Archive for the ‘معارضة’ Category

رؤساء مصر القادمون تحت بيادة العسكر   Leave a comment

ساذج هو من ينظر لظواهر الأمور دون بواطنها خاصة فى عالم السياسة، وأشد سذاجة منه من ينظر لليوم دون الغد خاصة -أيضاً- فى عالم السياسة.

لم يكن المرء يظن أن المصريين بحاجة لأن يوعظوا بهاتين القاعدين الأساسيتين. فاحتفال معارضو الإخوان بالإطاحة بهم أشبه باحتفال تاجر بالسطو على محل منافسه، متناسياً الأضرار الجسيمة التى ستقع عليه وعلى جميع التجار نتيجة إنعدام الأمن على المدى البعيد. فرئيس مصر القادم سيعلم -لا محالة- أن أمر إبقاءه أو الإطاحة به بيد العسكر، وأنه إن أغضبهم أو عارضهم فلن تتعدى أيام حكمه أول مظاهرة تَحشِد بضعة ملايين من معارضيه يتخذها الحكام الحقيقيون ذريعة لعزله ومحاكمته “بإسم الشعب”. وهذا لعمرى لهو الإستبداد بعينه والحكم العسكرى بتعريفه، فلا يهم إن كان الرئيس القادم إسلامياً أم علمانياً.. رأسمالياً أم اشتراكياً.. محافظاً أم منفتحاً.. فكل هذا سيكون شعار وغطاء خارجى، أما فى الحقيقة فلن يعدو عن كونه ألعوبة بيد الجيش يحركها كيفما يشاء.. فلم يزل العسكر يحكمون مصر لكن هذه المرة من وراء الستار.

لكن ما مشكلتنا تحديداً مع حكم العسكر؟ هل أنهم غير منتخبين فلا يمثلون الشعب ولا يمكن التخلص منهم بعد أربعة سنوات؟ هل أن عقليتهم قائمة على نظام جبرى قوامه تنفيذ التعليمات دون تفاوض أو تنازل؟ هل أنهم -حتى لو تقلدوا مناصبهم مثاليين لا تشوبهم شائبة- سيفسدون من السلطة المطلقة التى لا تحدها حدود والتى تحوّل الملائكة لشياطين؟ كل هذه حقائق، لكنها معروفة للقاصى قبل الدانى. ما نود تسليط الضوء عليه اليوم خصيصاً هو أمر لا يعلمه كثيرون ولا يكاد يذكره أحد: إنه إمبراطورية الجيش الإقتصادية..

فجيش مصر أوشك أن يمر على آخر معركة خاضها أربعة عقود كاملة، ومنذ ذلك الوقت تتفرغ أعداد متزايدة من قادته خاصة المحالين للمعاش لإدارة مصانع تجميع السيارات والأدوات المنزلية، وشركات الملابس والإنشاءات، وأنشطة القرى السياحية وملاعب الكرة، ومزارع القمح ولحم النعام، ومنافذ بيع الأطعمة والوقود، والمملوكة جميعها إسمياً للدولة. ولم يتم الإعلان أبداً عن حجم تلك الإمبراطورية التى يتراوح تقديرها لما بين 15-40% من الاقتصاد المصرى بأكمله، ولا يعلم أحد من الشعب المصرى ولا حتى البرلمان أو الجهاز المركزى للمحاسبات حجم الِنسب والعمولات والمكافآت التى يتقاضها السادة الضباط مقابل جهودهم الإدارية، بل ولم يسمع أحد من الأساس عن حجم ميزانية الجيش الرسمية إلا منذ سنة واحدة فى العام المالى 2012/2011 بعدما نص الدستور الجديد على مناقشتها علناً مخالفاً توصيات كبار الجنرالات.

ليس هذا فقط.. فكأى إمبراطورية أخرى تزدهر إمبراطورية العسكر على أكتاف العبيد. فالفلاح الذى يُنتزع من أسرته وأرضه أو ورشته ليقضى أزهى سنوات العمر دفاعاً عن الوطن قد يقضيها فى الحقيقة فى السخرة لتشغيل مصانع ومزارع السادة الضباط دون مقابل. ولذا فتتمتع هذه المشاريع بميزة كبيرة حيث لا تدفع قرشاً واحداً لمعظم عمالها، مما يمكنّها من منافسة القطاع الخاص المفتقر لهكذا “ميزة” متفوقة عليه فى سعر السلع، وهو ما يفقد القطاع الخاص خاصة الناشىء بل والقطاع العام المدنى أيضاً الكثير من الزبائن وفرص النمو لصالح شركات وأعمال السادة الضباط.

ولذا فحَسن النية هو من يظن أن دفاع العسكر عن قصر وبرلمان ومبنى إذاعة مبارك إبان الثورة -والذى حال دون سَحله فى قصره يوم السبت 29 يناير- كان من قبيل الولاء للرئيس السابق فحسب، فلا شك أن أكبر همومهم كانت حول مصير هذه المليارات السائغة والتى لا يعلمون عما لو كان الرئيس الجديد -الذين ظلوا يؤخرون موعد انتخابه قدر استطاعتهم- سيقصقص ريشهم المترف وينتزعها منهم أم لا. بل إن الكاتب لا يجد كلمة تصف قادة جيش مصر الحاليين أنسب من كلمة “مافيا”.

وختاماً لابد من تذكير أبناء بلدى مصر وكافة دول الربيع العربى بالحكمة من إجراء انتخابات كل بضعة سنوات وليس كل سنة أو كل شهر. ففضلاً عن التكلفة الضخمة التى تقارب 27 مليار جنيه تُهدر معظمها فى الدعاية، فقد أجمعت النظم الديمقراطية فى كافة أنحاء العالم على منح الحزب المنتخَب صلاحية استبداد مؤقت لإثبات نجاحه أو فشله حيث قلما يظهر أثر القرارات الصائبة أو الخاطئة فورياً. ورغم أنه لا يجادل منصف فى فشل نظام الرئيس مرسى الذريع إذا ما أخذنا أول عام كمعيار حيث لم يتغير شىء منذ عهد مبارك بل وتفاقمت بعض الأزمات، إلا أن الكلفة السياسية للإنقلاب العسكرى على الرئيس والمتمثلة فى رؤساء ورق خاضعين لسيطرة الجيش طيلة العقود القادمة لهى مهولة إذا ما قورنت بكلفة سوء إدارة مصر لثلاث سنوات قادمة فقط مع إرساء نظام مدنى ديمقراطى. والعاقل يحسبها.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يوليو 9, 2013 by حسام حربى in معارضة

قصة المستبد والقصر الورقى (تاريخ بديل)   2 تعليقان

كانت هذه المدونة ولم تزل تُركز بالدرجة الأولى على الأفكار العامة التى لا ينتهى تاريخ صلاحيتها بعد عام أو عشرة، وتأتى فى المرتبة الثانية الأحداث التى نستخلص منها أفكاراً عامة. وشخصياً ألوم بعض المدونين الممتازين لأن جُل إنتاجهم من النوع الثالث وهو الذى يفقد بريقه سريعاً مع نسيان الناس للحدث الذى كُتبت التدوينة خصيصاً من أجله. إلا أن اليوم ليس كأى يوم.. إنه يوم عيد. فلأول مرة نختار مَن يمثلنا منذ 60 عاماً. وبهذه المناسبة السعيدة إسمحوا لى بالإحتفال معكم بتدوينة تنتمى للنوع الثالث.. مرة من نِفسى!

مَن يزور مملكة ظلمستان لأول وهلة يظنها أكثر بلاد المعمورة تقدماً، إلا أنه سرعان ما يكتشف أنها لا زالت تعيش فى العصور الوسطى من قهر واستبداد واستعباد.. وذات يومٍ طفح الكيل ولم يعد للصبر حدود ولا مكان يحتمى به، فقد غَر الملكَ خنوعُ الرعية فطغى وتجبر حتى أوصلهم لمرحلة اللاعودة، ووقع المحظور واشتعلت الثورة..

وقف الملك يراقب الشاشات العملاقة التى ملأت قاعة قصره وارتسمت عليه علامات القلق التى كانت تجاعيد وجهه قد نسيَتها.. فهذه المرة لم تكن كسابقاتها. إنهم ليسوا ألفاً أو ألفين، بل ألوفاً مؤلفة. ضغط بإحدى يديه الناعمتين على الأخرى خلف ظهره وهو يجز أسنانه فى مزيج من الغضب والإحتقار بينما دارت عينيه بين شاشة وأخرى تراقب هراوات رجاله تهوى قارعة رؤوس الصارخين بسقوطه، وخُيِّل إليه أنها لا تؤلم محدثى الشغب بما فيه الكفاية

خلال ساعات كان الملك يروح ويجىء فى الغرفة كالنمر الأسير، حتى أن وزير الأمن الذى برفقته كاد يغشى عليه من الدوار
“مولاى.. أقسمت عليك لتريحن نفسك.. لقد قلت لك مراراً أن الأمر لا يستحق”
إلتفت إليه الملك غاضباً هذه المرة “بل يستحق أيها الكاذب. إنهم ليسوا عشرة آلاف كما أخبرتنى، بل تعدو العشرين ألفاً”
بلع الوزير ريقه واحمرت أوداجه.. ليس فقط لأن الملك علم أنه كان يخدعه، بل لأن الثعلب العجوز كان من المكر بحيث أخفى عنه علمه بالحقيقة وسايره
“أتظننى مغفلاً لا أعلم ما يحدث فى البلد؟ إن لى عيوناً لا تعلم عنها.. بل إنهم كادوا يصلون إلى الثلاثين ألف وهم فى إزديادٍ مستمر كالنمل”
إنتصب الوزير من جلسته وقد بدت عليه علامات الجد بعدما كان مسترخياً “سامحنى يا مولاى فقد كنت أود طمأنتك.. فكما تعلم سموّك أن مواليك يتعدون الخمسائة ألف. فقد جمّلت الحقيقة قليلاً كى أُر”
قاطعه الملك صارخاً “خمسائة ألف عبد وليس حر أيها الأحمق. ألا ترى كيف يَضربون الإنقلابيين؟ إنهم يطبطبون عليهم بهراواتهم.. إنهم ينتظرون اليوم الذى ينتقمون فيه منى، أتحسبنى غبياً يا وزير؟”
إبتلع الوزير ريقه وإبتلع لسانه معه، وحاول عبثاً أن يفكر فى طريقة جديدة يقنع بها الملك بأن الشغب لن يتعدى المرات السابقة التى قُتل واُعتقِل فيها بعض الرعية قبل عودة الباقين لبيوتهم، فهذه كانت ثالث إندلاعة فى عامٍ واحد رغم مرور عقود طويلة من الإستقرار. هَم الوزير بالنطق لكن الملك بادره قائلاً “سأرحل”
انتفض الوزير جاحظة عيناه كمن قرأ نعيه فى الجرائد بنفسه “ترحل إلى أين يا مولاى؟”
مد الملك يده إلى جيب سترته قائلاً “سآخذ الطائرة الإحتياطية وأبقى بالخارج لبضعة أيام حتى تهدأ الأمور، وستبلغنى أنت بما يجرى أولاً بأول. وستخبرنى بالحقيقة هذه المرة”
“مولاى.. أرجوك.. أقسم لك أن الأمر لا..” لم يكمل الوزير، فقد كان الملك يجرى إتصاله بطياره الخاص كى يستعد للإقلاع ريثما يحزم حقائبه، فقد كان له مروحية رابضة فى فناء القصر مستعدة لنقله للمطار خلال دقائق إن دعت الحاجة، ويبدو أنها دعت اليوم
بعد دقائق شاهد الوزير الملك وهو يولى مدبراً حاملاً معه حقيبة جلدية صغيرة، وإلتفت الملك إليه قبل مغادرة البوابة “لا تنسى ما قلته لك” ثم صعد سلم المروحية القصير قبل أن تذوب فى الأفق.. وراود الوزير لبرهة أنه لن يرى ولىّ نعمته ثانيةً

كان اليوم التالى رابع أيام المظاهرات.. فقد كان الثوار يعودون لمنازلهم والعبيد لثكناتهم كل ليلة قبل إستكمال الصراع فى الصباح كحروب القرون الوسطى. كان مَن يراقب الشاشات فى القاعة بقلق هذه المرة هو الوزير محاطاً ببعض ضباطه المخلصين. لم يغادر ذهنه مشهد الثورة الفرنسية الذى رآه مرة فى أحد الأفلام والذى تطايرت فيه رؤوس رجال الحُكم وأُسرهم تحت شفرات المقاصل، فلم يكن يكف عن الإستعلام عن أعداد المتظاهرين كل بضعة دقائق حتى ضجر منه مخبروه وصاروا يتجاهلون بعض مكالماته. إندفعت الأفكار فى خياله كالطوفان المنبثق من السد المنهار بعد سماعه آخِر تقرير “يا إلهى.. لقد تَعَدّوا السبعة وثلاثين ألفاً.. إنهم يتكاثرون كالبكتريا.. سيصيرون أربعون ألفاً قبل الغد.. ماذا لو جاءوا إلى هنا..” إنتبَه الوزير ليجد يداً تخنقه بشدة ففزع قبل أن يدرك أنها يد صاحبها، فتظاهر بتدليك ألماً فى رقبته آملاً ألا يكون أحداً ضباطه قد لاحظ. بدت قطرات العرق على جبينه بالرغم من أجهزة المكيِّف، ثم سمع صوتاً هادراً بجانبه يتحدث بحماس الشباب..

“لا تقلق يا سيدى، إن عددهم لم يصل حتى إلى الأربعين، وعندنا ما يكفى من الرجال وزيادة كما تعلم جنابك. سنلقن هؤلاء الأوباش درساً لن ينسوه هذه المرة ليكفّوا عن إستعراضاتهم السخيفة، فلو كانت حركة شعبية بحق لكانوا بعشرات الملايين وليس بضعة آلاف”
صمت الوزير برهة قبل أن يحتسى فنجان قهوته الخامس، ثم رد دون أن يلتفت مثبتاً عينيه على الشاشة اليسرى “أعلم ذلك.. كل ما يقلقنى هو عدد القتلى هذه المرة، فقد تعدى المائة ولن تعتقنا الصحف الأجنبية سليطة اللسان. كما لم يعد لدينا شبر فارغ فى السجون بعد إستضافة الألف السادسة، فلعلنا نشحن النزلاء الجدد للدول الديمقراطية كى يرتاحوا ويريحونا معهم” قالها ثم إلتفَت مطلقاً ضحكة ذئبية عالية، ردد صداها جميع من كانوا بالغرفة
بات الضباط ليلتهم تلك مع الوزير فى القصر، فقد خاف كل منهم الإغتيال إن أبلغ جيرانُه الثوارَ بقدومه إلى منزله، رغم أن احداً لم يُغتيل منذ بداية الأزمة. لكنهم عند إستيقاظهم وجدوا أحدهم ناقصاُ.. إنه الوزير

بحثوا عنه فى جميع جنبات القصر ودورات مياهه فلم يجدوا له أثراً. إتصلوا بهاتفه فوجدوه خارج الخدمة. هرع أحدهم للخارج ليسأل الحرس عما لو كانوا رأوه، لكن عيناه الَّّتا لاحظتا إختفاء المروحية العائدة بعد توصيل الملك ألجمتا لسانه. تجمد الضابط للحظة مذهولاً فاغراً فاه، قبل أن يتمتم قائلاً “يابن الـ..”

حار الضباط فى أمرهم ولم يدروا ما العمل، فبعد تفشى شائعات فرار الطاغية وأغلب وزراءه للخارج قفز عدد الثوار إلى سبعين ألفاً، وبدأوا بالوفود إلى العاصمة من الأقاليم رغم إغلاق الطرق وحظر التجول. والأخطر أن بعض العبيد والضباط قد هرب من الخدمة، بل وإنضم آخرون إلى الثوار الذين بدا بعضهم على شاشات المراقبة ممسكاً بهراوات ودروع الموالى ومرتدياً خوذاتهم. إنقطع إرسال آخِر شاشة مراقبة وهى تبث صورة مشروخة لعصا ضاربة يحملها طفل جالس فوق كتفَى والده، وعندها أدرك الضباط أن اللعبة قد إنتهت، فانسحبوا واحداً تلو الآخر خلال ثوان..

مساء ذلك اليوم اقتحم الثوار القصر والمجلس الملكى والسجن الكبير وأضرموا النيران فيها جميعاً. جُرح منهم بضعة آلاف إلا أن قتلاهم لم يتعدوا المائتين، أَقسَم شهود على رؤية إبتسامات بعضهم تطل من وراء دماءهم المتجلطة. وحين غربت الشمس على عدلستان ذلك اليوم لم تكد تعرفها، فقد بدت لها البلد كأوراق الكُتشينة المبعثرة على الأرض بعدما كانت تبدو كقصرٍ شامخٍ عال. فضحكت الشمس هامسة للقمر بأن هناك من اكتشف الخدعة أخيراً، وأدرك أن القصر الورقى المهيب لا يحتمل أكثر من نفخة قوية ليهوى ساقطاً..

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted يونيو 18, 2012 by حسام حربى in معارضة

من كان وراء مافيا سرقة الأعضاء فى مصر؟   1 comment

ثارت منذ عدة سنوات سلسلة جرائم هزت المجتمع المصرى تمثلت فى خطف سيدات وأطفال وسرقة أعضاءهم، حيث تم العثور على بعض الجثث بلا أعين أو بلا أعضاء داخلية. وترددت شائعات قوية بإغلاق الشرطة متجراً للملابس الحريمى قرب سِتِى ستارز كان معداً لذلك الغرض قيل أنه احتوى على مصعد داخلى بغرفة القياس لخطف المترددات على المحل فيما يشبه فلم من أفلام جيمس بُند. لكن المثير والغريب ليس فى الجرائم وسرعة انتشارها، بل فى السرعة التى تم التقفيل بها على الموضوع واختفائه من الساحة نهائياً بالسرعة التى بدأ بها. فلم نسمع عن تحقيقات نيابة ولا عما تم مع المقبوض عليهم ولا الجهة التى تقف وراءهم رغم ان الإعلام دائماً ما يكون حريصاً على نقل مِثل تلك التفاصيل إن سُمح له بذلك.

دَق ناقوس الخطر عندى وقتها وشممت رائحة مؤامرة تفوح، فالجهة المسؤولة عن تلك الجرائم لابد وأنها غالية جداً علي النظام لدرجة جعلته يُغلق ملف القضية لعدم إثارة الرأى العام ضدها. لكن ما هى الجهات المؤهلة لهكذا مجاملة؟ لم يكن هناك سوى فئتين: أولهما الإسرائيليون لما ارتكبوه ويرتكبوه بحقِّنا دون اتخاذ الحكومة لأية رد فعل عليه ولو رمزياً يحفظ ماء الوجه.. ومِن أبرزه المبيدات المسرطنة التى استمرت محاولات ترويجها حتى 2011 على الأقل[1]، وقتل جنودنا على الحدود حتى أن بعضهم تم دفنه خلسة بلا جنازة إبان النظام السابق كى لا يُثار الرأى العام ضد اسرائيل[2]، فضلاً عن إرسال عاهرات إسرائيليات مصابات بالإيدز لمصر بهدف نشره بين الشباب[3] وهو الأمر الذى تجاهله النظام كالعادة وأعادهن سالمات غانمات، وتهريب المخدارت إلى مصر والذى كانت تتساهل الحكومة معه بتسامح منقطع النظير[4]، وتمويل سدود النيل للدول الإفريقية الساعية لحرمان مصر من جزء من حصتها المائية[5]، ومحاولة الإيقاع بين الجيش والشعب بعد الثورة[6]، بل ومحاولة توريد منتجات تجميل تسبب العقم لتقليل نسلنا[7]، وحتى الدجاج المصرى لم يسلم منهم فعمدوا إلى تهريب لقاحات تصيبه بأنفلونزا الطيور![8] وما خفى كان أعظم فهذا ما نعرفه من خلال الإعلام فقط. فإسرائيل والحمدلله لا تدع للمصريين فرصة نسيان أنها عدوهم اللدود المتربص بهم بكل الطرق حتى لو حاولوا هم ذلك كونهم شعب طيب سريع النسيان. أما مصر فما كان منها إلا رد الجميل.. فزودت جارتها الحبيبة بالغاز المدعم مما أفقدنا حوالى ثلاثة مليارات دولار سنوياً، وعذبت الفلسطينيين ليعترفوا بأماكن صواريخ المقاومة لإفشائها لإسرائيل[8ب]، بالإضافة لحراسة حدود الدولة العبرية من المهاجرين الأفارقة الذين يثيرون الاضطرابات فيها ويقلقون أمنها ويهددون اقتصادها، وهى مهمة مازلنا نؤديها حتى اليوم على أكمل وجه كالكلب الأمين حارس منزل سيده.

أما الفئة الأخرى المحتمل ضلوعها فى سرقة الأعضاء فهم عصابة يتكون أعضاءها مِن مسيحيى مصر. وهذا الشك ليس لثمة عيب فى المسيحيين فالمجرمين يأتون من كل فئة وطائفة، ولكن لأن الحكومة -كما أسلفنا- ما كانت ستصمت على الجريمة لو كان ارتكبها غيرهم. فقد اعتدنا على رضوخ النظام السابق الدائم لمطالبهم وكأنهم يشكلون أغلبية الدولة وليسوا 5.5% من تعداد السكان [9 ، 10] (وهى نفس نسبة المسلمين فى أوربا والذين لا يؤخذ رأيهم خصيصاً فى الإعتبارات القانونية بل يلتزمون بنظام أهل البلد)، فنجد مثلاً أنه قد تم منع فِلمَىّ شفرة دَفنشى وأَجورا العالميين من العرض فى مصر لتعلقهما بأسرار الكنيسة بينما لم يتم الاعتراض أبداً على أى فِلم يسخر من الإسلام أو الإسلاميين كأفلام عادل إمام أو حتى فِلم يخالف العقيدة الإسلامية كـ”آلام المسيح”.. ونجد أنه تم السماح بإذاعة المحطات التنصيرية على النايل سات والتسامح مع الأنشطة التبشيرية فى حين كانت تُمنع وتُغلق المحطات الإسلامية ويُلقى بالدعاة فى السجون، كما كان يُذاع قداس الأحد والإحتفالات المسيحية الأخرى كَرهاً على أهل البلد وتُعطى نفس أولوية الشعائر الإسلامية، فضلاً عن حمْل المسلمين على عطلة السابع من يناير (والذى نتج عن خطأ حسابى قديم ليوم 25 ديسمبر، والذى يمثل بدوره عيد وثنى ظل الرومان محتفظين به بعدما تنصروا فلا علاقة له بميلاد المسيح أصلاً) دون الإحتفال بأعياد البهائيين والشيعة المصريين بالمثل، مما يدل على أن الموضوع ليس إنسانياً تسامحياً بل هو نتيجة نفوذ تلك الفئة بالذات، ربما بسبب سيطرتها على ما يصل إلى 40% من اقتصاد الدولة بحسب بعض التقديرات[11]

لكن الأهم من كل ذلك كان سكوت -وأحياناً معاونة- الحكومة لهم على خطف وتعذيب المسلمات الجدد أمثال وفاء قسطنطين وكرستين قلينى وعبير ناجح وماريان مكرم وتريزا عياد[12] ونرمين عياد وكاميليا شحاتة ومارى زكى وجاكلين فوزى وغيرهن ممن لم نسمع عنهن، ليُفعَل بهن كما فُعل مع عماد المهدى -عماد سمير سابقاً- الذى حكى عما حدث له ولأخته من تنكيل وأهوال فى غياهب أحد الأديرة بالصعيد عندما شك أهلهم أنهم قد يُسلمون[13]. وقريبة من روايته هى رواية محمد أحمد (أشرف عبد الملاك سابقا) وجيهان نادر[14]، بل وفاحت رائحة كل تلك الممارسات حتى اشتمها الصحافة العالمية حيث قالت الواشنطن تايمز أن الكنيسة القبطية صارت دولة بداخل الدولة[15] بينما كانت تعزف الصحافة المصرية نغمة الوحدة الوطنية بلا كلل أو ملل. ولن نتحدث عن الإستقواء بالخارج وتكديس السلاح فى الأديرة، حيث تم الكشف على إستيراد جوزيف بطرس نجل وكيل مطرانية بورسعيد لمئات الأطنان من الأسلحة من إسرائيل[16] استعداداً للإنقضاض على المسلمين وربما تشكيل دولة مستقلة بالجنوب، وهو الأمر الذى اختفى الحديث عنه من الإعلام بشكل شبه فورى أيضاً. وتتويجاً لسلسلة الإهانات جاء إعتبار المسلمين ضيوفاً على مصر على لسان الأنبا بيشوى نائب الراحل شنودة شخصياً[17].. ويا بخت من زار وخفف!

كل هذا والحكومة أذن من طين وأخرى من عجين خشية “الفتنة الطائفية” وإعمالاً لمبدأ “الدين لله والوطن للصليب”، لدرجة عدم اتخاذها لأى إجراء ضد متظاهرين أقباط أصابوا 4 جنود وضابطين بمركز سمسطا بالحجارة لإعتقادهم أن شاباًَ أسلم يحتمى به، بل تم السماح للقساوسة بتفتيش القسم هناك بحثاً عنه حتى يصدقوا أنه غير موجود وإثبات “حسن نية” الشرطة![18] ودعونا لا نتحدث أيضاً عن تيسير النظام البائد لبناء الكنائس مقابل تصعيب بناء المساجد[19] ولا عن تفتيش وإغلاق المساجد فى ساعات محددة بعكس الكنائس، ولا عن تصيّد التهم لمن ينطق ببنت شفة فى إنتقاد هذا الوضع الشاذ بينما كان يتجاهل من يسب الإسلام والرسول[20]

إذاً فكلما ازداد التساهل مع هاتين الفئتين -اليهود والمسيحيون- كلما انفتحت شهيتهما للمزيد من التنازلات، مما كان يدفع حكومتنا الأبية لتقديم المزيد منها فى دورة لا تنتهى. كما أنهما بدورهما شديدا الولاء للنظام ويعرفان أن أى استبدال له سيفقدهما هذه الإمتيازات المجانية، وهو ما تأكد فى ثورة يناير حين طلبت الكنيسة من رعاياها الإبتعاد عن المظاهرات[21]، وقد كان البابا شنودة أيّد مبارك صراحة حتى بعدما قتل بلطجيته الناسَ فى الشوارع[22] معتمداً على مجموعة من الإعلاميين المسلمين عشاق الذل الذين حرّموا على أنفسهم نشر صورة مسجد إلا وبجانبه كنيسة أو رفع هلال إلا وبجانبه صليب أو الإمساك بمصحف إلا وبجانبه إنجيل وكأن مصر لم تعد دولة مسلمة بأقلية مسيحية بل نصف مسلمة ونصف مسيحية. ولذا فلا عجب من تأييد 70% من المسيحيين فى الإنتخابات لأحمد شفيق[23] الذى ألمح بحذف القرآن من مناهج اللغة العربية أو إضافة آيات إنجيلية لها[24]. ولا يمكن بأى حال من الأحوال لومهم على ذلك، بل إننى وبمنتهى الصراحة لو كنت مكانهم لحذوت حذوهم.. فمن الذى يجد هكذا تدليل ويرفضه؟ وعلى الجانب الآخر نجد أن البجاحة وصلت بالإسرائيليين إلى وصف مبارك إبان حكمه بأنه “كنز إستراتيجى” لهم[25]

طيب لكن مع أخْذ كل هذا فى الاعتبار فأى تلك الفئتين هى المسؤولة عن جرائم سرقة الأعضاء؟ من شبه المؤكد أن الفئة الأولى هى المتسببة فيها، لأنه بالتزامن مع أحداث الخطف فى مصر تم القبض على حاخامات فى أمريكا بتهمة تهريب أعضاء بشرية لإسرائيل[26] (وهم شديدو الغباء لعدم اكتفائهم بسرقة الأعضاء فى مصر حيث لا يتعرضون لخطر الإعتقال!) وأيضاً فى نفس الفترة تقريباً كشَف صحفى سويدى -وهو جندى اسرائيلى سابق- أن إسرائيل قامت بسرقة أعضاء بعض سجناء معتقل أبو غريب العراقى سىء الصيت عن طريق طبيب يهودى أمريكى يعمل فى السجن ذاته[27]، ومن قبلها سرقوا أعضاء الفلسطينيين بالطبع[28]. هى مافيا عالمية إذاً أبطالها من اليهود والإسرائيليين ومصر لا تغدو كونها محطة من محطاتهم الكثيرة

وهكذا يا عزيزى القارىء نكون قد عرفنا المسؤول عن سرقة أعضاءنا بدرجة شبه مؤكدة دون الحاجة لتحقيقات النيابة ولا المحاكمات التى لن تبدأ -للأسف- قبل يوم الحساب!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر:
(يمكن مراجعة المصادر المنتهية من موقع archive.org)
[1]http://www.dostor.org/society-and-people/variety/11/june/22/45842
[2]http://abosi222.maktoobblog.com/1622723/الهلفوت-عادل-إمام
[3]http://www.shorouknews.com/Columns/column.aspx?id=170488
[4]http://dr-emadabbas.blogspot.com/2009/03/blog-post_7398.html
[5]http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=301513&pg=1
[6]http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/CDDB2867-B8C9-471F-9368-A1E792F305E7.htm
[7]http://www.ahram.org.eg/Inner.aspx?ContentID=95657&typeid=25
[8]http://www.sawtmasr.com/منوعات/2676-رئيس-الخدمات-البيطرية-لقاحات-إسرائيلية-تصيب-الدواجن-بفيروسات.html
[8ب]http://www.felesteen.ps/index.php?page=details&nid=5449
[9]http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=24594
[10]http://shareah.com/index.php?/records/view/action/view/id/2058/
[11]http://www.almoslim.net/node/85727
[12]http://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?selected_article_no=4590
[13]http://www.youtube.com/watch?v=Jkn4s8BKxaI
[14]http://www.youtube.com/watch?v=qwBtxIr4X40 + http://www.youtube.com/watch?v=VCn7QhNmo-w
[15]http://www.washingtontimes.com/news/2010/sep/14/egypt-church-rule-absolute-to-coptic-christians
[16]http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=413735&pg=1
[17]http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=413725
[18]http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=28929
[19]http://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?selected_article_no=15660
[20]http://almesryoon.com/news.aspx?id=46529
[21]http://www.dostor.org/politics/egypt/11/january/22/35557
[22]http://www.al-seyassah.com/AtricleView/tabid/59/smid/438/ArticleID/126031/reftab/36/Default.aspx
[23]http://www.youm7.com//News.asp?NewsID=682611
[24]http://www.youtube.com/embed/rBqi6CQ2AbU
[25]http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/02/blog-post_05.html
[26]http://www.annabaa.org/nbanews/2009/08/023.htm
[27]http://www.islammemo.cc/akhbar/Africa-we-Europe/2009/09/24/87601.html
[28]http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3C131522-B559-4282-94EE-7DB5EABF4888

Posted مايو 25, 2012 by حسام حربى in معارضة

فقط فى مصر.. انتخابات يحسمها الأجانب!   2 تعليقان

مش كفاية عليك انتخابات ويلز؟

اسمه آندرو، واسم أبيه ستيفن، شعره البنى شديد النعومة، وجهه ناصع البياض مشبع بحمرة، تجذبك عيناه الرماديتان المتلألئتان وابتسامته الساحرة. يهوى موسيقى الرُك والبلاك متل، لا يصبر على مفارقة كلبه هنك، وهو مؤيد مخلص للحزب الديمقراطى، ومدافع شرس عن حقوق المثليين، وشديد الحزن لما أصاب اليهود على يد النازى. هو أيضاً مولع بأسرار الفراعنة، ويشتاق لزيارة مصر فى يوم من الأيام بعد تخرجه من جامعة واشنطن. لكن عزاؤه الوحيد الذى يُصبِّره لحين تحقق أمنيته تلك.. هو حقه فى التصويت بانتخاباتها المقبلة!

أيها السادة، مرحباً بكم فى مصر.. أرض العجائب.

فى ظل حالة النشوة التى انتابتنا جميعاً لشهور عدة بعد سقوط المخلوع، قرر نفس صاحب قرار الإفراج عن متهمى التمويل الأجنبى وهو المستشار عبد المعز إبراهيم، مؤيَّداً من المجلس العسكرى، منْح حق التصويت فى الإنتخابات البرلمانية والرئاسية للمصريين فى الخارج فى نوفمبر 2011. ثم تلا ذلك منح الجيل الثانى من المصريين -أى أبناء المصريين المولودين فى الخارج- حق التصويت أيضاً.

ورغم سهولة تزوير تلك الأصوات التى لا تخضع لأى نوع من أنواع الرقابة القضائية إلا أننا ندعو القارىء الكريم للتسلح بحسن النية والتخلى عن سوء الظن -بعد الإستعاذة بالله من وساوس الشيطان وبعد تجاهل التقارير التى بدأت رائحتها تفوح- وتأمُّل هذا الأمر من ناحيته المنطقية البحتة..

صديقنا آندرو، هذا الشاب اليافع ذو الأم المصرية الذى لم تطأ قدماه شوارع المحروسة منذ قضى فيها إجازة صيف وهو فى التاسعة من العمر، والذى لا يعرف رائحة هواء الصحراء وطعم مياه النيل، والذى لم يذق شطة الكشرى ولا قرمشة الطعمية، والذى يجهل سعر رغيف الخبز وثمن تذكرة الأوتوبيس، والذى لم يحرقه غلاء لتر البنزين ولم يتنفس الصعداء لهبوط تكلفة مكالمة المحمول، والذى لم يدخل مستشفى ولا مدرسة مصرية قَط، والذى لا يُحسن من العربية سوى “شكراً” و”إزيك” و”سلام”، والذى لا يعرف عن أسلوب حياة هذا الشعب ولا مشاكله سوى ما تحكيه له والدته من ذكرياتها القديمة وما يقرأ عنه فى النيويورك تايمز وما يشاهده على السى إن إن.. له حق إختيار نائباً يمثله فى مجلس الشعب، ورئيساً يمثله فى قصر العروبة!

إنه خبل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانى.

فصديقنا الذى لا يدفع أى نوع من أنواع الضرائب للحكومة المصرية -لا ضرائب دخل مباشرة، ولا ضرائب مبيعات غير مباشرة، اللهم إلا حين يشترى قميصاً صُنع من قطن مصرى من سلسلة محلات “تارجت” أو “سيرز” فى ولاية فرجينيا حيث يقضى عطلته الأسبوعية- سيكون له حق إختيار المتحكم فى ميزانية دولة لا يشارك فى تحمل أعباءها بأى طريقة من الطرق. ليس هذا فقط.. بل إن قُدّر أن يكون له أطفال من صديقته لِندا فسرعان ما سيكتسبون نفس الحق!

قد يعترض البعض على اعتراضنا بحجة أن دولة ديمقراطية كبرى كالولايات المتحدة تسمح لمواطنيها فى الخارج بالإنتخاب.. ورغم أننا غير ملزمين بتقليد نظام الولايات المتحدة أو غيرها إلا أن الرد البسيط على هذه الأطروحة هو أن أمريكا تفرض الضرائب على دخول مواطنيها فى الخارج، أى أنها تمنحهم سلطة استثنائية مقابل تحميلهم مسؤولية استثنائية. أضف إلى ذلك فارقاً جوهرياً بين الولايات المتحدة ومصر.. وهو أن عدد المصريين فى الخارج يُقدّرون اليوم بثمانية ملايين نسمة أى حوالى 9% من تعداد الشعب -بل أكثر عند اعتبار مَن وصلوا لسن الإنتخاب- شأن مصر فى ذلك شأن كافة الدول النامية المُصدرة للسكان، وهى نسبة تتزايد دائماً مع استمرار التساهل فى شروط منح الجنسية لأولاد المصريين ومع استمرار الهجرة للخارج. فى حين أن الدول المتقدمة قلما يهجرها أهلها، حيث تُقدر هذه النسبة للولايات المتحدة على سبيل المثال بـ2.1% فقط.

أما عن أحوال الجالية المصرية فى الخارج فنجد الكثير من مهاجريها وأولادهم منقطعين بالكامل عن بلد آبائهم، وأفضلهم حالاً يزورها لبضع أسابيع فى عطلته السنوية التى يقضيها بين مارينا وشرم الشيخ قبل رجوعه لوطنه الحقيقى الذى صار به عمله وإقامته وأسرته الجدد. وبسبب ظروف وبيئة هذه الفئة المتميزة عن ظروف وبيئة معظم شعبنا الذى يقبع 42% منه تحت خط الفقر، وبسبب أعداد أفرادها الضخم، فسرعان ما ستكوْن لها لوبيهات تنظيمية هائلة تمكّنها من ترجيح إن لم يكن حسم الإنتخابات للمرشح أو الحزب الذى تؤيده، ومن ثَم فسيكون لها قوة ضغط وتفاوض شديدة الأهمية للسياسيين الذين سيتهافتون لتلبية مطالبها أياً كانت مقابل الظفر بأصواتها المهولة. وكل هذا من الخارج -من أوربا وأمريكا- بالـ”ريموت كنترول”.

ألم أقل لكم أنه خبل؟

سيحتج البعض بحجة كون هذه ليست ظروف كل المصريين فى الخارج.. فالكثير منهم سافروا فى رحلات مؤقتة طلباً للسياحة أو العلاج، وبعضهم مجرد طلاب ما يلبثوا إلا ويعودوا لأوطانهم بعد بضعة أعوام، وآخرين اضطرتهم ظروف عملهم للمكث فترات فى الخارج لم ينسوا فيها وطنهم ولم ينقطع اتصالهم به يوماً.. فما ذنب هؤلاء لحرمانهم من حقوقهم السياسية؟ والرد البسيط على تلك الأطروحة هو أن هؤلاء شريحة عشوائية مُمَثّلة من المجتمع، ولذا فإن عدم إدلائهم بأصواتهم لن يغير من النتيجة النهائية للإنتخابات شيئاً فضلاً عن حَدّه من إمكانية التزوير والنفقات الباهظة للتصويت فى الخارج. فعلى سبيل المثال فلو تم استثناء جميع من وُلدوا فى شهر أغسطس أو جميع من وُلدوا فى سنوات كبيسة مِن التصويت فلن يغير هذا من الفائزين بالإنتخابات لأن المستَثنين لا يمثلون تياراً سياسياً بعينه فستظل النِسَب كما هى مع تقليل الأعداد فقط.

لكن التغيير يحدث حين نستثنى فئة مثل (الأغنياء) أو (الفقراء) أو (الشباب) أو (الكبار) أو (المتدينين) أو (العلمانيين) أو (المتعلمين) أو (الأميين) أو (أبناء بحرى) أو (أبناء قبلى) لأن كل فرقة من تلك تُعتبر شريحة غير مُمَثّلة فى باقى المجتمع فتعطِى أصواتها لمرشحين متباينين وفقاً لشروطها المختلفة. وهذا بالضبط وضْع المصريون فى الخارج لفترات طويلة وأولادهم، إذ صاروا شريحة منفصلة ليس لها مثيل فى الداخل فصارت لهم مصالح وآراء وطموحات ومخاوف تختلف عن مصالح وآراء وطموحات ومخاوف المصريين العاديين. وليس أدل على ذلك مِن تصدّر مرشحَ من الفلول يتوعد الثورة والثوار لاستطلاع رأى أجراه المركز الديمقراطى الأمريكى للمصريين بالولايات المتحدة نشرته الأهرام السبت الماضى. وأتى استطلاع آخر للمصريين بفرنسا بنفس النتيجة. هؤلاء -أيها السادة- هم “المصريون” فى الخارج. هؤلاء هم عيّنة آندرو ومَن على شاكلته.

ولذا فإن اشتراط تواجد الناخب فى مصر أثناء فترة إدلاء الأصوات يحد من تأثير هذه الشريحة التى تميزت عن عامة الشعب وهو فى ذات الوقت لا يُضيع تأثير الشريحة التى ما زالت تنتمى للبلد لوجود مثيل لها يقوم مقامها فى الداخل، وهو إجراء حَرِىّ بأى مصرى مخلص فى الخارج أن يؤيده. كما أن ما نقترحه ليس ببدعة وله سابقة، وهى حرمان المجندين الذين يخدمون الوطن من التصويت لسهولة التأثير عليهم.. فكيف لا يُحرم المصرى فى الخارج من التصويت لسهولة التأثير أو التزوير؟

المؤلم فى الأمر أن ما نقوله ليس بجديد ولا مفاجىء، وأن الجميع يعلمون ذلك صراحة أو ضمناً. لكن فى الآونة الأخيرة استُحدثت مقدسات لا يمكن المساس بها هذه إحداها.. فإن طالبْت علناً بحصر حق الإنتخاب على المصريين فى الداخل لثارت عليك ثائرة القوى السياسية اللبرالية بنفوذها الإعلامى، ولـفرشت لك الملاية منظمات أقباط المهجر، فضلاً عن استنكار المنظمات الدولية بما فيها تلك التى لا تسمح دولها أصلاً لمواطنيها فى الخارج بالتصويت.

ولذا فإن كل أملنا من هذه الرسالة هو إيصال صدى نداء مدوّى لآذان حكماء هذا البلد يدعوهم للتعقل إن كانوا أيدوا هذا القرار، وإلى الكَف إن كانوا ضغطوا لتحقيقه، وإلى التشجع والصدع بالحق إن كانوا صمتوا عليه. ولو كان فات وقت التراجع للإنتخابات المُقبلة فلا أقل من إلغاء هذا التشريع المتسرع والمشبوه قبل التى تليها.. كى لا يتسرب حق تقرير مصير هذه الأمة مِن أيدى أبنائها مرة أخرى.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مايو 22, 2012 by حسام حربى in معارضة

أكثر من عشرين طريقة يبقى بها المستبد فى الحكم   3 تعليقات

كتب العبقرى كِنِث هاسكنز مقالة منذ قرابة الأربعين عاماً يوضح فيها أساليب إحتفاظ المستبدين بالسلطة والبقاء فى الحكم. وقد ذهلتُ -كما ستذهل أنت تماماً- من تشابه تلك الطرق أو قل تطابقها مع ممارسات مخلوعنا العزيز ثم مجلسه العسكرى الأعز للبقاء فى السلطة وإضفاء الشرعية للاستمرار على رقاب الخلق. وهذه بعض النقاط التى أوردها، فالمستبدون..

-يتهموك بأنك أنت الذى لم تقم بواجباتك
-يحاولون كسب تعاطف رؤوس المعارضة
-يقنعوك بأن الأمور لن تتحسن لو أعطوك السلطة
-يغيرون من القيم المتوارثة لدى الأطفال مِن آبائهم
-يستمرون فى تعريف ما هو جيد وما معنى تحمل المسؤولية
-يركزون على ما هو جيد بالفعل بينما يقللون من قيمة ما أفسدوه
-يحاولون تدمير ثقتك بنفسك متظاهرين بأن رؤساءك لا يمكن تعويضهم
-يتظاهرون بأن الأوامر تأتى “من أعلى” وأنهم لا حول لهم ولا قوة
-يُغْرونك بأنك لو كنت مسالماً فسيكون كل شىء على ما يرام أو يهددونك
-يجعلونك تظن بأن وظيفتهم صعبة لدرجة أنك محظوظ لقيامهم بها بدلاً منك
-يعطوك الأذون بالأشياء التافهة (ليحتفظوا لأنفسهم بالقرارات المهمة حقاً)
-يتظاهرون بأنهم معك فى نفس الموقف (ويعانون مما تعانى منه فلماذا تشتكى؟)
-إذا تظاهرَت مجموعة كبيرة يقولون “لن نخضع للضغوط”، وإذا تظاهرت مجموعة صغيرة يقولون “يبدو أن هذه المسألة لا تهم الكثيرين”

ألم أقل لك؟ كأنه “دليل الجيب للمستبد فى كل زمان ومكان”.

قد يقسم القارىء للوهلة الأولى بأن هاسكنز هذا شخصية من تأليفى، أو أنه ربما كان مصرياً صاحب إسم عجيب، أو على أقل تقدير أنه خواجة أتى إلى مصر وتعلم فيها فنون البيضة والحجر. لكن لا يا سادة، إنها نفس الحيل والألاعيب لا تتغير يمارسها دائماً فاقدو الشرعية، فلا جديد تحت الشمس.

وسأستغل فرصة تواجدك معى عزيزى القارىء وأضيف من عندى ومن مصادر شتى عدة طرق أخرى لبقاء المستبدين فى السلطة:

-القاعدة الذهبية.. إضرب المربوط يخاف السايب
-يجاهرون بالإنتقاد اللاذع لأعداء الأمة نهاراً بينما تربطهم بهم ليلاً علاقة.. غير محترمة
-يمررون قراراً مستفزاً ضمن حزمة قرارات أخرى تَصدر فى نفس الوقت كى “يذوب تأثيره” بينها
-يفزعوك أولاً بتفكيرهم فى قرار مخيف ثم “يصفصف” على قرار أرحم قليلاً فنَبوس يدينا وش وظهر
-يعيّنون أكبر عدد ممكن من الموظفين فى أجهزة إدارية و”أمنية” تابعة للدولة كى يرتبط رزقهم بمساندة النظام أو على الأقل مهادنته
-يعطوك الامل ثم ينزعوه ثم يعطوه لك ثم ينزعوه كى يدجنوك ويعودوك على أن القرار بيدهم وأنك لا تملك من أمرك شيئاً أكثر من التمنى والدعاء بأن ربنا يسترها
-يختارون التوقيت المناسب للقرارات الحمقاء، وهى إما تكون إبان إنشغال الناس بأشياء أخرى (أبرزها الدورى والكأس اللذان تم إيقافهما لحسن الحظ) أو بعد إنتهاء موجة إعتراض سابقة كى تكون بطاريات الناس الإعتراضية قد نفدت
-ينقلون المعركة إلى مستوى جديد أدنى كثيراً مما تطالب به.. فمثلاً لا تكون المعركة حول إستمرار معاهدة كَمب ديفِد أو إلغاءها، بل حول ما إذا كان علينا الإحتفال بذكراها السنوية أو لا. وعندما لا نحتفل تظن أنك “إنتصرت” وأننا فى بلد ديمقراطى يحترم رأيك
-يمررون ما يريدونه تدريجياً.. فأولاً يخرج الخبر كإشاعة غير مؤكدة، ثم تسمع تصريحاً بأنهم “يَدرسون القرار”، ثم يدخل الحزب أو مجلس الشعب فى “مباحثات”، ثم “يأخذون رأى المعارضة فى الإعتبار”، كل ذلك يؤهلك نفسياً لتتقبل مصيرك المحتوم فى النهاية منغير دوشة بدلاً من صدمَك به مرة واحدة. وأخيراً يعلنون عن بدأ التطبيق “من العام المقبل” كى لا يثور الناس إذا ما بدأ فوراً
-أما أخطر طريقة فى رأيى فهى الإبقاء على الجيش فى حالة إعتماد شبه كلّى على السلاح المستورد عن طريق إهمال الصناعات الحربية والبحث العلمى العسكرى، والإبقاء على الزراعة فى مستوى متدن لا يتعدى سقفاً إنتاجياً معيناً، بحيث إذا ما تم إستبدال نظام الحكم العميل للخارج بطريقة سلمية أو غير سلمية بنظام آخر “غير متعاوِن” مع الأجندات الأجنبية كما حدث إبان الثورة يكون من السهولة بمكان أن تُغزى الدولة أو على الأقل تحاصَر إقتصادياً ويتم تجويعها بلا أدنى مقاومة.. وهكذا يكون الخيار الوحيد هو استمرار الإنبطاح للقوى الكبرى

إذاً فى المرة القادمة التى ترى فيها إحدى تلك الحيل تمارَس ضدك يا مواطن يا مطحون فاضحك وتمتم  فى سرك -أو خارج سرك- وقل “فاقسينكوا”!

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مايو 19, 2012 by حسام حربى in معارضة

صفقة المخلوع مع الخواجة   2 تعليقان

رَوى طلعت حرب عن رسالة وُجّهت للخديوى إسماعيل جاء فيها “بلغنا ورأينا من مقتضيات الأحوال ما يصدق الخبر أنكم كاتبتم ملوك أوروبا وتوجهتم بأنفسكم إليهم تطلبون منهم الإعانة علي الاستقلال بملك مصر والاستبداد بالسلطنة ليقال لكم ملك مصر أو فرعون مصر ولم يقنعكم لقب الخديو الذي شرفكم به سلطاننا في هذه المدة الأخيرة. وذكرتم للمشار إليهم أنكم تضمنون لهم إن وقعت منهم الإعانة التي تطلبونها تبديل أحكام القرآن وفصل السياسة عن الدين بالمرة”[1]. ومن قبْل خيانة إسماعيل قبِل جده محمد على إتفاقية مؤتمر لندن المهينة التى قصقصت ريشه وحددت عدد أفراد الجيش مقابل إبقاء الحكم فى سلالته. لكن لماذا أُذكركم بهذه الأحداث المظلمة فى تاريخنا؟ لأنه يتبين لنا كل يوم أنه لا جديد تحت الشمس وأن التاريخ دوماً يعيد نفسه..

فلم يعد سراً أنه قد أُبرم إتفاق صريح أو ضمنى بين مخلوع مصر والغرب، بمقتضاه كان الغرب يغض الطرف عن إستبداد النظام وهدره لحقوق الإنسان عندنا مقابل إبقاء الرئيس للبلد فى حالة تخلف وتبعية لهم. وقد وفّى الغرب بإلتزاماته على أكمل وجه.. فقارن مثلاً بين رد فعل الصحافة والحكومات الغربية المفعم بالحياء فى قضية مقتل خالد سعيد على يد مخبرَىّ شرطة ورد فعلهم على قرار إيران برجم سكينة أشتيانى “الزانية قاتلة زوجها” والتى مُلئت الدنيا عليها صراخاً ونحيباً، أو بين السكوت التام على تزوير كل إنتخاباتنا بلا إستثناء وبين التجريس الذى نال الحكومة الإيرانية إزاء إتهامات غير مؤكدة بتزوير إنتخابات 2009، أو التطنيش شبه التام على ما فعله النظام عندنا فى ظل 30 عاماً من الطوارىء بل ودعمه بـ1.7 مليار دولار سنوياً كرشوة مشروطة وبين إنتقادهم الدائم لتنكيل كوريا الشمالية والصين بالمعارضين السياسيين. هذا عن الغرب.. لكن ماذا عن طريقة تنفيذ الرئيس لدوره فى الصفقة؟ هل كان يشرف بنفسه على كل كبيرة وصغيرة للتأكد من وفاءه للعهد؟ بالطبع لا

كان باختصار يضع الرجل غير المناسب فى المكان المناسب.. فلم نسمع أنه جىء منذ بداية عهد حسنى مبارك بأى وزير دفاع أو إنتاج حربى مثلاً له خِطط فى إقامة مشاريع تصنيع وطنية للإستغناء عن إستيراد السلاح من الخواجة باستثناء المشير محمد أبو غزالة الذى تم التخلص منه، مما يضمن أننا لن ندخل أبداً فى صدام حقيقى مع مصالح الغرب فى المنطقة أو مع إسرائيل وإلا تم تحطيمنا خلال أسابيع قليلة. ومن أطرف تصريحات الوزراء التى قرأتها فى حياتى كان تصريح سيد مشعل وزير الإنتاج الحربى السابق والذى إستشهد فيه بعدم إستطاعة إسرائيل القضاء على الشعب الفلسطينى وقضيته وعدم إستطاعة أمريكا القضاء على الشعب العراقى وقضيته رغم إمتلاكهما لأعتى الأسلحة مستخلصاً من ذلك فلسفته الناصة على أن “الأمن لا علاقة له بالسلاح”[2]. لا يا عزيزى القارىء لم تخنك عيناك ولم أخطىء فى الكتابة، وزير بلدك السابق للإنتاج الحربى قال بعضمة لسانه أن الأمن لا علاقة له بالسلاح.. إيه؟ هاتفهم أكتر من الأستاذ الدكتور وزير الإنتاج الحربى؟

ومصير الزراعة هو نفس مصير التسلح.. فقد تكلمَت الأستاذة الكبيرة سكينة فؤاد عن الإطاحة بوزيرَى الزراعة مصطفي الجبلى وأحمد الليثى بعد مكوثهما عاماً ونصف فقط فى الوزارة بعدما أرادا تحقيق الإكتفاء الذاتى لمصر من القمح، كما روت عن مهاجمة مقر صندوق التكامل الزراعى الذى إستهدف تحقيق إكتفاء مصر والسودان من القمح على طريقة الأفلام الأمريكانى ومصادرة قوات “الأمن” لأوراق المشروع التى لا يعلم أحد أين ذهبت إلى الآن[3]. وقد تبين بعد الثورة أن الرئيس السودانى عمر البشير عرض على مبارك زرع القمح لمصر بالسودان فرفض قائلاً “أمريكا هتزعل منى”![4]

وهكذا ظلت مصر دائماً بفضل جهود السيد المخلوع ورجاله تحت رحمة الغرب فيما يتعلق بأهم شيئين تحتاجهما أى دولة ذات سيادة: الطعام والسلاح (الذى لا علاقة له بالأمن). كما استفاد الخواجة -ولا يزال- من تصدير طعامه وسلاحه إلينا بأموال طائلة. وقد إعترف عاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية مؤخراً أنهم نجحوا فى إحداث “الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية فى أكثر من موقع”[5]، وقد يكون المقصود بالإختراقات العسكرية هو وجود شرائح فى الأسلحة الأمريكية المصدرة لمصر بحيث يمكن تعطيلها عن بُعد فى أى وقت إذا ما قررنا إستخدامها ضد إسرائيل[6]. لكن الأغرب من الإختراق نفسه هو إعتراف بادلين بذلك على الملأ، وكأنه يعلم جيداً أننا سواءاً علمنا به أم لم نعلم فلن نستطيع تغيير شىء لأنهم أحكموا السيطرة علينا فى تلك المجالات. وهذا يفسر قول بنيامين بن إليعيزر وزير التجارة والصناعة الصهيونى قبل الثورة بأن الرئيس مبارك “كنز إستراتيجى لإسرائيل”![7]

وأعترف أن علمى بإقالة الوزراء المخلصين وإستبدالهم صححت لى فكرة مسبقة خاطئة، فقديماً كنت أظن أنه يتم الإتفاق صراحةً مع الوزير قبل توليته أن يُبقى على الأمور فى أسوأ صورة أو أن إختياره يتم بدايةً بناءاً على فساده.. لكن الآن يتضح أن هذا تصور ساذج ومبسط لأن هناك وزراء محترمون حقاً ومحبون لأوطانهم حقاً، لكن ما كان أن يُشتمّ منهم رائحة النشاط والإنجاز الحقيقى متمثلاً فى أى جهد جدّى للنهوض بالبلد وتخليصها من التبعية حتى يتم التقفيل على مشاريعهم وإستبدالهم فوراً

وهذا يفسر أيضاً سبب بقاء بعض الوزراء المسؤولين عن الملفات الحساسة لأحقاب فى مناصبهم.. فيوسف والى (الزارعة) وصفوت الشريف (الإعلام) وفاروق حسنى (الثقافة) ظلوا فى كراسيهم لأكثر من عشرين سنة، وقد تولى المشير حسين طنطاوى وزارة الدفاع والإنتاج الحربى سنة 1991 (ولا أعرف هل أتم العشرين عاماً أم لا؟) بعد أبو غزالة الذى كان يحاول الإرتقاء بالصناعات الحربية المصرية والعربية. وامتدت سياسة قريبة لمجال الديون التى أشرف عليها السيد الهارب بطرس غالى.. فالدَين العام الخارجى حتى الثورة كان مستقراً حول 31 مليار دولار، ولم تقم أى محاولة لتسديده أو حتى تخفيضه رغم وصول إحتياطى النقد الأجنبى إلى 36 مليار فى 2011، وبقاء الدين الخارجى مرتفعاً بهذا الشكل يضمن دخلاً ممتازاً يطير من جيوبنا كل عام إلى جيوب المؤسسات الربوية العالمية المقرضة. ولا تحتاج أن تكون عبقرياً كى تدرك أنه كانت تُدفع عمولات وسمسرات لبقاء هذا الوضع العجيب[8]

كل هذا يوضح تماماً أنه ما كان أن يجد الرئيس من “يفهم اللعبة” بالإبقاء على أكثر المجالات حساسية فى حالة جمود وركود حتى يتمسك به ولا يفرط فيه لإحتمالية مجىء التغيير بواحد “مش مفتح مخه” يعكر مزاجه ويقرفه فى عيشته. وهكذا يكون مبارك قد نجح بامتياز فى إثبات خطأ نظرية التطور لدارون القائلة بأن “البقاء للأصلح” وحوّلها إلى “البقاء للأخمل”

ولذا فإننى سأتجرأ اليوم وأخالف الإجماع المصرى فى إجابة سؤال “تفتكر مين هايكسب الإنتخابات؟؟” بالنطق بإسم مرشح رئاسى معيّن. فلأن الرئيس لا يدير الدولة بيديه تصبح المسألة الأهم أن يأتى الفائز -أياً كان- برجال مخلصين أكفّاء يحققون لنا النهضة المنشودة. تفتكروا انتم مين هايمسك الزراعة والمالية والإنتاج الحربى؟؟

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

المصادر
[1]http://dostor.org/opinion/10/september/12/28469
[2]http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=286121&pg=19
[3]http://dostor.org/weekly/reportage/10/september/8/27970
[4]http://almesryoon.com/news.aspx?id=52913
[5]http://www.almasryalyoum.com/news/الرئيس-السابق-لـ-«أمان»-اخترقنا-مصر-بما-يُعجز-أي-نظام-بعد-مبارك
[6]http://www.redress.cc/global/cking20110214
[6ب]http://almesryoon.com/news.aspx?id=67792
[7]http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/05/blog-post_05.html
[8]http://dostor.org/politics/egypt/11/march/6/37571

Posted مايو 16, 2012 by حسام حربى in معارضة

أبو الخبرة السياسية على سنينها   Leave a comment

لا تتقيأ.. إنها خبرة سياسية

عند الحديث حول الإنتخابات والمرشح المثالى دائماً ما يبرز فى مرحلةٍ ما من الحوار معلقاً يقول: “فلان ممتاز.. لكن خسارة تنقصه الخبرة السياسية”. وقد يتحمل الحليم هكذا رأى مرة أو اثنتان أو ثلاثة، لكن أمْا وأنها قد أصبحت ظاهرة متفشية فقد قررت كتابة خطاب مفتوح لأصحابها أطالبهم فيه بتعريف واضح لهذه الكلمة. فخبرة الخياطة هى حياكة الملابس.. وخبرة الطبخ هى صنع الأطعمة.. وخبرة المحاسبة هى إعداد القوائم.. لكن ما هى الخبرة السياسية؟

أراكم قد طال صمتكم. سأقول لكم يا سادة فى سطور وجيزة ما هى الخبرة السياسية..

الخبرة السياسية هى رؤية حق المظلوم ضائعاً بين المحاكم بالسنوات والعقود فتقول هذا نظامنا القضائى العريق لا نملك غيره
الخبرة السياسية هى أن ترى غاز بلدك يُصدر للعدو بأبخس الأثمان ليساهم فى قتل أخوانك فلا تحرك ساكناً وتقول هذه مصالح عليا
الخبرة السياسية هى طرد من تكتشف تخطيطه لتحقيق الإكتفاء الذاتى من القمح والسلاح من الوزارة لأنك لا تريد إغضاب القوى الكبرى
الخبرة السياسية هى التعامل مع المتظاهرين وأصحاب الشكاوى بالتجاهل تارة وبالعصا الغليظة تارة لأنهم يهددون استقرار البلد ويخيفون السياح
الخبرة السياسية هى الإبقاء على النظام التعليمى الذى أثبت فشله منذ عشرات السنين لأنك لا تدرى عواقب النظام الجديد وتريد تجنب النقد واللوم

“الخبرة السياسية” هى مرادف لتَحوّل الإنسان الطبيعى من لحم ودم يشعر ويتجاوب مع الأحداث والمستجدات إلى صنم لا يهش ولا ينش. إلى حجر لا يجرؤ على المساس بالوضع القائم مهما بلغ من ترَدّى. إلى ديناصور لا يتأقلم عند تغيّر الظروف لأنه قد شرب وتشرب من السياسات القديمة دهوراً وأحقاباً فلم يعد يتخيل كيف يمكن للأمور أن تسير بطريقة مختلفة. وقد جسّد المخلوع الخبرة السياسية بكامل جوانبها، فلا أدرى علامَ قامت الثورة وسقط الشهداء إن كنا سنأتى بخبير سياسى آخر.

لا، لا أريد رئيساً بخبرة سياسية. أريد رئيساً يَرمى لإصلاح الوضْع القائم وليس لامتصاص غضبى مِن بقائه. أريد قائداً ذو كلام قاطع كالسيف وليس بهلواناً محنكاً بعشرة أوجه. أريد رجلاً لم يتلوث ضميره ويتجمد عقله بالخبرة السياسية. أبو الخبرة السياسية على سنين الخبرة السياسية.

حسام حربى – مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com

Posted مايو 12, 2012 by حسام حربى in معارضة