من رفض “التطاول على المقدسات”. لا يعنى هذا بالطبع أنها أحاسيس بغيضة أو غير مطلوبة بل بالعكس، فهذه الأنانية هى التى تحركنا لمحاولة رفع الظلم وتغيير الوضع القائم، لكنى ذهلت للحظة حين قارنت بين هذه المواقف وتلك لأجد أنى فى الحقيقة لا أغضب على الإساءة الإسلام ولا على إنتهاك أعراض المسلمين.. بل أحزن على حالى أنا وأثور لكرامة نفسى!

وهذا المفهوم الجديد يفتح الباب على مصراعيه حول سؤال هل الإنسان مخيّر أم مسيّر.. فلو كنا نتأثر عاطفياً بناءاً فقط على رغبات أنانية، ولو كانت تلك الرغبات لا إختيار لنا فيها بل نجدها ببساطة فى داخلنا فنتفاعل معها فى شكل قرارات محاولةً لإرضائها.. فهل يكون لدينا إختيار حقيقى فى أفعالنا؟ وهل يكون المحسن محسناً أم يكون مجرد أنانى يسعى وراء إسعاد نفسه؟ وهل يكون السارق سيئاً أم يكون مجرد شخص مختلف لا يتأثر بأحزان الآخرين بسبب تبلد إحساسه -الذى لا خيار له فيه- فاتجه إلى تحقيق سعادته بأذيتهم؟ أسئلة محيرة، وأترك القارىء يجيب عليها بنفسه.. لأن أنانيتى تمنعنى من مساعدته!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted ديسمبر 18, 2011 by حسام حربى in علم نفس

ما بين الخوف والطمع: نظرية المخاطرة الثابتة   1 comment

نفر من العصا طمعا فى الجزرة

معلوم لدى الجميع -ولو ضمنياً- وجود عاملان أساسيان وراء قرارات البشر، وهما الطمع فى زيادة ما عندهم والخوف من فقدان ما لديهم. فأنت مثلاً إن أردت عبور الشارع لشراء بعض الخبز تقارِن تلقائياً بين “طمعك” فى الحصول على الغذاء و “خوفك” من فقدان صحتك أو حياتك نتيجة الإصطدام بسيارة عابرة.. ولأن المكافأة تكون أعلى من المخاطرة من وجهة نظرك فتمضى قدماً فى عبور الشارع مما يمثل خروجك من الإطار الآمن (منزلك) إلى إطار مختلف غير مضمون العواقب (الشارع). وبالمقابل فقد تَبغض إنسان إلى درجة الرغبة فى قتله، لكن لإيمانك بإستحالة الهرب من عقاب الله أو لقراءتك أن 90% من جرائم القتل يتم التوصل فيها للجانى تقرر أن المخاطرة أكبر من المكافأة ولهذا تتورع عن الفعل. وكل إنسان منا لديه عاملا الخوف والطمع بالضرورة وإن إختلفت نسبتهما، لأننا إن فرضنا جدلاً وجود إنسان يطمع فقط ولا يخاف فسيموت فوراً لأنه سيأخذ مخاطرات غير محسوبة فى سبيل تحقيق كل ما يخطر بباله، وبالمقابل فإن وُجد إنسان يخاف فقط ولا يطمع فلن يحقق أى شىء فى حياته ولن يدافع عن حقوقه أبداًً تجنباً للأذى بل وقد يموت جوعاً. لكن ما الذى يحدد نسبة الخوف والطمع عند كل منا؟

تقول نظرية المخاطرة الثابتة أن العوامل الوراثية وطريقة التربية تحدد لك نسبة لا تتغير من المخاطرة تحاول الإتزام بها كى تصل لتوازنك المفضل بين الطمع والخوف.. وبتغيُّر الظروف المحيطة تتغير قراراتك فى محاولة للحفاظ على نسبة المخاطرة المطلوبة تلك بلا زيادة ولا نقصان، لأنه كما قلنا، زيادة المخاطرة تهدد وجودك وقلتها تقلل مكاسبك المحتملة. فمثلاً الشخص الذى يشعر بأن حياته مهددة يقل لديه عامل الطمع بشدة ويكتفى بما يقيم صلبه فقط لشعوره بأن المخاطرة التى يواجهها أكبر من النسبة المثالية لديه، فنجده يعوض هذه الزيادة بأخذ قرارات أقل شجاعة وأكثر حرصاُ. وبالمقابل فالذى لا يشعر بأى تهديد على الإطلاق كشخص فى موضع سلطة أو نفوذ كبير يحس بأن مستوى المخاطرة الذى يأخذها متدنى جداً ويزداد لديه الإحساس بالأمان إلى درجة غير مقبولة، مما نطلق عليه فى كلامنا الدارج لفظ “زهقان” أو “تالف”، وبالتالى فيبدأ بأخذ مخاطرات قد تبدو لنا غير عقلانية أو بها ضرباً من الجنون، لكن أجمل ما فى هذه النظرية تفسيرها لتلك التصرفات وكيف أنها منطقية تماماً!

فمثلاً إن قرأت عن حوت الأعمال هشام طلعت ستجده كان يملك الثلاثة أمنيات التى يسعى لها معظم الرجال: المال والسلطة والجنس. لكنه رغماً عن ذلك دمر نفسه بمخاطرة لم يكن لها أى داع. فهل هو أحمق؟ هل مسه الجنون فجأة؟ لا.. كل ما هنالك أن شعوره بالأمان زاد إلى درجة لا تُحتمل، فبدأت غريزته “الطمعية” المبرمجة بداخله تلح عليه بشدة شاكية الوضع القائم وآمرته بأخْذ بعض المخاطرة فى سبيل إعادة حالته النفسية للتوازن لأن شعوره بالملل غدا لا يُطاق.. ومن ثَم بدأ بالبحث عن عمل يحقق له مخاطرة وسعادة فكان مقتل سوزان تميم. أيضاً تفسر لنا النظرية سبب التصرفات الحمقاء التى إتخذتها الدول والإمبراطوريات القوية على مر التاريخ والتى عادة ما كانت سبباً فى فنائها.. فشعور قيادات ومواطنى تلك الأمم خرج عن توازنه المنشود مائلاً إلى جانب الطمع بعد أن قَل الخوف لديهم إلى درجة لا تُحتمَل، فبدأوا باتخاذ قرارات هوجاء لتحقيق الإثارة المطلوبة على طريقة {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وهو ما أدى إلى نهايتهم. وباختصار فيمكن القول بأن غرْس هذه الآلية فى النفوس كى يغتر القوى بقوته فينهار مفسحاً المجال لمن يأتى بعده هو ما يضمن تداول الأيام بين الناس.

يمكننا أيضاً استغلال النظرية لتقييم الجدوى من بعض القوانين.. فمثلاً قانون إلزام السائق بربط حزام المقعد لا فائدة منه لأنه يزيد من إحساس الأمان لديه فيُخرجه عن التوازن مما يدفعه لتعويض ذلك بزيادة المخاطرة لتحقيق شىء يجلب له سعادة هامشية، فيزيد من سرعته مثلاً. وإن ألزمْته بإرتداء الحزام ووضعت له حداً أقصى للسرعة فسوف يتحدث فى المحمول أثناء القيادة.. وإن منعته من ذلك أيضاً فسيسرح بخياله ولا ينتبه للطريق. المهم أنه سيزيد من الإهمال ليعوض الإلتزام “الزائد” من وجهة نظره ليعود مرة أخرى إلى التوازن بين الراحة والمخاطرة مما يزيد من إحتمالية الحوادث خاصة للمشاة الذين ليس لديهم أحزمة تُربط. وقد أزالت ولاية مُنتانا الأمريكية مثلاً حدود السرعة بالكامل من طُرقها السريعة ولم يؤد ذلك إلى زيادة الوفيات[1]، بل وأشارت دراسة بريطانية إلى زيادة الوفيات بعد تقليل حدود السرعة[2]! وإكتشفت دراسة أخرى أن تجريم إستخدام المحمول أثناء القيادة لا يقلل من الحوادث[3]، كما أوضحت دراسة ميدانية أن رؤية قائدى السيارات لراكبى العَجَل يرتدون الخوذات فاقم من الحوادث لأنهم بالغوا فى الإقتراب منهم بعدما شعروا بالأمان الزائد![4] كل ذلك يدل فعلاً على أن بعض القوانين المُقيِّدة للحريات عن طريق معاقبة السلوك الفردى لا تؤدى سوى لمضايقة الناس بدون تقديم أى فائدة بل وقد تأذيهم أحياناً، والسبب هو إنحيازنا دائماً لمعدل مخاطرة ثابت لا يتغير بتغير القوانين.

أخيراً نجد النظرية تفسر لنا جزئياً سبب زيادة الحرص وإنعدام الحماس كلما تقدم المرء فى السن.. فقوة وطاقة الشاب تولِّد لديه الطموح وبالتالى عِشق المخاطرة بطريقة قد تصل إلى الغرور أو التهور أحياناً، فنجده أكثر طمعاً وأقل خوفاً من الكبير الذى فَقد هذه القوة والطاقة فأدرك عجزه عن تعويض ما قد يفقده من مال أو ولد مثلاً، وبالتالى يؤثِر السلامة ويصير كل ما يتمناه هو العيش بأمان وستر*. أليست بحق نظرية جذابة وتفسر لنا كثيراً مما قد يبدو تصرفات عشوائية غير مفهومة؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://www.motorists.org/speedlimits/home/safety-setting-speed-limits/#CONCLUSION
[2]http://www.telegraph.co.uk/news/uknews/road-and-rail-transport/8038821/20mph-limit-has-not-made-roads-safer.html
[3]http://www.iihs.org/news/rss/pr012910.html
[4]http://www.scientificamerican.com/article.cfm?id=strange-but-true-helmets-attract-cars-to-cyclists
*هناك سبب آخر لقلة التهور كلما تقدم المرء فى السن، وهو ضعف إفراز هرمون الذكورة التستسترون وقلة تأثر المخ بهرمون السعادة الدُبَمين مما ينتج عنه قدرة أكبر على التحكم فى النفس وتأجيل إشباع الرغبات.

Posted ديسمبر 2, 2011 by حسام حربى in علم نفس

الرقابة وأثرها على السلوك الإنسانى   Leave a comment

هل طبيعة البشر شريرة؟ طبعاً يبدو هذا كسؤال ساذج بعد كل التجارب المذكورة. لكن هناك معياراً يمكن النظر من خلاله لنتائجها.. وأتوجه إليك بهذا السؤال يا عزيزى القارىء: لماذا لا يكون السبب فيما يبدو لنا أنه توحش البشر أثناء تلك التجارب هو خلْقها لفجوة مفاجئة بين ما إعتاده الناس من الرقابة على تصرفاتهم وبين الرقابة الفعلية فى التجربة؟ أو بمعنى آخر، هل حياتنا فى مجتمعات “متحضرة” فرضت علينا سلوكيات مهذبة جداً مما حوَّلنا إلى إنتهازيين ننتظر فرصة غياب الرقابة كى نطلق العنان لعقدنا النفسية المكبوتة؟

قد يبدو هذا التفسير غريباً، لكنى أكاد أجزم أن التجارب ذاتها لو كانت أجريت منذ مائة سنة (أو أجريت على أناس يعيشون الآن مثل حياتنا منذ مائة سنة كسكان البلاد البدائية مثلاً) لكانت القسوة والأنانية أقل، ومنذ ألف سنة لكانت أقل وأقل، لسبب بسيط.. وهو أن ظروف التجارب لم تكن ستختلف أصلاً عن طبيعة حياة الناس فى الوضع الطبيعى! فمنذ ألف عام مثلاً كانت جرائم القتل شديدة السهولة، فلم يكن هناك علم البصمات ولا حمض نووى ولا طرق التحقيق الحديثة ولا حتى صور للمشتبه بهم يمكن تعميمها على مراكز الشرطة الخ، فكان الناس يتقيدون فى تصرفاتهم اليومية بالأخلاق النابعة من داخلهم إلى جانب طبعاً يقينهم برؤية الإله لما يفعلونه. وبمعنى آخر فقد كانت ضمائرهم “تتمرن” بإستمرار كلما واجهوا ضغوطاً وإغراءات لإرتكاب جرائم لا يردعها سوى الضمير، وذلك بعكس مجتمعنا اليوم الذى يصعب أن ترتكب فيه جريمة لعلمك أنك غالباً ستعاقَب عليها وبالتالى فضميرك فى اجازة منذ سنين طويلة.. ومعروف أن أى عضو لا يُستخدم فى جسم الإنسان يضمر ويذبل مع الوقت!

وإن صح هذا التحليل فستكون وسائل المراقبة وإن كانت لها فوائد فى تحسين سلوك البشر إلا أن لها أخطاراً جسيمة تتمثل فى قتل ضمائرهم وإستحالة إستقامة سلوكهم بدونها بعد إعتيادهم على وجودها. وإن تخيلنا مثلاً أن عاصفة شمسية عطلت كل الأجهزة الكهريائية -كما يُقال أنه ممكن فى السنوات القادمة- فسيؤدى ذلك إلى كمية جرائم غير مسبوقة فى الدول المتقدمة التى سيتصرف سكانها كالكلب المسعور الذى وجد قفصه مفتوحاً، بينما لن تتأثر الدول البدائية البتة لأن “عضلات ضمائرهم” قوية منذ البداية ولا يحتاجون لأجهزة حديثة ليرتدعوا عن السرقة والقتل.

والسؤال هنا أيهما أفضل.. الحياة فى مجتمع تكثر به كَمِرات المراقبة وتسجَّل فيه كل حركة وكل كلمة بحيث تنعدم فيه الجريمة تقريباً كما فى رواية جورج أوْروِل الشهيرة المسماة “1984”، أم مجتمع يَسمح لأفراده بأن يخطئوا ويهربوا بفعلتهم أحياناً؟ هذا من الأسئلة الفلسفية شديدة الصعوبة.. وأعتقد أن الإجابة المثالية ستكون -كما تعودنا- هى الحل الوسط. فلا نريد كمرات فى كل شارع ومخبرين يتصنتون على مكالماتنا ويقرأون مراسلاتنا، ولا نريدها كذلك أن تكون “سايبة” بلا أى وسائل لتتبع مرتكبى الجرائم.

وهناك وسيلة بسيطة وفعالة لِنَزن فائدة وسيلة رقابة معينة لمعرفة ما إذا كان يجب علينا تبنيها أم لا.. وهى تخيُّل أن شخصاُ يريد القيام بجريمة ونسأل أنفسنا: هل سيستطيع الإفلات من هذه الوسيلة إن إستخدمناها؟ فإن كانت الإجابة نعم كما فى حالة إرتداء قناع كى لا تتعرف الكمرا عليه أو إرتداء قفاز لأن الشرطة جمعت بصمات أصابع كل الشعب الخ فستكون وسيلة المراقبة تلك بلا قيمة حقيقية لسهولة تجنبها من قِبل المجرمين، فاستخدامها لن يستهدف عملياً سوى خصوصية الأبرياء (أو المجرمين الأغبياء بالطبع، لكنهم أقلية فلن نبنى حُكمنا على إستثناءات). أما إن كانت الإجابة لا، مثل تفتيش الحقائب فى المطارات للتأكد من خلوها من المواد الخطرة -وهو شىء لا يستطيع المجرم أن يخفيه- فستكون وسيلة المراقبة تلك -وإن كانت تؤذى الخصوصية بقدرٍ ما- إلا أن قيمتها الأمنية تفوق ذلك الإيذاء.

وبعض النظم ككمرات المراقبة تكون قليلة التأثير فى حالة إستخدامها مفردة، لكن بتعميمها لتراقب معظم أنحاء المدن كما تفعل دبى وبريطانيا وللأسف -كما تردد- الإسكندرية مؤخراً تكون عظيمة الأثر لأنها مجتمِعة تراقب كل إنسان من لحظة خروجه من منزله حتى رجوعه إليه، وهكذا لن يخدعها قناع يغطى الرأس مثلاً. ونظام مشابه تتبناه المخابرات الأمريكية فى تسجيل كل إتصال ورسالة تصل أيديها إليها على شبكة الإنترنت.. لكن بالنسبة لى فهذا النوع من “الأمان” يمثل كابوساً مرعباً لا أرغب بالعيش فيه أبداً حتى وإن كان سيقضى على الجريمة تماماً، لأنه سيقضى على خصوصيتى وحريتى معها. فواضعو القوانين والقائمون عليها ليسوا ملائكة، وإن أتيحت لهم معرفة كل شىء وصاروا كالآلهة فستكون قوتهم مطلقة ومفسدتهم مطلقة.

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted نوفمبر 25, 2011 by حسام حربى in علم نفس