Archive for the ‘فلسفة’ Category

العدل المُطلق   Leave a comment

تخيل يا عزيزى القارىء مسابقة رفع أثقال قرر فيها الحكام أن يكونوا عادلين بدرجة مطلقة لم يسبق لها مثيل.. فقالوا لن ننظر للوزن النهائى الذى يرفعه كل متسابق دون اعتبار كل العوامل التى ساعدته أو أعاقته وأخذْها فى الإعتبار لتحقيق المساواة الكاملة. ومن ثَم بدأ الحكام فى عمل حساب كل صغيرة وكبيرة تؤثر على أداء المتسابقين.. فبدأوا بحساب وزن وطول كل متسابق بحيث لا تكون هناك ميزة للمتسابقين الأضخم أو الأقصر (القُصر يساعد فى رفع الأثقال)، ثم هَمّوا بعمل تحليل حمض نووى للمتسابقين لتحديد من منهم يملك جينات تساعده على تحقيق القوة العضلية ومن لديه جينات تعيقه، ثم حسبوا عوامل النشأة والتربية فخصموا بعض النقاط ممن كان أبوه رياضياً يشجعه على التمرين منذ الصغر وأضافوا نقاطاً لمن قضى طفولته يتيماً بلا أى تشجيع أُسرى، ومضوا بعد ذلك فى اعتبار العوامل النفسية والإجتماعية والهرمونية التى تشجع أو تثبط كل متسابق وتؤثر على حالته المعنوية كنجاحاته وإخفاقاته السابقة، وأخيراً فى يوم المسابقة حللوا ظروف كل متسابق من قلة نوم أو طعام أو توتر وقع له فى ذلك الصباح مما قد يؤثر على مستواه النهائى

وأخيراً بدأ اللاعبون فى رفع الأثقال.. فمنهم من رفع مائة كيلو جرام، ومنهم من رفع خمسين، ومنهم من رفع مائة وخمسين.. وكان هناك قلة ممن رفعت ثلاثين وقلة ممن رفعت مائتين. لكن كانت هناك مفاجأة..

لم يكن هناك فائز!

نعم لا تستغرب.. فبعد خصم كل العوامل التى لم يكن هناك يد للمتسابقين فيها تساوى الجميع بالكيلو وبالجرام. فالذى رفع ثلاثين كان معاقاً، وبعد حساب درجة إعاقته وُجد أن مستواه كان سيكون رفْع مائة بدونها.. أما الذى رفع مائتين فقد وُلد فى أسرة غنية فكان لديه وقت أكبر للتدرب كما تمكن والده من تعيين مدرب خاص له وبدون ذلك كان سيرفع مائة فقط، أما الذى رفع تسعة وتسعين فقد وجدوا أن ما منعه من رفع المائة كاملة كان رؤيته لحادثة فى الطريق مما وتّر أعصابه قليلاً.. وهكذا حتى وُجد فى النهاية أنه ما من تميّز لأحد على أحد، وما من ذرة فشل ولا ذرة نجاح إلا نتيجة توليفة الظروف الخاصة لكل متسابق وليس نتيجة مجهوده الشخصى

طيب تعال الآن نعمم شروط هذه المسابقة على الحياة بمختلف مجالاتها.. من منا يزعم أن له فضلاً لمولده فى أسرة كريمة أو أن عليه لوماً لمولده فى أسرة غير ذلك؟ ومن منا له فضل فى مولده جميل الشكل أو قبيحه؟ أو قوى البنية أو ضعيفها؟ أو ذو مواهب إدارية ومالية وذكاء فطرى أو دون ذلك؟ بل وحتى خفة الظل أو ثقله وروح الفكاهة أو إنعدامها والرحمة أو القسوة والنشاط والكسل هى أشياء أُعطيت لك وجدتها فيك ولا تملك تغييرها. وحتى إن غيرتها للأحسن أو للأسوأ (بافتراض اتفاقنا على تعريف الأحسن والأسوأ) فسيكون ذلك التغيير نتيجة ظروف أو تفكير أو حادثة تعرضت لها لم يكن لك يد فيها أيضاً!

ولهذه الفكرة تطبيقات عملية وإن كانت مخيفة.. فالطالب الذى يتعاطى عقاقير ليلة الإمتحان كى تحسن ذاكرته أو يعمل “برشام” يساعده فى التذكر هل يمكننا إتهامه حقاً بالغش؟ تذكر أن زميله قد يكون وُلد بذاكرة أقوى وبالتالى فكل ما يحاول “الغشاش” أن يفعله هو عَدْل الميزان المائل فقط. نفس الكلام ينطبق على اللص الفقير.. فالغنى قد وُلد بمواهب وقدرات لم تُمنح له فحاول عن طريق السرقة أن يعيد الأمور إلى ما كان ينبغى أن تكون عليها منذ البداية. وماذا عن مريض الفشل الكلوى الذى يرشى طبيباً ليسرق كِلية إنسان آخر ويعطيها له؟ (بافتراض عدم وجود إمكانية للبيع والشراء الطوعى) هل هو وحش لا ضمير له ولا أخلاق؟ ربما.. لكن تذكر أنه فقد كليتيه الإثنتين بلا ذنب إقترفه بينما وُلد المعافى بكليتين لم يستحقهما فهل من الظلم أن يعيش كل منهما بواحدة؟ والأمثلة كثيرة لا تنتهى..

ستلحظ سريعاً أن إجابات الأسئلة التى نطرحها إنحصرت فى مناظرة ومبارزة بين فكرتين أساسيتين: الفردية والجماعية. الأولى تتمثل فى الرأسمالية بفروعها، وتنص على أن للإنسان ثمار عمله وعلى القانون حماية الملكية الشخصية والدفاع عنها، وأن على المجتمع تشجيع مَن وُلدوا بجينات جيدة وترك الآخرين ينقرضون. أما الثانية فتتمثل فى الشيوعية بفروعها، وتنص على المشاركة والتوزيع على المشاع، أى أن مجموع ما يملكه المجتمع هو ملك للمجتمع وليس لأحد أن يستأثر حتى بمواهبه التى خرج من بطن أمه بها. وغَنىّ عن القول أن كل دول العالم تنتهج نهجاً وسطاً بين الفكرين وإن لانت سياسة بعضها تارة لهذه وتارة لتلك

أما عن رأيى الشخصى فبعد تفكير كثير شمل الجانب الدينى والذى ينحاز -فيما أعتقد- للجانب الفردى باعتبار أن الله هو الذى وزّع الأرزاق بحكمته ومن ثَم فلا ينبغى للبشر التدخل فى ذلك التوزيع إلا بمقدار الزكاة 2.5% فقد رأيت أنه فى الوضع المثالى -والذى يستحيل تطبيقه- كان ينبغى على العالم كله أن يكون جماعياً بحتاً بحيث توزَّع كل الموارد على الجميع بصورة متساوية (باستثناء مَن يولدون بإعاقة مزمنة أو مرض يتكلف علاجه الملايين)، لكن لأننا إن تبنينا ذلك الفكر فسيعزف معظم الناس عن استغلال مواهبهم وسيختفى الحافز للإنتاج والإبداع فنحن مضطرون آسفين إلى انتهاج سياسية شبه فردية نعترف بظلمها، إلا أنه ثبت تاريخياً من تجارب الإتحاد السوفيتى ومصر الناصرية وغيرهما الكثير أنها أفضل فى المُجمل مِن السياسة شبه الجماعية عند التطبيق على أرض الواقع

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted أبريل 20, 2012 by حسام حربى in فلسفة

سراب الحقيقة   2 تعليقان

تبث محطات الإرسال نفس الذبذبات للجميع لكن يختلف إستقبالها باختلاف المستقبِل.. فالتلفزيون الملون سيعرض صورة تختلف عن الأبيض والأسود والذى بدوره سيختلف عن تلفزيون ذو شاشة مشروخة، أما التفزيون المعطّل فلن يعرض شيئاً بالمرة. ولا يختلف الأمر بالنسبة للبشر، فبدون عين ترى غروب الشمس أو نجوم السماء ومشاعر تتأملها لا تُعد الشمس قد غربت ولا تُعد النجوم قد وُجدت، ومن فلسفات الصوفية العميقة عن سبب خلق الإنسان أن الله “كنز مفقود” فخلَقه كى يجده ويتأمل عظمته ويتعرف عليه.. ومن الأسئلة الفلسفية الطريفة “هل يَصدر صوتاً عن شجرة وقعت فى الغابة إن لم يسمعها أحد؟” فطبعاً هى قد أصدرت صوتاً بوقوعها ولكن لأن أحداً لم يسمعه فكأنه لم يكن ومن ثَم فلا يُعتبر قد صَدَر أصلاً. ومشهد مطاردة وإلتهام فهد لغزالة مثلاً قد تراه أنت مأساوياً فى حين يراه أحد الصيادين مثيراً، ومشهد حرب ودمار وخراب يختلف تأثيره بالمُشاهِد فإن كان لدولة أو جماعة يراها ظالمة فهو مشهد سعيد يرى فيه عدالة السماء فى حين يراه من يتعاطف مع تلك الدولة أو الجماعة كمشهد حزين وكئيب ولمن لا يعلم عنها شيئاً لن يكون له أى تأثير

ومن أطرف الأمثلة على ذلك تلاحظها عند تأمل تفسير المسلمين واليهود لإصابة أرئيل شارون بجلطة فى المخ أردته طريح الفراش بين الحياة والموت.. فقد قال المسلمون أن هذا يمثل إنتقام الله منه على جرائمه بحق الفلسطينيين، بينما أكّد اليهود أنه يمثل إنتقام (يهوة) منه بسبب إنسحابه من غزة! ومثلها عندما أصيب الداعية الإسلامى أحمد ديدات بوعكة مفاجئة أصابته بالشلل التام.. فقد هلل المسيحيون “لإنتقام الرب من عدوه” بينما إزداد المسلمون إيماناً بـ”رغبة الله فى رفع درجات الشيخ فى الجنة”! وبالتأكيد سينظر العلمانيون للحالتين على أنهما مجرد صدفة قد تحدث لأى شخص. ولهذا فلا نستطيع القول بأن أى حدث يمثِّل فى حد ذاته معلومة مفيدة دون إعتبار وجهة نظر تشعر وتكوِّن رأياً إزاءها

ومن هنا تتجلى مدى صعوبة إن لم يكن إستحالة الحكم “العادل” أو “المتزن” على الأمور، فكيف تُصدِر حكماً عادلاً أو متزناً على أى شىء حينما يكون عقلك الذى تستعمله للحكم قد تشكَّل بظروف فريدة لم تشاركك فيها العقول الأخرى التى تَحكم على نفس الشىء؟ فبما أن كل إنسان نشأ فى بيئة وظروف خاصة جعلت له قاموساً للصواب والخطأ يختلف فى تعريفاته عن قواميس الآخرين كان من الحتمى أن يختلف الناس فى نظرتهم للأمور من أول تسخيف الآراء وحتى الإقتتال.. فلا يبدو أن هناك موضوع واحد يتيم يتفق جميع البشر عليه من أول العقوبة المناسبة للسرقة (إن تم التسليم بأنها تستحق العقوبة أصلاً فالشيوعيين مثلاً يرون التأميم جائز) إلى عقوبة القتل (إن سلمنا باتفاق الجميع على خطئه أيضاً فالبعض يراه جائزاً فى حالة “الحرب على الإرهاب” والبعض الآخر فى حالة “الدفاع عن النفس ضد من يحاربون الإرهاب”!) إلى عقوبتى الزنا والشذوذ (إن أجمع الكل على خطئه ولم يعتبره البعض حرية شخصية)

وقد قال القدماء أن “آفة الرأى الهوى”، فلا تستطيع أخذ رأى فقيه فى مشروعية التدخين مثلاً إن كان يدخن أو كان يكره التدخين، ويَصعب أن تجد إنساناً ليس لديه إنحياز إما مع وإما ضد التدخين. ومن شبه المستحيل أيضاً أن تجد قاضياً لا ينحاز بأى صورة من الصور للمتهم أو للمجنى عليه، فإن كانت القضية سببها سرقة فقير لسيارة غنى مثلاً فستجد أن القاضى الذى أتى من طبقة مرفهة ينحاز للمسروق لأنه يضع نفسه مكانه ويعرف مدى ارتباط الشخص بسيارته ويحتقر اللص الذى لم يتحكم فى رغباته الخ بينما القاضى الآت من بيئة أفقر سينحاز للسارق لأنه يعلم معاناته ومدى تأثير الحرمان وقوة الضغوط الواقعة عليه الخ، ناهيك عن أن واضع القانون المحدِّد لعقوبة السرقة كان ولا شك بدوره واقعاً تحت بعض تأثير أحد هذين الإنحيازَين. والأدهى من كل ذلك هو الإنحياز للمعيار الذى سنحتكم إليه فهل هو المساواة أم الديمقراطية ام الدين مثلاً؟ وحتى بداخل كل معيار من هذه عشرات إن لم يكن مئات التفسيرات والنظريات والأطروحات!

ولذا فإن محاولاتنا لتطبيق ما نعتقد أنه عدل أو صواب فى أى مسألة من المسائل لا تعدو عن كونها اجتهادات نسبية. ليس هذا فقط، بل إنه لا يوجد شىء إسمه صواب أو خطأ من الأساس خارج عقولنا. فالصواب والعدل والحق والظلم أفكار مجردة مثلها مثل الجمال والقبح والنجاح والفشل، لا يمكن تعريفها خارج الإطار الشخصى بحسب وجهة نظرك

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted أبريل 15, 2012 by حسام حربى in فلسفة

نظرية اللازمن أو الصور المتحركة   2 تعليقان

فى كل كادر جديد يظن القرد والدب أنهما مرا بالكادر السابق.. لكن هذا مجرد وهم

تخيل يا عزيزى القارىء أنك علمت أنك ستموت بعد عام.. لكنك علمت أيضاً أنه فور وفاتك سيتم خلق إنسان يشبهك تماماً ليس فقط فى الشكل والطباع، لكنه سيحمل نفس ذكرياتك أيضاً. هذا الإنسان سيتصرف مثلك فى كل شىء ولن ينتبه أحد أنك تغيرت حتى والداك وأبناءك. فهل يا ترى ستبعثر نقودك فى محاولة للإستمتاع بالحياة قبل وفاتك.. أم أنك ستحمل هَم شبيهك الذى سيكمل مسيرتك من بعدك كما يحمل الأب هَم ابنه فستكمل العمل باجتهاد على أهدافك طويلة الأمد؟ لاحظ أنه لن يعرف أنه شبيهك لأن ذاكراتكما متطابقة، وبالأحرى قد تكون أنك شبيهاً لمن عاش قبلك منذ عام كذلك إلا أنك لا تعلم

طيب تعال الآن نعدل المثال قليلاً ونقول أنك لن تموت بعد عام، لكنك وُلدت منذ لحظات وستعيد نفس الدورة من جديد بعد عام. فمثلاً إن كان عمرك الآن 20 عاماً سنتخيل أنك ستحيا حتى عيد ميلادك الـ21 ثم تبدأ هذا العام مرة أخرى لتحياه مثلما حييته من قبل ثم تبدأه ثانية فى دورة أبدية.. أنت لا تعلم أنك تعيده لأنك فى كل مرة تنسى أنك عشته من قبل وتظن أنها أول مرة لك، وتظن أيضاً أنك قد عشت الـ19 عاماً الماضية، لكن الـ19 عاماً الأخرى فى الحقيقة عاشها 19 إنساناً يشبهك وليسوا أنت

والآن تعال نقصر هذه المدة ونتخيل أنك ستعيش لمدة يوم واحد تعيده مرات لا حصر لها. ثم ساعة، ثم دقيقة، ثم ثانية، ثم لحظة..

هذه هى نظرية اللازمن.. أو الصور المتحركة

تقول هذه النظرية أن الزمن مجرد وهم، وأنه لا يوجد ماضى ولا مستقبل. كل ما هنالك هو قوالب ثابتة تماماً كالصور المتحركة. فأنت إن تخيلت شريط كرتون مدته 10 ثوان به 100 صورة، ففى الحقيقة أن الـ100 صورة هذه والتى يوجد بها 100 رسمة لشخص واحد بها 100 شخص مختلف. وفى الكادر الـ50 يظن أنه عاش 49 لحظة ماضية، لكن هذا مجرد وهم موجود فى ذاكرته، فهو لم يعش منذ خُلق سوى لحظة واحدة لا تتبدل ولا تتغير، وكذا الـ99 شخصاً الآخرون. هؤلاء المائة شخص ليس لهم ماضى ولا مستقبل.. فهم تم رسمهم جميعاً فى نفس الوقت، إلا أن كل منهم يظن مخطئاً أنه حلقة فى سلسلة زمنية لها ماض ومستقبل

بناءاً على هذه النظرية يكون هناك شخص مواز لك يولد الآن، هو كان يولد ومازال يولد إلى الأبد، وسيظل على هذه الصورة دائماً. ويوجد شخص مواز لك يحتضر الآن.. هو لم يعش أى لحظات أخرى قط، بل هو هكذا منذ خُلق لا يتبدل ولا يتغير، بيد أنه يحمل فى ذاكرته ذكريات سنين عمرك كلها التى لم يعشها. وتكون “أنت” الذى تقرأ نهاية هذا المقال مختلفاً عن “أنت” الذى قرأ بدايته، بل أنت الذى تقرأ هذه الكلمة مختلفاً عن أنت الذى قرأ الكلمة السابقة.. فكل “أنت” منهم منذ خلق لا يفعل سوى النظر لحرف واحد وإلى الأبد، لكنه يحمل ذكريات الثوانى والدقائق والسنوات الماضية فى رأسه

هذه النظرية المجنونة ليست بلا أدلة.. فيؤيدها من الجانب العلمى إلى حدٍ ما مشاهدات الفيزياء الكمية والنظرية النسبية لأينشتَين والتى تشكك فى وجود الزمن، أو على الأقل تشكك بوجوده بصورته المفهومة لدينا. ويتبناها بعض العلماء فى محاولة للهرب من سؤال “كيف بدأ الوجود” لأنها تنص على أنه لا يوجد شىء إسمه “بداية” أصلاً فكل الأزمنة من ماض ومستقبل متواجدة معاً. كما يعضدها من الجانب الدينى بعض طرق فهم القضاء والقدر، ومن الجانب الفلسفى فكرة الحتمية الشبيهة بالقضاء والقدر

هى بالطبع نظرية عميقة وفهمها صعب، لكن عزاءك على الأقل هو وجود صحبة تحاول فهمها معك فى نفس الوقت تتكون من.. بلايين التوائم!

(أحد نُسخ) حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted أبريل 3, 2012 by حسام حربى in فلسفة

هل أنت ذاكرتك؟   Leave a comment

أثناء القراءة عن موضوع شيّق يسمى بالحلم الواعى lucid dreaming-وهو الحلم الذى تنتبه أثناءه أنك تحلم فيكون بوسعك أن تفعل أى شىء تريده- خطر على بالى سلسلة من التساؤلات المثيرة.. ماذا لو عُرض عليك دفع نقود أثناء اليقظة كى تتمكن من معايشة هذه التجربة شريطة أن تنسى الحلم عندما تستيقظ، هل ستقبل العرض؟ والعكس.. ماذا لو عُرض عليك مبلغاً طائلاً مقابل أن تحلم بكوابيس بشعة كل ليلة لكنك لن تتذكر أياً منها عند الإستيقاظ، هل ستقبل المال؟ إن قبلته، سنصعب الموضوع قليلاً ونتخيل أن الكابوس سيمر عليك أثناء النوم كأنه ملايين السنين لكنك لن تتذكر شيئاً منه إبان الإستيقاظ، هل ستقبل المبلغ فى هذه الحالة أيضاً؟

فى الحقيقة إن قبولك أو رفضك لتلك الصفقات يدل على شىء لا يخطر ببالك.. وهو مستوى أنانيتك. فعندما نفصل تماماً بين ذاكرتك وأنت مستيقظ وذاكرتك وأنت نائم تتحول أثناء نومك -عملياً- إلى شخص آخر لا علاقة له بالشخص الأول! وتكون الصفقة هنا أشبه بمن يعرض عليك دفْع نقود كى يستمتع شخص آخر، أو أخْذ نقود كى يتعذب شخص آخر

وهذا جرّنى بطبيعة الحال إلى سؤال أعمق، وهو هل يجوز محاسبة إنساناً فقد ذاكرته على شىء فعله قبل فقدانها؟ فلو إعتبرنا أن الإنسان هو ذاكرته بموجب الأمثلة السابقة فسيكون فقدانها أشبه بفقدان الهوية، وكأن هذا الشخص صار إنساناً مختلفاً تماماً ومن ثَم لا يمكن محاسبته على ما فعله إنسان “آخر”. ويفتح هذا الباب أيضاً أسئلة عن فلسفة الأديان القائلة بتناسخ الأراوح.. فإن قلت لك أنك ستولد فى جسد شخص تعيس أو شخص معاق إن إرتكبت ذنوباً فى الحياة، لماذا ستهتم؟ فالذى سيعانى من التعاسة أو الإعاقة هو شخص غيرك بعدما تكون أنت مت وإنتهيت. وإضافة لذلك يبقى سؤال سخيف.. ماذا لو نقلنا ذاكرة إنسان إلى آخر، هل سيستحق الآخر أن يعاقَب على جرائم الأول؟ وسؤال أسخف: ماذا لو استنسخنا نسخة طبق الأصل منك بما فيها ذكرياتك ثم قتلناك.. هل تكون أنت أم لا؟

ومن الفوازير الفلسفية الطريفة سؤال يقول هل تود لو تحولت إلى أى شخص تتخيله عنده من المال والجاه والوسامة مثلاً لكن مقابل محو ذاكرتك الحالية تماماً؟ وطبعاً الإجابة الصحيحة أن ترفض العرض.. لأنك لو قبلته فهذا يعنى عملياً موتك مقابل خلق شخص جديد لا يمت لك بأى علاقة! وهذا يجعلنا أيضاً ندرك سذاجة تمنى أن يكون شخص مكان آخر.. فلو حدث ذلك فعلاً لما شعر أيهما بأى تغيير لأنهما لن يتذكرا أنهما كانا شخصان مختلفان منذ لحظة! أى أن جميع البشر لو كانوا يوضعون مكان الآخرين كل صباح لما شعر أحد منهم بأى فارق ولسارت الدنيا كما تسير دون حدوث ذلك تماما

وقبل أن تتهمنى بالمبالغة فى الفلسفة والإنفصام عن الواقع دعنى أذكر لك اكتشافين علميين لم يمر عليهما سوى أيام قلائل.. وهما تمكن العلماء من إزالة ذكريات معينة دون غيرها من أدمغة الفئران[1]، والأدهى هو تمكنهم من زراعة ذكريات كاذبة فى أدمغتها باستخدام أدوية خاصة[2]. ولن يمر من الوقت الكثير قبل تمكنهم من تكرار نفس التأثير فى البشر.. وسرعان ما سيهرع لاستخدام تلك الأدوية مؤسسات الإستخبارات على وجه الخصوص وحكومات الأنظمة القمعية على طريقة أفلام الخيال العلمى (وهذا بافتراض عدم وصولهم لتك الإكتشافات سراً قبل الإعلان عنها أصلاً)، مما يعنى أن أى ذكريات لنا لن تكون مؤكدة. فكيف سيغير ذلك من نظرتنا للعالم ولأنفسنا؟ سؤال أترك القارىء متصدع الرأس الإجابة عليه.. شريطة تأكده من قراءته حقاً!

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

[1]http://www.mindpowernews.com/MemoryDrug.htm
[2]http://www.newscientist.com/article/dn21621-false-memories-generated-in-lab-mice.html

Posted مارس 30, 2012 by حسام حربى in فلسفة

مَن أنت؟   2 تعليقان

تعال نزيل كل عناصرك المادية لنحاول اكتشاف الموجود تحتها.. تعال نزيل الشعر والجلد والشحم والعضلات والعظم والحمض النووى.. تعال لنمحو الإسم الذى أعطاه لك أبواك، ولنمحو الذاكرة التى شكّلتها الأيام والسنين.. تعال لنلقى المخ الذى هو مجرد شبكة أعصاب فى جمجمتك بعيداً، ونتناسى قدرتك على التفكير والنطق لأن أفكارك وكلماتك ولغتك ما هى إلا ومضات كهربائية داخل قطعة مخك وستفقدها بتقدمك فى السن.. تعال نتجاهل رغباتك وشهواتك وطموحاتك ومخاوفك وآراءك ومعتقداتك فكلها من خصائص الجسد الذى تركبه والظروف التى وُضع بها وليست من خصائصك أنت ولذا تتغير من آن لآخر، وتعال نشطب من تعرفهم فهؤلاء وضعَتهم الظروف فى طريقك وليسوا من خصائصك الذاتية، ودعنا نطرح من تحب وما تحب جانباً فالحب يسببه هرمونَى الأكسِتُسين والدُبَمين والمصلحة بدليل حبك لمنزلك وسيارتك وهما جمادات، وسيلحق بهم من تكره وما تكره فالكره والغضب يسببهما هرمونَى الأدرِنَلين والتستسترون وتضارب المصالح وليسا من خصائصك الذاتية أيضاً.. فنحن نريد جوهرك الحقيقى فقط

والآن بعدما أزلنا كل أجزاء الآلة الخارجية وتبقيت أنت.. مَن أنت؟

https://ubser.wordpress.com

Posted مارس 27, 2012 by حسام حربى in فلسفة

أنت لست فرداً واحداً.. بل أجيالاً متلاحقة   Leave a comment

زرت بذاكرتى مراحل حياتى المختلفة.. فوجدت أن ما فعلته فى مرحلة معينة قد لا أفهم لاحقاً -عندما أصل إلى مرحلة أخرى- كيف صدر منى وقتها وأعتبره كان تهوراً أو غباءاً، وما كنت أستهجنه فى مرحلة معينة قد يصير طبيعياً تماماً فى مرحلة تالية.. بل إنى قد أتصرف بطريقة معينة فى موقفٍ ما بالأمس وأتعجب اليوم كيف فعلت ذلك وهل كنت فى وعيى عندما فعلته! ولأنى لست وحدى فى هذه الظاهرة إذ لا يكاد يكون هناك إنسان قُدر له أن يعيش لِما بعد الطفولة إلا وحتماً تعرض لها فقد خَلُصت إلى أن الفرد منا ليس فرداً بالمعنى الحقيقى.. فحياتنا نتكون من مجموعة كبيرة جداً من الافراد قد تصل إلى المئات أو الآلاف، يولد كلٌ منها عند تغيّر الظروف المحيطة ثم يبقى ما بقيت وفى نهايتها يموت عندما تتغير مورثاً جسدنا لروح جديدة تناسب الموقف الجديد. فقد أكون بخيلاً فى الوضع الطبيعى مثلاً لكنى أرى مسكيناً فأرِق لحاله “فتتقمصنى” روح كريمة لعدة ثوان، وقد أكون جاداً فألتقى أحد أصدقائى الهزّالين فأتحول لشخصية طريفة طيلة الجلسة قبل العودة إلى الجد مرة أخرى وهكذا، فأيهم “أنا” إذاً؟ هل أنا شخصية واحدة من تلك المتناقضات أم أنهم جميعاً أنا؟ لعل التفسير يكون فى أننى أتكون من “معادلة” تستجيب للمدخلات المختلفة بطريقة ثابتة ولست “نتيجة معادلة” ثابتة

ولهذه الفكرة تداعيات خطيرة على مبادىء العدالة والجزاء التقليدية، فقد تربينا وتعودنا منذ نعومة أظافرنا سواءاً فى تعاملاتنا الشخصية أو نظمنا القانونية أو معتقداتنا الدينية أن المحسن يجب أن يكافأ والمسىء يجب أن يعاقَب. لكنك تجد أن اليأس قد يؤدى بك فى مرحلة من المراحل إلى جعلك تسرق، والغضب فى موقف من المواقف قد يجعلك تقتل.. فهل أنت الذى تستحق العقاب أم تستحقه “نفسك الأخرى” التى قامت بهذا الفعل وتتنصل أنت منها الآن وكأن جناً قد تقمصك لحظتها؟ من هنا تأتى فلسفة التوبة، وأن الإنسان طالما ندم على شىء فهو يُمحى وكأنه لم يكن.. لكن فتح باب التوبة فى المعاملات الدنيوية يفتح مشكلة أخرى، إذ أن الكثيرين سيستغلونه لفعل كل ما يخطر ببالهم ثم يسارعون بإعلان توبتهم وبراءتهم من “نفسهم القديمة” لصالح “نفس جديدة” لم تذنب

ولهذا فيبدو أن فكرة مكافأة المحسن ومعاقبة المسىء إنما يتبناها المجتمع لكونها تخلق حافزاُ لفعل الخير ورادعاً عن فعل الشر وليس لكونها فكرة عادلة، فأين العدالة فى محاسبة إنسان على فعل إنسان آخر تقمس نفْس الجسد منذ بضع سنوات أو أيام أو حتى دقائق؟ بل إن “نفس الجسد” إصطلاح غير دقيق لأن خلايا أجسادنا تجدد نفسها بالكامل تقريباً كل سبع سنوات فلا يبقى من نفسك القديمة أثر يُذكر لا نفسياً ولا جسدياً. وإن صح هذا الكلام فماذا نفعل بالإساءات السابقة؟ هل نعفو عنها إن ندم المسىء وكأنها لم تحدث؟ أم أنه مادام ظلماً قد وقع فلابد لأحد من تحمل مسؤوليته وتبعاته حتى إن كان -عملياً- شخص آخَر غير المسىء وكأنه إبنه الذى ورث ذنب أبيه؟

ولنأخذ مثالاً عملياً تخيل أن لصاً سرقك منذ عشر سنوات وأنفق المال ثم ندم وذهب إليك يستسمِحك، فهل العدل يقتضى أن يعيد المال إليك من نقوده الخاصة أم أن هذا سيكون بمثابة ظلم جديد لشخص آخر وهو “اللص التائب” الذى يختلف كلياً عن “اللص السارق”؟ يبدو هنا أن العدل يقتضى إعادة المال لكن ليس لكونه مذنباً -إذ أن المذنب قد مات لحظة شعوره بالندم ووُلد مكانه شخص جديد- ولكن لكونه إستمتع بمالك فمن حقك الآن أن تستمتع بماله، إذ أن نفسه المستمتعة بالمال ونفسك المتألمة بفقدانه لم يموتا، بل ما مات هو نفسه الآثمة فقط

إذاً فلا معنى لمعاقبة الظالم على الظلم مادام قد ندم عليه، لكن تعويض المظلوم على ما فقد لا يسقط بالتقادم. ونُذَكر مرة أخرى أن تطبيق نظاماً كهذا من الناحية القانونية محال لأنه سيستحيل تفرقة النادم حقاً مِن مَن يدعى الندم ليفلت من العقاب الرادع كالحبس أو الإيلام الجسدى. ولا ينبغى عليك أن تتذمر عزيزى القارىء لأن المقال لم يضف اقتراحاً عملياً يغيّر حياتنا للأفضل.. فما إلا لهذا وضعته تحت باب الفلسفة!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مارس 23, 2012 by حسام حربى in فلسفة

من الذرة للمجرة   Leave a comment

الصورة اليمنى للكون، واليسرى لخلية مخ

إن حرية الإنسان لا تغدو عن كونها جزءاً يسيراً جداً من حياته، فهو لا يستطيع تغيير إحتياجه للطعام والماء والهواء ولا للحركة والنوم والتفكير ولا الفرح والحزن.. وما تبقى من قرارات يعتقد أنها إختياراته الحرة تخضع لضغوط كثيرة جداً وراثية وبيئية وهرمونية كالتى تحدثنا عنها فى مقالات علم النفس، فعقلك بشقيه الباطن والواعى هو نظام سياسى متكامل لدولة بما فيها القائد (أنت) والمعارضة (ضميرك) والنفعيون (رغبتك فى اللذة العاجلة) والحكماء (رغبتك فى النجاح طويل الأمد) والعسكريون (الرغبة فى المنافسة والأذى والإنتقام) والسلميون (الرغبة فى الصداقة والتعاون) بل وحتى الكاذبون مزورى التقارير وقالبى الحقائق (خداع النفس)! وقد يأخذ القائد أحياناً قراراً بحبس المعارضة، أو إعدام الفاسدين، أو الإستماع للمخططين، بل وقد يقوم العسكر بانقلاب عليه فيفقد زمام الأمور تماماً إلى حين نجاح أو فشل ثورتهم. ولذا فإن اختزال الإنسان فى شخص واحد وهو القائد تبسيط شديد وبُعد عن الحقيقة، فكل منا هو فى الحقيقة مجموعة من آلاف القوى المتناحرة وما يظهر على السطح هو قرارها النهائى فحسب

هذا عن العالم الصغير بداخل الإنسان، لكن ماذا عن العالم الكبير خارجه؟ نلاحظ أنه عند تجمع عدد كبير من الناس فى مظاهرة مثلاً أنهم يتحولون إلى كيان جديد متحد ويصير كل منهم عضواً فيه بعدما نُزعت منه حريته وإستقلاليته.. فهل وُلد مخلوق جديد له وعى وإرادة منفصلين وهيمن عليهم عندما تجمعوا ثم مات عندما انفضوا؟ وكذا على مستوى الدول خاصة فى أوقات الحروب والصراعات إن نظرت إليها من منظور كبير، فتكون الدولة كالجسد المترابط وتسخّر كل إمكانيتها فى سبيل هدف معين. ثم قارن بين موت عشرة ملايين إنسان مبعثرين على مستوى العالم فى وباء كالطاعون مثلاً وبين موت نفس العدد لأمة واحدة تندثر. هل تلاحظ الفارق؟ رغم أن تعداد الوفيات واحد إلا أنه فى الحالة الثانية يبدو وكأن شخصاُ إضافياً قد مات وهو “روح” هذه الأمة التى هى أعظم وأبقى من مجموع أفرادها. بل إن تخلّى أمة عظيمة عن عاداتها وتقاليدها ولغتها ودينها وثقافتها يُعد فى حد ذاته موت مخلوق عظيم حتى ولو لم يصاحب ذلك موت فرد واحد من أفرادها

وقد إستغربت كثيراً من التشابه بين الخلية والإنسان والمجتمع والنجمة، فجميعهم عندما يموت أحدهم تُستخدم أجزاءه لتكوين كيان جديد من فصيلة شبيهة، كما أن جميعهم يتوالد ويموت ليحل محل الـ”جيل” القديم جيل جديد لبعض الوقت قبل انهيار النظام برمته ليختلط مرة أخرى بالنظام الأكبر منه فى دورة لا تنتهى. وكما يمكنك فقدان جزء من شخصيتك فى صدمة يمكن للدولة كذلك فقدان جزء من سكانها فى الكوارث، وكما يمكن سرقة أو بيع جزء من جسد إنسان لصالح آخر يمكن للدولة فقدان جزء من أراضيها فى الحروب أو فى الإنفصالات والتحالفات. وكما يتغير الإنسان قلباً وقالباً على مدار السنين تتغير الدولة تدريحيا من جيل لآخر بحسب تغيرات الظروف والعوامل المحيطة. وعلى المستوى الأكبر يمكن لمجموعة نجوم الإنضمام لمجرة أخرى حينما تتصادم مجرتان أو تلتهم إحداهما الأخرى كما يلتهم السبع فريسته! إنه حقاً لتشابه عجيب يصل إلى التطابق، وكأن كل وحدة من وحدات الوجود تجمع بين الإستقلالية على مستواها والإندماجية على مسوى أكبر منها والتَجَزُّء على مستوى أصغر منها فى ذات الوقت

فلماذا لا يكون الواحد منا كخلية الجسد تماماً، يندفع بقوة غير معلومة نحو نظام وخطة عليا دون أن يدرى؟ بل وربما تظن خلايا أجسادنا نفسها حرة وأنها تأخذ قراراتها بيدها بينما هى فى الواقع تسير وفق خطة محكمة ومجال دقيق للحركة لا تستطيع تجاوزه. وربما تكون للخلية أيضاً “حرية” بقدرٍ ما متاحة لها فى مجال صغير جداً لا نلاحظه نحن، تماماً كما سيعجز من يرانا من الفضاء الخارجى أن يلاحظ حريتنا من كثرة ما سنبدو كالخلايا المبرمجة التى تجرى وفق نظام محدد للصراع والتنافس دون تفكير. وكما أن بعض البشر يخرجون عن مسارهم الطبيعى فى الحياة فهناك بعضاً من كرات الدم البيضاء تهاجم صاحبها بدلاً من حمايته! والخلايا السرطانية هى نموذج لخلايا صالحة فسدت، فيهاجمها الجسم ويدمرها فى الوضع الطبيعى قبل أن تستفحل وتخرج عن السيطرة، مثلها مثل المجرمين فى مجتمعنا تماماً. وقد أثبتت تجربة تكاد تكون مخيفة أن الخلايا التى لا يمكنها إستيعاب سكر اللبن “لاكتوز” تأقلمت وإستوعبته عندما لم يكن أمامها أى مصدر طعام آخر، وكأنها إنسان يأخذ قرارات ويتأقلم ليأكل ما لا يحب عندما لا يجد بديلا له! كما أن بعض الخلايا تنتحر عندما يهاجمها المرض لتحمى بقية الجسم تماماً كما يفعل الإستشهاديون فى عالمنا!

السؤال قد يتحول إذاً من “هل أنا مسير أم مسير” إلى “هل كل أجزاء الكون مخيرة أم مسيرة؟”، فنحن جزء لا نتجزء منه، ولعل أحدنا لا يزيد عن كونه خلية من خلايا الكون. وإن صح هذا الكلام فلن يكون هناك شىء إسمه جماد، فكل شىء من الذرة إلى المجرة سيكون فيه حياة ويسير وفق قوانين ثابتة رغم اعتقاده -أو على الأقل احساسه- بأنه حر مختار

فهل مازلت متأكداً من كونك مخلوق حر ومستقل، أم أنك مجرد درجة فى سلم الوجود تتكون من أجزاء أصغر وتكوِّن جسماً أكبر؟

حسام حربى
https://ubser.wordpress.com

Posted مارس 19, 2012 by حسام حربى in فلسفة